اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-01 17:24:00
بين السرد البصري الجذاب وانتقائية الحقائق، يقدم فيلم “قصة الأكراد السوريين” رواية تبدو متماسكة للوهلة الأولى، لكنها تخفي خلفها اختزالاً كبيراً لتاريخ الجزيرة السورية وتعقيداتها الديموغرافية والسياسية. ولا يكتفي الفيلم بتقديم قصة إنسانية فحسب، بل يعيد ترتيب الأحداث والشهادات بشكل يصوغ رواية سياسية محددة، تغيب عنها الأصوات الأخرى الأساسية لفهم تاريخ المنطقة. وليس جديداً أن تحاول بعض المنابر الإعلامية صياغة روايات سياسية تحت غطاء إنساني أو تاريخي. لكن ما يلفت الانتباه في فيلم “قصة أكراد سوريا” الذي نشرته منصات تابعة لشبكة الجزيرة الإعلامية، هو مدى الاختزال الذي يتعرض له تاريخ منطقة بأكملها، وتقديمه ضمن رواية واحدة تم إعدادها بعناية لقيادة المشاهد إلى نتيجة سياسية محددة. يتمتع الفيلم من الناحية الفنية ببنية متماسكة، يعتمد على سرد بصري جذاب وشهادات شخصية مؤثرة، لكنه في جوهره لا يقدم قراءة تاريخية متوازنة بقدر ما يعيد إنتاج رواية سياسية شائعة في وسائل الإعلام الغربية في السنوات الأخيرة. وهي رواية تبدأ بالاضطهاد التاريخي، وتنتهي بتبرير مشروع سياسي في الجغرافيا السورية. المشكلة الأولى في الفيلم تتعلق بالجغرافيا نفسها. يستخدم الإعلام مصطلح “شمال شرقي سوريا” وكأنه وصف تاريخي ثابت، في حين أن الحقيقة هي أن الاسم التاريخي المستخدم في الوثائق العثمانية والسورية هو الجزيرة السورية. وهذه التسمية ليست مجرد تفصيل لغوي، بل تعكس هوية جغرافية وتاريخية لمنطقة عرفت على مدى قرون بتنوع سكانها وارتباطها بالقبائل العربية والمجتمعات السريانية والآشورية والأرمنية. لكن الفيلم يتجاوز هذا السياق ليقدم المنطقة وكأنها فضاء وطني. أولاً، في محاولة لخلق الانطباع بأن الجزيرة السورية كانت تاريخياً وطناً كردياً محدداً بوضوح، وهذه واحدة من أكبر الثغرات في العمل. التاريخ الديموغرافي للجزيرة السورية معروف في المصادر التاريخية: لم يكن هناك وجود كردي كبير في المنطقة قبل أحداث العقد الثالث من القرن العشرين، عندما أدت التطورات السياسية في تركيا إلى موجات نزوح عبر الحدود. وبعد قمع ثورة الشيخ سعيد عام 1925 في الأناضول، لجأت المجموعات الكردية إلى الأراضي السورية، واستقر بعضهم في مناطق الجزيرة خلال فترة الانتداب. فرنسي. هذه الحقائق موثقة في العديد من الدراسات التاريخية، لكنها غائبة تماماً عن الفيلم الذي اختار تقديم الوجود الكردي في المنطقة وكأنه امتداد تاريخي عميق، وليس نتيجة تحولات سياسية وهجرات حديثة نسبياً. مشكلة أخرى لا تقل وضوحا تتعلق بالمصادر والشهادات التي يعتمد عليها الفيلم. وتكاد المادة تقتصر على شهادات شخصيات كردية أو باحثين يقدمون الرواية الكردية للأحداث، فيما تغيب تماما الشهادات المستقلة عن عرب شبه الجزيرة السورية أو ممثلي المكونات الأخرى التي عاشت تاريخيا في المنطقة. إنها ليست تفاصيل بسيطة. عندما يروي أحد الأطراف القصة بأكملها، فإن السرد سيعكس حتماً وجهة نظره ومصالحه السياسية. ومن الطبيعي أن يتحدث أي مجتمع عن تاريخه بما يخدم رؤيته وهويته. لكن العمل الوثائقي الجاد لا يقتصر على صوت واحد، بل يفتح المجال أمام روايات متعددة ليتمكن المشاهد من تكوين صورة أقرب إلى الواقع. كما يعتمد الفيلم بشكل كبير على حادثة تعداد الحسكة عام 1962، باعتبارها حجر الزاوية في القمع الكردي. وتقديم الحدث بمعزل عن سياقه التاريخي والسياسي يحوله إلى رمز مجرد، في حين أن الواقع أكثر تعقيدا ويتعلق بقضايا الحدود والهجرة غير الشرعية والجنسية في تلك الفترة. يتكرر في العمل خلط واضح بين مستويين مختلفين من المطالب. يبدأ السرد بالحديث عن الحقوق الثقافية مثل اللغة والهوية، وهي مطالب يمكن مناقشتها في أي مجتمع متعدد الثقافات، لكن الفيلم ينتقل تدريجياً إلى الحديث عن مشاريع سياسية مثل الحكم الذاتي أو الإدارة الخاصة، وكأن هذا التحول طبيعي وحتمي، دون أي نقاش حقيقي للفرق بين المطلبين. يتناول الفيلم مرحلة الحرب السورية، ويركز على دور قوات سوريا الديمقراطية في محاربة تنظيم داعش، في محاولة لترسيخ صورة هذه القوات باعتبارها القوة التي حررت المنطقة، لكن الفيلم يتجاهل أن هذه المعارك جرت ضمن تحالف دولي واسع وبغطاء عسكري أمريكي مباشر، كما يتجاهل مشاركة قوات عربية محلية أخرى في القتال. والنتيجة النهائية لكل ذلك هي بناء رواية سياسية واضحة: الظلم التاريخي، ثم الكفاح العسكري، ثم الاستحقاق السياسي، وهي صيغة سردية معروفة في كثير من الأفلام الوثائقية المعاصرة لأنها قادرة على التأثير في المشاهد عاطفيا قبل أن يبدأ ويدفعه إلى التفكير النقدي. لكن المشكلة هي أن تاريخ الجزيرة السورية أكثر تعقيدا بكثير من هذه القصة التبسيطية. ولم تقتصر المنطقة قط على جنسية واحدة، بل شكلت عبر تاريخها مساحة تقاطع بين شعوب وثقافات متعددة، وتشكل تاريخها الحديث من خلال تحولات سياسية كبرى وهجرات سكانية متبادلة، وليس من خلال سردية قومية واحدة. ولهذا فإن أي محاولة لتقديم تاريخ الجزيرة السورية من زاوية واحدة فقط لا يمكن أن تكون قراءة موضوعية للتاريخ، بل تصبح جزءاً من معركة السرديات السياسية المحيطة بالمستقبل. المنطقة. التاريخ، كما هو معروف، لا يُكتب بشهادات انتقائية أو روايات عاطفية، بل بمصادر متعددة وروايات متوازنة. في منطقة معقدة كالجزيرة السورية، تصبح العدالة في رواية التاريخ شرطاً أساسياً لفهم الحاضر، وليس مجرد خيار لبناء قصة إعلامية جذابة.



