اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-31 16:04:00
غزوان قرنفل إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة خارجة من الحرب والانهيار ليس فقط ضعف الاقتصاد أو هشاشة الوضع الأمني، بل انهيار فكرة القانون نفسه، فالدولة لا تبنى بالقوة المجردة ولا بالشعارات، بل باحترام القواعد التي تنظم عمل السلطة والضوابط التي تقيدها في ممارسة وظيفتها العامة. لكن عندما تصبح السلطة نفسها أول من ينتهك النصوص التي أسستها وصياغتها بيدها وكتبت بحبرها، يتحول الحديث عن بناء المؤسسات أو تأسيس حياة سياسية مستقرة إلى مجرد وهم، وهذا بالضبط ما يحدث في سوريا الآن، حيث أدمنت السلطة مخالفة الإعلان الدستوري الذي صاغته أساساً حسب احتياجاتها، لكنها لم تلتزم حتى بالحدود الدنيا له، وبدلاً من التعامل مع الإعلان الدستوري باعتباره عقداً ينظم عمل السلطة الانتقالية، يتم التعامل معه. باعتبارها وثيقة شكلية يمكن تجاوزها عندما تتعارض النصوص مع رغبات السلطة التنفيذية أو مصالحها المباشرة. وآخر مثال على ذلك هو إصدار رئيس الجمهورية قانون الجمارك الجديد، رغم أن سلطة إصدار القوانين ليست مسؤوليته بموجب الإعلان الدستوري، بل هي من مهام مجلس الشعب. والمفارقة هنا لا تكمن فقط في تجاوز الصلاحيات، بل في أن مجلس الشعب نفسه لم يكتمل تشكيله بعد رغم مرور عام ونصف على إنشاء السلطة الانتقالية، ورغم أنه معين بالكامل وغير منتخب. أي أننا أمام سلطة تنفيذية تتجاوز سلطة تشريعية غائبة أصلا، وأمام سلطة تمارس صلاحيات تتجاوز ما نص عليه الإعلان الدستوري في مشهد لا يكشف فقط حجم التجاهل ليس فقط لفكرة الفصل بين السلطات، بل أيضا لفكرة تقييد سلطة الحاكم والسيطرة عليها. والأخطر من ذلك أن الموضوع لا يعتبر حدثا منفردا أو استثناء عابرا، بل تحول إلى نمط من أنماط الحكم والإدارة. وأصدر رئيس الجمهورية حتى الآن أكثر من 120 مرسوما، رغم أن صلاحياته بحسب الإعلان الدستوري لا تمنحه حق إصدار المراسيم. مع كل مرسوم جديد، تنشأ عادة سياسية خطيرة تقوم على احتكار السلطة التنفيذية لسائر السلطات الأخرى، وتحويل النصوص الدستورية إلى زخارف لا قيمة عملية لها. قد يعتقد البعض أن هذه الانتهاكات مسألة فنية أو قانونية تخص النخب السياسية ونشطاء حقوق الإنسان فقط، لكنها في الواقع تمس جوهر مستقبل الدولة السورية، لأن الدولة التي يبدأ تأسيسها بمخالفة قواعدها الدستورية ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً أمام نظام حكم لا يعترف بأي قيد قانوني، وعندما تصبح مخالفة الدستور أمراً طبيعياً في قمة السلطة، لن يكون من المنطقي مطالبة موظف صغير أو شرطي أو قاض باحترام القانون. إن احترام الدستور ليس ترفاً سياسياً أو قانونياً. بل هو الشرط الأول لبناء ثقة الجمهور. والمواطن الذي يرى السلطة تتجاوز النصوص التي وضعتها لنفسها، سيفقد الثقة في أي حديث عن العدالة أو الإصلاح أو دولة المؤسسات. وعلى نحو مماثل، فإن أي مستثمر أو هيئة دولية أو قوة اجتماعية لن ينظر بجدية إلى دولة تتعامل مع قوانينها باعتبارها قابلة للتعليق أو التجاوز وفقاً للحاجة السياسية. والمشكلة الأعمق هي أن هذا السلوك يعيد إنتاج نفس النموذج السوري القديم القائم على تركيز السلطة في يد شخص واحد أو مؤسسة واحدة، مع تهميش كامل لبقية المؤسسات. وبدلا من التوجه نحو دولة تقوم على التوازن والسيطرة المتبادلة بين السلطات، يتم تكريس عقلية الحكم الفردي، ولكن بلغة جديدة وشعارات مختلفة. وهذا يعني عملياً أن سورية لم تخرج من أزمتها، بل تعيد تدويرها بأشكال أخرى. ولا يمكن الحديث عن بناء دولة حديثة والسلطة التنفيذية تبتلع السلطة التشريعية، وتهيمن على السلطة القضائية، وتخالف النصوص الدستورية بشكل علني ومتكرر. كما لا يمكن إقناع السوريين بأنهم يدخلون مرحلة سياسية جديدة في حين تتكرر نفس الممارسات التي أدت إلى انهيار البلاد في المقام الأول. إن جوهر الدولة الحديثة ليس في أسماء المؤسسات ولا في خلق هويات بصرية جديدة، بل في احترام حدودها وسلطاتها. والأخطر من ذلك أن اعتياد مخالفة الإعلان الدستوري خلال الفترة الانتقالية سيشكل سوابق ويؤسس لتقاليد سياسية مدمرة للمستقبل، حيث ستترسخ فكرة سهولة التلاعب بالنصوص الدستورية، وأن السلطة تستطيع دائما إيجاد ذرائع استثنائية لتجاوزها، وستجد من الحقوقيين من يبرر ذلك أو يلجأ إلى الصمت في أحسن الأحوال! هذه هي البذرة الحقيقية للاستبداد، فالاستبداد لا يبدأ بالقمع فقط، بل يبدأ عندما تصبح إرادة الحاكم أعلى من القانون. سوريا اليوم لا تحتاج إلى إعادة بناء المدن المدمرة فحسب، بل إلى إعادة بناء معنى الدولة نفسها، ولا يمكن لهذه المهمة أن تبدأ في ظل سلطة تنتهك القواعد الدستورية باستمرار، لأن الدساتير خلقت في المقام الأول لتقييد السلطة، وليس لإعطائها غطاء شكليا، ومن ثم يتم تجاهلها عند أول اختبار. إن إدمان التدخل في الدستور ومخالفة أحكامه ليس مجرد مخالفة قانونية عابرة، بل هو تقويض مباشر لأي فرصة حقيقية لبناء دولة المؤسسات، والدولة التي لا تحترم قوانينها لحظة التأسيس ستجد نفسها غير قادرة على فرض احترام القانون مستقبلا لأن من فاقد الشيء لا يعطيه. ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى


