اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-02-15 13:10:25
بعد مرور أكثر من عقدين على أحداث “الربيع العربي”، نواجه تراجع معظم الأحزاب الإسلامية في الدول العربية. وهذا التراجع جاء نتيجة عدم الوفاء بالوعود الانتخابية، أو لنقل أنه قدم خلال التجربة السياسية صورة معاكسة لما يمثله الحزب في الوعي الجمعي العربي. إن النجاح في تولي رئاسة الحكومة أو تصدر نتائج الانتخابات لم يسفر عن تجربة ناجحة للممارسة السياسية قادرة على تحقيق الطموحات التي طالما كانت تحلم بها. وقد رفعه الحزب.
بل هو في الواقع جمود وسلطوية مرتبطة بطبيعة الأنظمة السياسية العربية. ويعود الجمود إلى افتقار هذه الحركات إلى الخبرة السياسية، فضلا عن تضارب توجهاتها السياسية والدعوية.
هناك أيضًا عيب خارجي، مثل وجود نوع من الرقابة الاستبدادية التي حاولت قدر الإمكان الحد من توجهات هذه الحركات على المستوى السياسي. وما أسباب وإمكانيات هذه القراءة؟
الأحزاب الإسلامية
لقد أظهرت الأحزاب ذات التوجه الديني طبيعة حربية وازدواجية المعايير في ممارسة العمل السياسي، وهي حرباء تنجم عن أمرين: المنطلق الفكري الديني لهذه الأحزاب، والتيار السياسي العربي الذي يعكس تبلوراً حديثاً. لمفهوم الدولة، إذ أن ممارسة العمل السياسي تعني منطقياً قبول هذا التوجه الحداثي لمفهوم الدولة.
والقبول بهذا التوجه يعني ضمناً تغيير المرجعية التفسيرية للمنظور الديني الذي يؤطر هذه الأحزاب، ومن ثم ضرورة تحديد مسار للعمل السياسي يتوافق مع الواقع السياسي. فمن أين تأتي حرباء هذه الأحزاب إذن؟
وقد أبدت بعض الأحزاب الإسلامية نوعاً من الاستجابة الإيجابية لإمكانية التكيف مع الواقع السياسي العربي، مثل نموذج “حزب العدالة والتنمية” في المغرب و”حزب النهضة” في تونس أو حتى تجربة “الإخوان المسلمين”. “الإخوان المسلمون” في مصر بعد توليهم السلطة بعد الإطاحة بنظام حسني مبارك. إعلانهم التوافق المبدئي مع متطلبات العمل السياسي في سياقه المؤسسي الذي يحكمه الإطار العام للدولة.
إلا أن معظم هذه الأحزاب الإسلامية مارست نوعاً من الازدواجية في تبني خطابين متشابهين. المرونة في التعامل مع الواقع السياسي الذي تمثله الدولة في سياقها العربي، وفي المقابل الحزم في الاستمرار في التمسك بالمبادئ. ويظل الفكر (الفكر) السلفي مدرجا في العمل السياسي لهذه الأحزاب، ولو بشكل خفي وغير معلن، حيث تعطى الأولوية لطرف على الآخر وفقا للوضع السياسي المسيطر. وفي المشهد السياسي ككل، الذي يعكس وجهين لتجربتين مختلفتين، أو بالأحرى يمكن القول: مختلفان إلى حد المعارضة والمعارضة.
فشل التجارب السياسية للإسلاميين
صحيح أن بعض هذه الأحزاب تمكنت مؤقتا من تحقيق تفوق انتخابي أهلها لتولي مناصب قيادية في الحكومة، لكنها في المقابل أظهرت عجزا عن صياغة تجارب سياسية رائدة أو نموذجية تشكل أساسا حقيقيا. لبناء سجل سياسي فعلي لهذه الأحزاب.
وبحكم الانتماء ندرج هنا مثال حزب “العدالة والتنمية” المغربي، وهو حزب ذو توجه ديني أظهر جانبين متناقضين: الأول يتعلق بالتجربة التي مر بها الحزب عندما كان على رأس السلطة. الحكومة لفترتين، والتجربة التي مرت بها سابقاً وتعيشها اليوم على كراسي المعارضة.
والجانب العام لهاتين التجربتين يوضح أن هناك طرفين متضادين لا يساهمان في رسم صورة واضحة عن المبادئ الحقيقية للحزب، بقدر ما يساهمان في إثارة الشكوك والشكوك حول مختلف النوايا أو التوجهات الحقيقية لهذا الحزب. الحزب، خاصة إذا توفرت أرض خصبة للممارسة الديمقراطية.
ويمكن القول إن هذه الازدواجية في المواقف، والتنصل من المنطلقات والعودة إليها بحسب حالة السياق والجمهور، هي بصمة لمسار الإسلام السياسي في معظم التجارب السياسية التي مر بها. حتى الآن، سواء في تونس أو المغرب أو مصر.
