اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-09 18:51:00
أثار البيان الرسمي الصادر عن وزارة الداخلية السورية، والذي ينظم آلية التظاهر السلمي في سوريا، جدلاً قانونياً وحقوقياً واسعاً في الشارع السوري. وفي حين اعتبرتها الوزارة خطوة ضرورية لـ”تأطير حرية التعبير” وحماية السلم المدني بعد أحداث العنف التي شهدتها العاصمة، يرى خبراء قانونيون أن البلاغ تضمن معايير “فضفاضة” لمنح الترخيص، ورسخت سيطرة السلطة التنفيذية على الحق في التجمع، في ظل غياب رقابة قضائية مستقلة وفعالة. مهلة خمسة أيام.. عدم الإجازة بـ«أعمال الشغب». ونص البيان الصادر عن وزارة الداخلية السورية، في 3 أيار/مايو، على تشكيل لجنة مكونة من رئيس وعضوين لتقديم طلب التظاهر إلى المحافظة، التي بدورها تحيله إلى “لجنة متخصصة” للبت فيه. وأمهل البلاغ اللجنة خمسة أيام للرد، معتبراً أن عدم تلقي الرد خلال هذه المدة يشكل «موافقة ضمنية». وفي حالة الرفض يجب أن يكون القرار مسببا وقابلا للطعن أمام المحكمة الإدارية التي تبت فيه خلال أسبوع بقرار نهائي. وتضمن البلاغ التزامات على المنظمين أبرزها الحفاظ على النظام العام، والتعهد بمنع أي قول أو فعل يتعارض مع مضمون الرخصة، مع منع صارم لحمل أي سلاح حتى لو كان مرخصا. وأكدت الوزارة أنها ستوفر الحماية اللازمة للتظاهرة، محذرة من أن أي تجمع يتم تنظيمه دون ترخيص سيصنف ضمن “المظاهرات والتجمعات الشغبية” التي يعاقب عليها قانون العقوبات. التنظيم وليس المنع.. الهدف حماية المصالح العامة والخاصة. وكشف الناطق باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، في تصريح لقناة الإخبارية السورية، عن تفاصيل إجرائية وفلسفة قانونية وصفها بأنها تقوم على “التنظيم وليس المنع”. وشدد البابا على أن الدولة السورية الجديدة “ترفض نهج مصادرة الآراء”، مشيراً إلى أن تنظيم التظاهرات أصبح ضرورة عالمية، لا سيما في ظل “العسكرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي”. وحدد البابا “خارطة طريق” للمتظاهرين، تبدأ بتحديد الأهداف وتقديم طلب إلى المحافظة، وتنتهي بتوقيع تعهد لدى كاتب العدل يتحمل فيه المنظمون المسؤولية القانونية والمادية عن أي أضرار. وفيما يتعلق بمعايير الرفض، أوضح أنها تشمل تقييم “خلفية المنظمين” للتأكد من عدم ارتباطهم بـ “شبكات المصالح المحسوبة على الأنظمة السابقة”، ودراسة “الأجواء العامة” لتجنب التوترات الأمنية. وشدد البابا على أن الرخصة هي “أداة حماية” للمتظاهرين، مضيفا أن التعامل مع التظاهرات غير المرخصة سيكون تدريجيا، بدءا بالحوار والمطالبة بتفريق التجمع، وصولا إلى استخدام “أكبر قدر من القوة” ضد الفاعلين المباشرين فقط. واختتم حديثه بالتأكيد على أن البلاغ ليس نهائياً وأن الوزارة منفتحة على تعليقات الناشطين الحقوقيين لتطويره. التمييز السياسي تحت الغطاء الإداري. وفي مقابل المقترح الرسمي، قدم الدكتور أحمد قربي (دكتور في القانون العام)، وخبير القانون الدولي المعتصم بالله الكيلاني، قراءتين قانونيتين نقديتين للبلاغ، في