سوريا – أحلام معلقة على كرسي الأسنان

اخبار سوريا20 أبريل 2026آخر تحديث :
سوريا – أحلام معلقة على كرسي الأسنان

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-20 22:48:00

في صباح يوم 17 شباط/فبراير البارد، وقف العشرات من أطباء الأسنان على الرصيف أمام وزارة التعليم العالي في دمشق، يحملون الهم نفسه، وإن اختلفت سنوات خبرتهم وتجاربهم. كان بعضهم قد تخرج مؤخرًا، والبعض الآخر أمضى سنوات في المهنة، لكن ما وحدهم كان الشعور المتزايد بأن الطريق إلى الاستقرار المهني أصبح ضيقًا أكثر فأكثر. وتبادل بعضهم الأحاديث حول تجاربهم الشخصية وتخصصهم والخدمة الريفية وصعوبة إيجاد فرصة مستقرة لممارسة المهنة، فيما اكتفى البعض الآخر بالصمت. لكن حتى هذا الصمت كان واضحا في معناه: الأطباء يغادرون عياداتهم أو عملهم لساعات طويلة، واقفين في البرد، لأن مستقبل المهنة أصبح بالنسبة لهم سؤالا لم يعد من الممكن تأجيله. ولم يقتصر المشهد على دمشق. وفي حلب أيضاً، وقف أطباء الأسنان أمام المباني الحكومية حاملين لافتات مكتوبة بخط اليد، تطالب بتنظيم المهنة والحد من الزيادة المستمرة في أعداد الخريجين، في خطوة عكست شعوراً عاماً داخل الأوساط الطبية بأن السوق لم يعد قادراً على استيعاب المزيد. وبينما تبدو العيادات من الخارج أماكن مستقرة، فإن ما يحدث داخل المهنة مختلف. فأعداد الأطباء في تزايد، وفرص العمل تضيق، وكل طبيب يحاول أن يجد موطئ قدم لنفسه في سوق أصبح أكثر ازدحاما وأقل قدرة على توفير الاستمرارية. سوق مزدحم، بحسب نقيب أطباء الأسنان في سوريا الدكتور زكريا الباشا، فإن عدد الأطباء المسجلين في النقابة عام 2024 بلغ نحو 30 ألف طبيب، مقابل عدد سكان يقدر بما بين 20 و22 مليون نسمة، أي نحو 11.5 طبيباً لكل 10 آلاف مواطن. وهذه النسبة أعلى بكثير من المتوسط ​​في الدول ذات الدخل المنخفض، والذي يبلغ حوالي طبيب واحد لكل 10 آلاف مواطن، بحسب مؤشر منظمة الصحة العالمية. يستخدم هذا المؤشر لرصد كثافة أطباء الأسنان مقارنة بعدد السكان، وذلك بهدف تقييم مدى توفر خدمات طب الأسنان في كل منطقة. وتمحورت مطالب المحتجين حول تنظيم مسار التخصص والسيطرة على سوق العمل. ودعا الأطباء إلى زيادة مقاعد التخصص التي لا تستوعب سوى نحو 8% من الخريجين سنويا، مع وقف قبول طلاب جدد في كليات طب الأسنان لتقليل الفائض السنوي، معتبرين أن التخصص هو المسار الرئيسي للخروج من ضغوط السوق. كما أعاد الأطباء طرح قضية الخدمة الريفية التي أقرها القانون رقم 8 لسنة 2008 بهدف إلزام الأطباء بالعمل في الريف وضمان وصول الخدمات الطبية لهم، إلا أنها تحولت، بحسب شهادات المشاركين في الاعتصام، إلى عبء إضافي بسبب ممارسات “الاستضافة”، حيث يقوم الطبيب باستضافة خريج جديد في عيادته مقابل مبالغ مالية. يبدأ الضغط في الجامعة. الاكتظاظ لا يبدأ من باب العيادة، بل قبل ذلك بسنوات، داخل كليات طب الأسنان نفسها. وبحسب مصادر من كلية طب الأسنان بدمشق، فإن عدد الكراسي المتوفرة للتدريب العملي لا يتناسب مع عدد الطلاب المقبولين، حيث يوجد في جامعة دمشق نحو 270 كرسياً، علماً أن نصف هذا العدد معطل أو لا يعمل بشكل جيد، مقارنة بقبول ما يقارب 900 طالب في السنة الأولى. ويصل عدد الطلاب في بعض المحاضرات النظرية إلى 400 طالب، فيما يصل العدد في التدريب العملي إلى نحو 100 طالب، وسط نقص واضح في الكادر التدريسي مقارنة بالمعايير الأكاديمية المعتمدة. وينعكس هذا الواقع بشكل مباشر على نوعية التدريب، حيث يجتمع ستة طلاب حول كرسي واحد لطب الأسنان، ولا تتجاوز حصة كل طالب نصف ساعة لإكمال قضيته، بحسب شهادات طلاب في كلية طب الأسنان بدمشق. كما يدفع هذا النقص بعض الطلاب إلى البحث عن بدائل خارج الجامعة. تقول آية، طالبة التعليم الحكومي، إنها تقوم الآن بإجراء بعض الحالات في العيادات الخاصة التي يتم استئجارها بالساعة، في محاولة لاستكمال متطلبات التدريب العملي، في ظل تراجع الإشراف المباشر مع تزايد الأعداد. مقترحات لم يتم الرد عليها: وزارة التعليم العالي لم تصدر أي تعليق بخصوص الاعتصام منذ عشرين يوما. بعد ذلك عقد ممثلو نقابة أطباء الأسنان اجتماعا مع الوزارة، والتقينا بأحد الأطباء الذين شاركوا فيه ورفض الكشف عن اسمه. وقال إن ممثلي النقابة سلموا للوزارة مجموعة من المقترحات العملية، والتي ركزت على تخفيض عدد الطلاب المقبولين سنويا في كليات طب الأسنان بنسبة لا تقل عن 50%، بحيث لا يتجاوز عدد الطلاب المقبولين ألفي طالب سنويا. كما تضمنت المقترحات، بحسب الدكتور، تطبيق معايير الجودة التي تضمن توفر كرسي تدريبي لكل طالبين بدلاً من ستة، وتحقيق التوازن بين أعداد الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وفق المعايير الأكاديمية، بالإضافة إلى اعتماد امتحان القبول أو السنة التحضيرية الإلزامية لطلبة السنة الأولى في الجامعات الخاصة، مع السماح باختيار من يمتلك المستوى الأكاديمي المناسب لدراسة هذا التخصص. كما تضمنت المطالب تحديد حد أدنى للقبول في تخصص طب الأسنان لا يقل عن 90% في شهادة الثانوية العامة، بالإضافة إلى اشتراط حصول الخريجين على سنة شرف أو خبرة عملية بعد التخرج ضمن برنامج تدريبي واضح، مما يساعد على سد الفجوة بين الدراسة وسوق العمل. إلا أن الوزارة لم تصدر أي بيان رسمي حول الاجتماع أو نتائجه. الهجرة… خيار لا مفر منه. في ظل هذا الواقع، لم يعد العديد من أطباء الأسنان الشباب ينظرون إلى سوق العمل داخل سوريا كخيار قابل للتطبيق. وحاول بعضهم البحث عن فرصة خارج البلاد، ليس من باب الطموح وحده، بل هرباً من فائض الخريجين وضيق السوق. وسرعان ما وجد موسى، الذي تخرج عام 2018، نفسه في هذا الواقع. وكانت محطته الأولى هي العراق، حيث عمل لمدة ثمانية أشهر، ولكن دون ترخيص رسمي أو عقد يضمن له الحماية. ويقول: “لم يكن الخطر يتمثل في فقدان الوظيفة فحسب، بل في الاحتجاز والترحيل”. وبالفعل انتهت تلك التجربة باعتقاله 48 يوما لعدم حيازته رخصة، قبل أن يتم ترحيله. ثم كانت وجهته الثانية هي الصومال، بعد أن عثر على إعلان على فيسبوك يطلب أطباء أسنان للعمل هناك، فتواصل مع المركز مباشرة. هذه المرة، تحمل المركز التكاليف، باستثناء التأشيرة. يقول موسى: “في الصومال لا يوجد طبيب أسنان صومالي، لذلك كان الطلب على الأطباء مرتفعاً وكان العائد جيداً نسبياً”. لكن التجربة لم تدم طويلا، إذ أضاف: “لم أتمكن من التكيف مع طبيعة ومناخ البلاد، وهذا أثر على حياتي اليومية وصحتي النفسية.. لم أتمكن من الصمود أكثر من عام في الصومال”. وكانت محطته الثالثة لبنان، حيث بدأ العمل في مركز داخل مخيم فلسطيني، وكان معظم مرضاه من السوريين. في البداية كان العمل جيداً، ولم يكن له راتب ثابت. بل كان يحصل على نسبة من تكاليف العلاج التي يدفعها المرضى. وواصل عمله هناك حتى سقوط نظام الأسد، حيث بدأ العديد من السوريين بالعودة من لبنان، ما أثر بشكل مباشر على عدد المرضى، وبالتالي على دخله، الذي انخفض، بحسب قوله، إلى حد أنه لا يكاد يغطي إيجارات السكن وتكاليف المعيشة. العودة إلى العيادة… ونفس الزحام. وبعد اثني عشر عاماً من التنقل بين أكثر من بلد، عاد موسى إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وافتتح عيادته في ضاحية قدسيا. كل صباح في الساعة العاشرة صباحًا، يُفتح باب العيادة، لكن يوم العمل الجيد بالنسبة له قد لا يضم سوى مريضين أو ثلاثة مرضى. هذا الواقع لا يعني موسى وحده، بل يعكس حال العديد من الأطباء الذين عادوا أو دخلوا سوق العمل حديثاً، ليجدوا أنفسهم أمام سوق مزدحم، تتوزع فيه أعداد كبيرة من الأطباء على عدد محدود من المرضى، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف العلاج. الضغط المتراكم الذي يشعر به كل طبيب في عيادته لا يرتبط فقط بعدد المرضى، بل أيضاً بتكلفة المعدات الطبية من أجهزة ومواد، مما يشكل عبئاً كبيراً، خاصة على الأطباء حديثي التخرج. وبين قلة الدخل وارتفاع التكاليف تتحول العيادة من مشروع الاستقرار المهني إلى محاولة يومية للاستمرار. تنظيم المهنة أم تركها للازدحام؟ من هنا، يرى الخبير الاقتصادي سمير الطويل أن تنظيم عدد خريجي طب الأسنان أصبح أولوية ملحة، داعيا إلى خطة دقيقة تتناسب مع عدد الأطباء واحتياجات المرضى، مع الأخذ في الاعتبار تكلفة تجهيز العيادات والمعدات المتخصصة، التي تشكل عبئا كبيرا على الطبيب المتخرج حديثا. ويشدد الطويل على ضرورة وضع حد أدنى وحد أقصى لفتح العيادات في كل حي أو منطقة، مع توزيع الأطباء على التخصصات المطلوبة، مثل جراحة الفم وتقويم الأسنان وزراعة الأسنان، لتجنب الفائض في بعض المجالات والنقص في البعض الآخر. وبحسب الطويل، فإن هذه اللائحة تتضمن أيضاً ضبط تسعيرة العلاجات الطبية بما يضمن قدراً من الاستقرار في السوق ويحمي المرضى والأطباء على حد سواء، خاصة في ظل عودة أعداد كبيرة من الخريجين إلى سوق العمل والضغط المتزايد في بعض المجالات. الضغط الذي يبدأ في قاعات التدريب الجامعي، ثم يمتد إلى التخصص وسوق العمل وافتتاح العيادات، لا يبدو أنه مرحلة عابرة في حياة أطباء الأسنان في سوريا، بل هو طريق كامل من القلق والغموض. وهي الضغوط ذاتها التي دفعت بعضهم للوقوف أمام وزارة التعليم العالي للمطالبة بتنظيم المهنة وفتح مجال أوسع للاستقرار المهني، بعد سنوات من الدراسة والتدريب والإنفاق. لكن حتى الآن لا تزال هذه المطالب معلقة، مثل كثير من أحلام أطباء الأسنان الشباب، الذين ينتظرون فرصة حقيقية لا تبدأ بالازدحام ولا تنتهي عند كرسي الأسنان. تم إنتاج هذا التقرير ضمن ورشة عمل صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MICT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.

سوريا عاجل

أحلام معلقة على كرسي الأسنان

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#أحلام #معلقة #على #كرسي #الأسنان

المصدر – قضايا 24 | SY24