اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-24 17:40:00
تشهد محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، تحركاً أمنياً جديداً يهدف إلى حماية المواقع الأثرية والتلال المنتشرة في عموم ريفها الجنوبي، في ظل تزايد عمليات التنقيب العشوائي والنهب التي طالت خلال الفترة الأخيرة عدداً من أبرز المواقع ذات القيمة التاريخية الممتدة من العصور الآشورية وصولاً إلى العصور الإسلامية. وأفادت مديرية معلومات الحسكة، الثلاثاء 23 حزيران/يونيو، أن قوى الأمن الداخلي في محافظة الحسكة أطلقت حملة أمنية ميدانية تهدف إلى وقف الاعتداءات المتكررة على المواقع الأثرية وتعزيز السيطرة على التلال المنتشرة في المنطقة، مع فتح تحقيقات موسعة في الانتهاكات المسجلة مؤخراً، خاصة في المناطق القريبة من مدينة الشدادي وريفها الجنوبي. وتأتي هذه الخطوة بعد رصد نشاط متزايد في الحفريات غير القانونية، التي يشتبه بأنها تتم بهدف استخراج الآثار وتهريبها عبر الشبكات المحلية، في ظل ضعف الرقابة وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع النائية. مداهمة موقع تل عربان الأثري وفي إطار الحملة، داهمت دوريات الأمن الداخلي موقع تل عربان الأثري في منطقة عجاجة بريف الحسكة الجنوبي، وهو أحد أبرز التلال التي تعرضت لحفريات واسعة النطاق خلال السنوات الأخيرة. وبحسب مديرية معلومات الحسكة فإن العملية الأمنية هدفت إلى إلقاء القبض على المتورطين في عمليات النهب أو التنقيب غير القانوني، بالإضافة إلى توثيق الأضرار التي لحقت بالموقع، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين. كما شملت الإجراءات تعزيز الانتشار الأمني حول عدد من التلال الأثرية الأخرى، في محاولة لوقف الأنشطة الليلية التي وثقها السكان المحليون خلال فترات سابقة، والتي كانت تتم في كثير من الأحيان باستخدام المعدات اليدوية والآلات الثقيلة في بعض الأحيان. التنسيق الرسمي بين الجهات المعنية. مدير التنقيبات والدراسات الأثرية في المديرية العامة للآثار والمتاحف، أيمن النبو، أوضح في حديث إلى عنب بلدي أن المديرية تتابع أوضاع المواقع الأثرية في مختلف المحافظات السورية من خلال التقارير الدورية التي تصلها من المديريات الفرعية، ويتم التعامل معها وفق القوانين والأنظمة المعمول بها، وبالتنسيق مع المؤسسات الأمنية. وفيما يتعلق بمحافظة الحسكة، قال النوبو إن دائرة آثار الحسكة قدمت تقارير تفصيلية عن الانتهاكات المسجلة، ما استدعى إرسال كتب رسمية إلى وزارة الداخلية والجهات الأمنية المختصة للتدخل العاجل. وأضاف أن إطلاق الحملة الأمنية جاء بعد تأخر نسبي فرضته الأوضاع الأمنية والإدارية في المحافظة، مؤكدا أن التنسيق بين المديرية والجهات الأمنية مستمر بهدف حماية المواقع الأثرية ومنع استمرار الاعتداءات. الخرائط والمواقع تحت الحماية. وأشار النابو إلى أن المديرية تزود الجهات الأمنية بأسماء المواقع الأثرية التي يتم التعدي عليها، بالإضافة إلى تحديد نطاقاتها الجغرافية، مما يسمح للقوات المنتشرة بالتعامل معها وفق الاختصاص المكاني. وأوضح أن الخطة الحالية تشمل كافة المواقع الأثرية في محافظة الحسكة، وليس موقعاً واحداً فقط، بل يتم تنفيذها بشكل تدريجي وفق الواقع الأمني والإمكانيات المتاحة. كما أكد أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيز الرقابة من خلال زيادة عدد الحراس والمراقبين، وتزويدهم بوسائل النقل كالدراجات النارية والسيارات، بالإضافة إلى تطوير وسائل الاتصال السريعة لتسهيل التدخل الفوري في حال وقوع أي هجوم. تحديات ميدانية ورغم إطلاق الحملة، إلا أن المسؤولين يقرون بوجود تحديات كبيرة تعيق الحماية الفعالة للمواقع الأثرية في ريف الحسكة الجنوبي. وأشار النابو إلى أن أبرز هذه التحديات هو قلة الموارد البشرية، وبعد المواقع الأثرية عن المراكز الإدارية، بالإضافة إلى توسع التلال الأثرية وانتشارها في المناطق المفتوحة، ما يجعل المراقبة الدورية صعبة. كما أشار إلى ضعف وسائل النقل المخصصة للمتابعة الميدانية، ما يحد من القدرة على الرد السريع على المخالفات، مؤكدا أن المديرية تعمل ضمن خطة زمنية لتحسين هذه الأوضاع