حديثهما إلى عنب بلدي، أجمعا فيهما على وجود ثغرات دستورية وقانونية جوهرية، واقتصار القرار على سيطرة السلطة التنفيذية، رغم اعترافهما بوجود نقاط شكلية إيجابية محدودة. واتفق الخبيران على أن المعايير التي سيتم اعتمادها في منح الترخيص أو رفضه تمثل المشكلة الأخطر في التقرير. واعتبر الدكتور أحمد قربي أن مصطلحات مثل “خلفية المتقدمين” و”المناخ العام” هي “معايير واسعة جدًا تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة”، مشيرًا إلى أن هذا التوسع مرتبط بـ”غياب قانون العزل السياسي”، وهو ما يحول الترخيص إلى أداة لتقييم “الولاء السياسي” بدلًا من أن يكون إجراءً إداريًا محايدًا. من جهته، ذهب الخبير الدولي المعتصم الكيلاني إلى وصف أكثر شدة، معتبراً أن ربط ممارسة حق دستوري بتقييم “مواقف المتقدمين السابقة تجاه الشعب السوري” أو “درجة رضا السلطة” يتناقض مع مبدأ المساواة أمام القانون. وأوضح الكيلاني أن غموض هذه العبارات “يهدم مبدأ اليقين القانوني الذي يقتضي أن تكون القيود على الحريات واضحة ومحددة سلفا”، محذرا من أن هذه الصيغ “تعيد إنتاج أدوات المنع السياسي التي عرفتها سوريا منذ عقود، حتى لو جاءت بلغة جديدة تتعلق بالمرحلة الانتقالية”. لجنة «مجهولة» تجعل الدولة خصماً وحكماً. ولم تقتصر الانتقادات على المعايير، بل امتدت لتشمل طبيعة «اللجنة المختصة» التي ستنظر في الطلبات. وأكد الدكتور القربي أن هذه اللجنة «إدارية وليست قضائية»، وهذا في حد ذاته لا يشكل مشكلة من حيث المبدأ. لكن “المشكلة هي أن اللجنة المختصة غير معروفة، وهي على الأرجح نفس اللجنة المذكورة في المرسوم 54 المتعلق بقانون التظاهر في عهد النظام السابق (بشار الأسد)، وهذا يتعارض مع مبدأ تحديد السلطة المختصة، فمن حق المواطن معرفة تشكيلتها”. واتفق معه الكيلاني في تشخيص الخلل، موضحا أن “غياب أي تعريف واضح لتشكيل اللجنة وآلية اختيار أعضائها وضمان استقلالهم عن وزارة الداخلية يخلق تضاربا خطيرا في المصالح”. وأضاف الكيلاني: “عندما تكون السلطة الأمنية نفسها هي التي تنظم المظاهرة وتمنح الترخيص وتقرر المنع ومن ثم تفرق المظاهرة بالقوة فإن ذلك يجعل الدولة خصماً وحكماً في نفس الوقت”. “إن وجود هيئة قضائية مستقلة هو أفضل ضمان لحياد القرار ومنع السلطة التنفيذية من التعدي على حقوق المواطنين”، بحسب تعبير القربي. حماية المرخص.. والتجريم المطلق لغير المرخص لهم. وأقر الخبيران بوجود نقطة إيجابية في التقرير، تتعلق بالتزام الإدارة بتفسير قرار الرفض. وأوضح الدكتور القربي أن “الإدارة من حيث المبدأ غير ملزمة بتفسير قراراتها، لكن هذا الالتزام يفتح الباب أمام رقابة القضاء الإداري على عنصر التعليل”. لكن الخبيرين أكدا أن فعالية هذه الرقابة تبقى «نظرية» في ظل غياب استقلال حقيقي للقضاء الإداري، ما يثير ما أسماه الكيلاني «أزمة ثقة عميقة» لدى المجتمع. من ناحية أخرى، أجمع الخبيران على انتقادهما الشديد للإحالة إلى المادتين 335 و338 من قانون العقوبات لتجريم التظاهر دون ترخيص. واعتبر القربي أن “هذه الإحالة تتعارض مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن التجمع السلمي غير المرخص في حد ذاته ليس جريمة، بل يصبح جريمة عند ارتكاب الانتهاكات مثل الشغب أو حمل السلاح”. ووضع الكيلاني هذه النقطة في سياق العدالة الانتقالية، معتبرا “الاستمرار في العمل بهذه النصوص التي استخدمت تاريخيا كأداة”. ولقمع الحريات السياسية، فإنه يطرح تساؤلات جدية حول مدى القطيعة الفعلية مع الإرث القانوني الأمني القديم، ويعبر عن استمرار فلسفة اعتبار المجلس الشعبي تهديداً أمنياً قبل اعتباره حقاً دستورياً”. خطر جنائي مفتوح للمنظمين. وكان البند الذي يلزم المنظمين بالقيام بتعهد قضائي يتحملون فيه مسؤولية “أي أضرار أو تداعيات سلبية” محل انتقادات قانونية حادة من كلا الخبيرين. وأوضح الدكتور القربي أن هذا الشرط “يخالف مبدأ العقوبة الشخصية في القانون؛ منظم التظاهرة ليس مسؤولاً عن سلوك الحاضرين معه، فهم ليسوا موظفين لديه”. وأضاف: “إن هذه الفكرة تتعارض مع قواعد المسؤولية المدنية والجنائية التي تنص على المسؤولية الشخصية والعقاب”. ووصف الكيلاني هذا البند بأنه يتحول عمليا إلى “وسيلة لترهيب المواطنين ومنعهم من تنظيم أي نشاط عام”، مضيفا أنه “يقترب من فكرة المسؤولية الجماعية المرفوضة قانونيا ودستوريا”. ويرى الكيلاني أن تحميل المنظمين مسؤولية أي أعمال تخريبية قد يقوم بها مندسون أو جهات تخريبية “يخلق الظلم”. قانون قانوني واضح، ويحول ممارسة الحق الدستوري إلى خطر جنائي مفتوح”. فراغ يسمح بتبرير القوة المفرطة. وانتقد الكيلاني تفاصيل التعامل الميداني، وأشار إلى أن “الاكتفاء بعبارات عامة مثل استخدام القوة إلى حد ما دون النص صراحة على مبادئ الضرورة والتناسب والتدرج، يمثل فراغا قانونيا خطيرا”. وأوضح أن “المعايير الدولية تقضي بعدم استخدام القوة إلا كملاذ أخير وعلى الأقل بعد استنفاد الوسائل السلمية”، محذرا من أن غياب هذه الضمانات “يخلق بيئة تسمح بتبرير الاستخدام المفرط”. القوة تحت شعارات مكافحة الشغب، وتعيد إنتاج العقيدة الأمنية القائمة على أولوية السيطرة الأمنية على حساب الحقوق”. التقييم العام ورسائل المرحلة اعتبر الدكتور أحمد القربي في تقييمه العام أن “الرسائل السياسية التي وصلت من هذا البلاغ كانت كلها سلبية، وهكذا فهمها الشارع السوري”، مضيفاً: “عندما تنظم الحقوق ببلاغ وليس بمرسوم، وتتعامل معه على أساس القيد وليس التنظيم، فهذا يبعث برسالة مفادها أن الدستور مجرد حبر على ورق”. لكنه يرى أن ردود الفعل الرافضة للبلاغ، إضافة إلى تصريح المتحدث باسم وزارة الداخلية بأنه «مقبول». وبالنسبة للتنمية فهي تمثل «شيئاً إيجابياً» قد يدفع إلى إعادة النظر. أما الكيلاني فختم بالإشارة إلى مطلب إصلاحي جوهري، معتبرا أن “ضمان حرية التجمع في الفترة الانتقالية يتطلب إصلاحا قضائيا جذريا يتضمن إنشاء آليات عاجلة وسريعة للرقابة، إضافة إلى توفير حماية حقيقية للقضاة من التدخلات السياسية، لإخراج حق التظاهر من دائرة الرقابة الأمنية إلى فضاء الحق الدستوري المكفول”.




