سوريا – العدالة الانتقالية في سوريا.. بين الإفلات من العقاب وخطر الانتقام

اخبار سوريا19 مارس 2026آخر تحديث :
سوريا – العدالة الانتقالية في سوريا.. بين الإفلات من العقاب وخطر الانتقام

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-18 12:07:00

سلام سكيف في سوريا اليوم، لا تبدو العدالة الانتقالية مجرد فكرة مؤجلة يمكن الحديث عنها في المستقبل، بل تبدو بمثابة اختبار قاس لضمير العالم، واختبار أصعب لقدرة المجتمع السوري نفسه على مواجهة الحقيقة. وبعد أكثر من عقد من الجرائم واسعة النطاق التي وثقتها المنظمات الدولية والمحلية، من القتل الجماعي والاعتقال والتعذيب والقتل تحت التعذيب، إلى التدمير الممنهج للمدن وتهجير ملايين المدنيين، لا يزال العديد من المسؤولين عن هذه الانتهاكات خارج أي محاسبة فعلية. بل إن بعضهم يعيش اليوم تحت حماية سياسية واضحة، وهو ما يطرح سؤالاً يتجاوز مسألة العدالة نفسها: كيف يمكن أن نتحدث عن مستقبل لسوريا بينما يفلت من صمم وأدار آلة العنف من أي حساب حقيقي؟ العدالة الانتقالية، في جوهرها، ليست شعارًا سياسيًا ولا مجرد تعبير أخلاقي عن التضامن مع الضحايا. إنها عملية تاريخية معقدة تهدف إلى مواجهة الماضي وليس دفنه، وتحويل الذكرى المؤلمة إلى أساس لنظام قانوني جديد يمنع تكرار الكارثة. وترتكز هذه العملية عادة على أربعة عناصر رئيسية: كشف الحقيقة، والمساءلة القضائية، وجبر الضرر للضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. لكن في الحالة السورية، يصطدم هذا الإطار النظري بواقع سياسي أقسى. ولا تزال العديد من الشخصيات التي ترتبط أسماؤها بشكل مباشر بآلة العنف بعيدة عن أي ملاحقة حقيقية. أسماء مثل بشار الأسد وماهر الأسد وسهيل الحسن ليست مجرد رموز في صراع سياسي، بل تمثل بنية كاملة من السلطة العسكرية والأمنية التي وجهت الحرب ضد المجتمع. إن وجود هذه الشخصيات خارج أي عملية محاسبة، أو تحت أي مظلة حماية سياسية في عواصم مثل موسكو، يطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن أن تبدأ العدالة الانتقالية وأبرز المتهمين بارتكاب جرائم واسعة النطاق لا يزالون خارج نطاق القانون؟ ولعل التاريخ يقدم دروسا واضحة في هذا الصدد. والمجتمعات التي حاولت القفز إلى ما هو أبعد من المساءلة باسم الاستقرار أو الواقعية السياسية، اكتشفت لاحقاً أن الإفلات من العقاب لا يقضي على العنف، بل يتركه معلقاً في الذاكرة الجماعية كما هو الحال في الواقع السوري، جاهزاً للعودة بشكل آخر في أي لحظة. فالعدالة ليست سلامة أخلاقية يمكن تأجيلها، بل هي شرط أساسي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. لكن العدالة الانتقالية لا تتوقف عند حدود المؤسسات القضائية. وهناك بعد آخر أكثر هشاشة لكنه لا يقل أهمية، وهو البعد الأخلاقي واللغوي داخل المجتمع نفسه. في العديد من المناقشات العامة، وخاصة على المنصات الرقمية، يمكن ملاحظة تحول مثير للقلق في اللغة التي يتحدث بها البعض عن العدالة. ولم يعد النقاش يدور حول المحاسبة وكشف الحقيقة، بل بدأ يتسرب إليه خطاب يقوم على الشفاء والإذلال والانتقام الرمزي. هذه اللغة بالذات ليست مجرد تعبير عن الغضب المشروع. وهو مؤشر على خطر أعمق: خطر أن تتحول فكرة العدالة ذاتها إلى شكل آخر من أشكال الانتقام. إن الغضب في مجتمع عاش سنوات من القتل والاعتقال والدمار أمر مفهوم، بل ولا مفر منه. لكن الفرق بين الغضب الأخلاقي والانتقام هو الفرق بين العدالة وإعادة إنتاج العنف. فالغضب يمكن أن يكون قوة تدفع نحو كشف الحقيقة ومحاسبة مرتكبيها، بينما الانتقام يختزل العدالة إلى لحظة عقاب ويعيد إنتاج نفس المنطق الذي خلق المأساة في المقام الأول. فعندما تتحول اللغة إلى أداة لتجريد الآخرين من إنسانيتهم، يصبح من السهل تبرير أي قسوة ضدهم، وفي تلك اللحظة بالذات تبدأ العدالة في فقدان معناها الأخلاقي داخل المجتمع. المفارقة القاسية في الحالة السورية هي أن المجتمع يجد نفسه عالقاً بين حقيقتين متناقضتين: من ناحية، لا يزال كبار المجرمين بعيدين عن أي محاسبة فعلية، ومن ناحية أخرى، خطاب عام تتزايد فيه لغة القسوة والتجديف. وهذا التناقض خطير، لأنه يهدد بتحويل العدالة من مشروع لإعادة بناء المجتمع إلى مجرد لحظة انفجار عاطفي. العدالة الانتقالية الحقيقية ليست انتقاما مؤجلا، بل هي محاولة شاقة تعني محاسبة الجريمة دون تحويل العدالة نفسها إلى جريمة جديدة. وفي الحالة السورية تحديداً، تبدو المهمة أكثر تعقيداً وصعوبة، ولكنها ليست مستحيلة. والمطلوب ليس فقط ملاحقة المسؤولين عن الجرائم أينما كانوا، سواء في دمشق أو موسكو أو أي مكان آخر، بل أيضاً حماية فكرة العدالة نفسها من الانهيار الأخلاقي. بشكل عام، المجتمعات التي تعيش حروبًا طويلة لا تخسر مدنها وأرواحها فقط. لكنها قد تفقد أيضاً شيئاً آخر، وهو قدرتها على تصور مستقبل لا يحكمه منطق العنف. ولهذا السبب، فإن معركة العدالة الانتقالية في سوريا ليست معركة قانونية ضد الإفلات من العقاب فحسب، بل هي أيضًا معركة أخلاقية وثقافية داخل المجتمع نفسه. إنها معركة للحفاظ على الفكرة البسيطة والأساسية، وهي أن العدالة يجب أن تحاسب الجريمة دون تحويلها إلى نسخة أخرى منها. المستقبل المبني على الانتقام لا يخلق العدالة، بل يطيل عمر المأساة! ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى

سوريا عاجل

العدالة الانتقالية في سوريا.. بين الإفلات من العقاب وخطر الانتقام

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#العدالة #الانتقالية #في #سوريا. #بين #الإفلات #من #العقاب #وخطر #الانتقام

المصدر – عنب بلدي