تدريجيا. تل عربان.. آثار تعود إلى العصر الآشوري يعتبر الموقع الذي شهد الغارة الأمنية الأخيرة، تل عربان (أجاجا)، أحد المواقع الأثرية البارزة في ريف الحسكة الجنوبي، ويعود تاريخه إلى العصر الآشوري الحديث بين عامي 950 و612 قبل الميلاد، مع وجود طبقات أثرية لاحقة تعود إلى العصر الإسلامي. الباحث الأثري سالم العيسى أوضح لعنب بلدي أن التل تعرض خلال السنوات الماضية لحفريات متكررة تسببت بأضرار كبيرة في طبقاته الأثرية، ما أدى إلى فقدان أجزاء من سياقه التاريخي. وأشار إلى أن التنقيب غير القانوني لا يقتصر على سرقة القطع الأثرية، بل يؤدي إلى تدمير البنية الطبقية للموقع، ما يجعل إعادة قراءة تاريخه العلمي أمرا بالغ الصعوبة حتى لو تم انتشال بعض الاكتشافات. وأضاف العيسى أن الموقع يحتاج إلى حماية ميدانية دائمة وليس تدخلات مؤقتة، داعيا إلى التعزيز المستمر للتواجد الأمني في المنطقة. كما أكد على ضرورة إنشاء شرطة متخصصة لحماية الآثار مكونة من كوادر مؤهلة في المجال الأثري، معتبرا أن ذلك قد يسهم في الحد من التعديات وتوفير فرص عمل لخريجي الآثار. ويستمر الحفر الليلي على الأرض، وينقل السكان المحليون صورة أكثر تعقيدًا للوضع. وقال محمود الصالح، أحد سكان قرية عجاجة، إن التلة الأثرية “لم تعد كما كانت”، مشيراً إلى أن عمليات التنقيب متواصلة، خاصة خلال ساعات الليل. وأضاف أن مجموعات مجهولة تقوم بعمليات حفر متكررة في مواقع مختلفة في التل، وتغادر بعد ساعات، تاركة وراءها خنادق واضحة يمكن ملاحظتها يوميا. وبحسب شهادته، فإن بعض هذه العمليات تتم باستخدام معدات حديثة، ما يشير إلى أن النشاط ليس فردياً بالكامل، بل قد يكون منظماً ضمن شبكات بحث عن القطع الأثرية. وفي قرية تعبان القريبة من موقع أثري آخر، قال رجب العلي، إن التل تعرض لعمليات سرقة متكررة، مؤكدا أن بعض القطع التي يتم التنقيب عنها تباع في السوق سرا دون معرفة وجهتها النهائية. وأشار إلى أن غياب الرقابة الفعالة ساهم في تفاقم الظاهرة، مضيفا أن بعض السكان بدأوا ينظرون إلى التلال الأثرية كمصدر للدخل، رغم المخاطر القانونية والثقافية التي تنطوي عليها. تحذيرات من خسارة لا يمكن تعويضها ويرى الباحثون الأثريون أن استمرار النهب يمثل تهديدا مباشرا للهوية التاريخية للمنطقة، وليس فقط فقدان القطع الأثرية. وأكد الباحث الأثري سالم العيسى أن محافظة الحسكة تضم أكثر من 1250 موقعاً أثرياً مسجلاً، إضافة إلى مئات المواقع غير المسجلة، ما يجعلها من أغنى مناطق الشرق الأوسط بالتراث الثقافي المتراكم على مدى آلاف السنين. وحذر من أن فقدان السياق الطبقي لهذه المواقع يعني فقدان القدرة على إعادة بناء التاريخ العلمي للمنطقة، حتى لو تم استعادة القطع المنهوبة لاحقا. الخطر مستمر منذ سنوات. ويأتي هذا التطور في سياق موسع للتحذيرات السابقة من تزايد التعديات على التلال الأثرية في الحسكة. وفي تقرير سابق نشرته عنب بلدي في نيسان الماضي، وثق توسع الحفريات غير القانونية في الريف الجنوبي للمحافظة، خاصة في محيط الشدادي وتل عجاج وتبان. وأشار التقرير حينها إلى أن ضعف الرقابة وتعدد الجهات المسيطرة وتراجع القدرات الأمنية ساهم في خلق بيئة مناسبة لعمليات التنقيب غير القانونية، ما أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة من بعض المواقع. كما نقلت عن باحثين أن بعض التلال، بما فيها تل عجاجة، تعرضت لتدمير شبه كامل لطبقاتها الأثرية، مما يجعل ترميمها العلمي أمرا معقدا. وعلى الرغم من إطلاق الحملة الأمنية الجديدة، إلا أن التحدي الأكبر يظل يتعلق باستمرارية الحماية على الأرض، وليس مجرد التدخلات المؤقتة. بين قلة الموارد وتوسع المواقع واستمرار نشاط شبكات التنقيب غير القانونية، تبدو حماية التراث الأثري في ريف الحسكة الجنوبي مهمة معقدة تتطلب تنسيقا طويل الأمد بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات الأثرية، إضافة إلى إشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية والرقابة. وفي ظل هذا الواقع تبقى المواقع الأثرية في الحسكة بين تراث ثقافي يمتد لآلاف السنين، وخطر يومي يهدد بطمس معالمها قبل إعادة توثيقها أو فهمها بشكل كامل.