وأدى ذلك إلى استبطان نوع من التوجس، وتراكم الشكوك والتردد لدى معظم الأنظمة العربية بشأن مشاركتها السياسية. ولم يكن هذا التوجس وليد التجارب السياسية لهذه الأحزاب، بل هو توجس رافق تاريخيا تشكيل مفهوم الدولة ككل، إذ يمثل بالنسبة للسلطات عائقا أمام استكمال الدولة. المسار السياسي الحديث. وأدى ذلك إلى معركة علنية وخفية بين هذه الأحزاب وتوجهات السلطة في الدول العربية.
المعركة المعلنة خاضتها التيارات العلمانية، أما المعركة الخفية فكانت مسؤولية الهياكل العميقة للدولة، التي كانت تخشى الصعود ووصول الإسلاميين إلى السلطة. ما هي مبررات ذلك؟
إن التوجه العام لنمط السلطة في بعض الدول العربية ينطلق من بديهية مفادها أن الإسلام السياسي لا يتوافق مع المنطق الديمقراطي المؤسس للدولة الحديثة، ولذلك فإن اتجاهات السلطة تحكم عليها وفق ما تخفيه، وليس ما تعلنه، مع أقوالها. الأفق الإسلامي المأمول، والذي يرتبط في معظمه بالأمل في تكرار التجربة السلفية بشكلها. نقياً، خالياً من شوائب التحديث الغربي، هذا هو الأمل الذي يظل يتسرب من خطاباتهم متواضعاً إذا كانوا على رأس الحكومة، لكنه يطفو بوضوح إذا كانوا خارجها.
ورغم أن عملية انخراط هذه الأحزاب الإسلامية في العمل السياسي أنتجت مرونة جوهرية في تغيير بعض منطلقاتها، إلا أنها كشفت، من ناحية أخرى، عن حرباء ساهمت بشكل أو بآخر في فشلها.
وهذا ما يجعل الدولة حذرة في البداية من قبولهم للمشاركة السياسية وتعتبرها مجرد مناورة أو عمل وفق مبدأ التغيير من الداخل بدلاً من الإقصاء والتهميش، وهو ما قد يؤثر عليهم حتى لو أعلنوا توجهاتهم صراحة.
على سبيل المثال، كان لفشل تجربة «الإخوان» في مصر أبعاد مهمة في توجهات «حزب العدالة والتنمية» في المغرب نحو مزيد من المرونة والطاعة ومحاولة تجنب الاحتكاك أو المواجهة قدر الإمكان مع الدولة، مما يجعل الحزب يتخذ موقف الدفاع والتبرير المستمر، بهدف تقديم صورة مقبولة. وله صلاحية تجنب الدخول في مواجهة قد تخرجه من الساحة السياسية وتحد من تحركاته على المستوى الاجتماعي أو المدني أو السياسي.
مما جعل عملية التجنيد الديني من قبل الحزب الإسلامي مسيجة بالحكم السياسي الذي رسمته الدولة ولا يعكس استقلالاً واضحاً أو فعلياً يمنحهم إمكانية إعلان مبادئهم الفكرية مباشرة، فبدأ النص الديني في أن يكون القراءة في ضوء الواقع وليس العكس، وإن كانت هذه القراءة تبدو ظاهرياً بمثابة معطى إيجابي يعبر عن الكل. ومع أن النص الديني والسياق التاريخي المتعلق بالوضع العربي متسقان، إلا أنه اتجاه مشكوك فيه في مواجهة ممارسة عدوانية هي على الأرجح نتيجة الخوف من الإقصاء السياسي وليس تغييرا فعليا في مبادئها.

وقد أثبتت التجارب التاريخية لهذه التوجهات زئبقها السياسي، مما جعل السلطة السياسية تحاول قدر الإمكان ممارسة الرقابة والوصاية السياسية الاستباقية للسيطرة على المشهد السياسي قدر الإمكان. وتمارس هذه الوصاية بمساعدة الحركة العلمانية بحجة عدم ديمقراطية هذه الأحزاب الإسلامية، وهو ما يرسم بشكل عام أبعاد المعركة المعلنة بين الدولة الضامنة لاستمرار المسار الديمقراطي واتجاهات الأحزاب الإسلامية. وهذه الأحزاب التي تصنف على أنها غير ديمقراطية، رغم أن هذه الأحزاب تحكمها العملية الديمقراطية في العمل السياسي.
إلا أن هذا الخضوع لهذا الواقع يعتبر خضوعاً ظرفياً ينتظر الفرصة للاستيلاء على السلطة واستعادة الأمجاد الدينية.
لذا، فرغم أن عملية انخراط هذه الأحزاب في العمل السياسي أسفرت عن مرونة جوهرية في تغيير بعض المنطلقات، إلا أنها كشفت، من ناحية أخرى، عن حرباء ساهمت بشكل ما في فشل هذه الأحزاب الإسلامية في العمل السياسي. والتجربة التي مروا بها، والتي مثلت فرصة تاريخية لبلورة نموذج واقعي للتفاعل بين البلدين. الحداثة التي تمثلها الدولة والتصورات المسبقة التي تحكم توجهات هذه الأحزاب ومنطلقاتها.


