سوريا – “الفريكة” التقليدية.. موروث متأثر بتغير نمط الحياة في الجزيرة السورية

اخبار سوريامنذ ساعتينآخر تحديث :
سوريا – “الفريكة” التقليدية.. موروث متأثر بتغير نمط الحياة في الجزيرة السورية

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-09 12:11:00

مع دخول موسم حصاد القمح في شمال شرقي سوريا، تعود رائحة الفريكة لتملأ القرى والبلدات الممتدة من ريف الحسكة إلى ريف عين العرب (كوباني) غرباً، وريفي الرقة ودير الزور على نهر الفرات جنوباً، حيث لا تزال بعض العائلات تحافظ على هذه الصناعة التراثية التي ارتبطت منذ عقود طويلة بالريف السوري ومواسم الخير. ورغم انتشار الفريكة الجاهزة التي تنتجها المصانع وتباع في الأسواق، إلا أن عدداً من سكان الريف ما زالوا يفضلون تحضيرها على الطريقة التقليدية، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الجماعية والتراث الغذائي الذي تتوارثه الأجيال. وتعد الفريكة من أبرز المنتجات الغذائية المرتبطة بموسم القمح، حيث يتم تحضيرها من حبوب القمح الخضراء قبل نضجها بالكامل، وذلك من خلال تعريض السنبلات للنار ومن ثم تنظيفها وتجفيفها وطحنها بطرق مختلفة، لتتحول فيما بعد إلى مكون رئيسي في العديد من الأطباق الشعبية المعروفة في المنطقة. الموسم الذي يبدأ قبل الحصاد. يبدأ الناس في مناطق واسعة من الجزيرة السورية بجمع السنابل الخضراء قبل وقت قصير من موعد الحصاد الكامل. تُستخدم المناجل في جمع السنابل، قبل فردها على الأرض وتركها لفترة قصيرة استعداداً لمرحلة التحميص. تتطلب عملية تحضير الفريكة جهداً جماعياً يمتد لساعات طويلة. تُغطى السنابل بأكياس أو أغطية من القماش، ثم تُشعل النار بطريقة مدروسة لتحميص الحبوب دون إتلافها، مع التحريك المستمر لضمان نضجها بشكل متساوي. وبعد الانتهاء من عملية التحميص، تترك الحبوب لتبرد، ثم يتم تنظيفها من الشوائب وتوضع تحت أشعة الشمس لعدة أيام حتى تجف تماماً، قبل الانتقال إلى مراحل التنقية والطحن باستخدام الأدوات التقليدية والمناخل اليدوية. ويقول الأشخاص الذين ما زالوا مستمرين في إنتاجها، إن الفريكة المصنوعة يدوياً لا تزال تحتفظ بمكانتها لدى العديد من العائلات بسبب مذاقها المميز وجودتها العالية، مؤكدين أن هذه المهنة ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وهم اليوم يحرصون على تعليمها لأبنائهم حفاظاً على التراث المحلي. ذاكرة الريف الجنوبي في ريف الحسكة الجنوبي، يستذكر خليل العبد الله، السبعيني، ذكريات مواسم الفريكة التي كانت تجمع أهالي القرية في الماضي. وقال لعنب بلدي إن صناعة الفريكة كانت مناسبة اجتماعية بامتياز، حيث تعاونت العائلات مع بعضها البعض لإنجاز العمل خلال أيام قليلة. ويضيف أنه في الماضي لم تكن هناك مختبرات أو آلات حديثة، لذلك كان أهالي القرية يتجمعون في الصباح الباكر. يقوم الرجال بجمع السنابل وإعداد مواقع التحميص، بينما تقوم النساء بالتنظيف والتجفيف والغربلة. “لقد كان بمثابة حدث اجتماعي أكثر من كونه عملاً زراعيًا.” ويشير خليل إلى أن الفريكة القديمة كانت تختلف من حيث النكهة والرائحة عن المنتجات المتوفرة حاليا في الأسواق، عازيا ذلك إلى اعتمادها الكامل على العمل اليدوي واختيار السنابل بعناية. ويشير إلى أن تراجع أعداد العاملين في الزراعة وهجرة الكثير من الشباب من الريف ساهم في تراجع هذا النشاط في السنوات الأخيرة. المرأة حارسة التراث في ريف الحسكة الشمالي. وتقول فاطمة المحمد إن المرأة لعبت الدور الأبرز في الحفاظ على صناعة الفريكة التقليدية، رغم الظروف الاقتصادية والتحولات الاجتماعية. وتضيف أن إعداد الفريكة كان جزءا أساسيا من الحياة الريفية السنوية، حيث كانت النساء يتبادلن الأدوار والخبرات خلال مراحل التصنيع المختلفة. وتتابع فاطمة: كانت الأمهات والجدات يجتمعن حول أكوام القمح، ويتشاركن العمل والأحاديث في نفس الوقت. ولم تكن الفريكة مجرد طعام، بل كانت مناسبة لتقوية العلاقات الاجتماعية بين العائلات. وترى أن المنتجات الجاهزة توفر الوقت والجهد، لكنها لا تعوض القيمة الأخلاقية والاجتماعية المرتبطة بصنع الفريكة المنزلية. وتخلص إلى أن العديد من الأسر تشتري الفريكة من الأسواق لصعوبة توفير الوقت والعمل، خاصة مع تغير أنماط المعيشة وتراجع الاعتماد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل. منافسة من المصانع شهدت أسواق شمال شرقي سوريا، خلال السنوات الماضية، انتشار أنواع مختلفة من الفريكة المنتجة في المصانع المحلية، ما سهّل الحصول عليها على المستهلكين. وتعتمد هذه المصانع على تجهيز كميات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة، مما ساعد على تلبية الطلب المتزايد في المدن والمناطق التي لم تعد صناعة الفريكة المنزلية شائعة كما كانت في السابق. لكن لا يزال عدد من الأشخاص يفضلون المنتج التقليدي، معتبرين أن الفريكة المصنوعة يدويا تحتفظ بخصائصها الطبيعية ونكهتها المميزة، فضلا عن ارتباطها بالهوية الغذائية المحلية. ويقول بعض المزارعين إن ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي وتراجع عدد العمالة ساهم في دفع الكثير من الأسر نحو شراء الفريكة الجاهزة بدلا من صنعها في المنزل. تراجع العرف الجماعي. من جانبه، يقول الخبير المجتمعي محمود الحسين، إن صناعة الفريكة في الجزيرة السورية لم تكن مجرد نشاط اقتصادي أو غذائي، بل شكلت على مدى عقود طويلة جزءاً من البنية الاجتماعية للريف. ويوضح أن مواسم تحضير الفريكة خلقت حالة من التكافل والتعاون بين الأسر، حيث تبادلت الأسر العمل وتبادلت الخبرات والأدوات، مما عزز الروابط الاجتماعية داخل المجتمع المحلي. وأدت التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، إضافة إلى موجات النزوح والهجرة وتغير أنماط الحياة، إلى تراجع العديد من العادات الجماعية المرتبطة بالزراعة، بما في ذلك صناعة الفريكة التقليدية، بحسب الحسين. ويشير إلى أن المنتجات الصناعية الجاهزة نجحت في تلبية احتياجات السوق من حيث السرعة والكميات، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في تراجع الممارسات التقليدية التي كانت لها أبعاد اجتماعية وثقافية تجاوزت الجانب الغذائي. ويشير الحسين إلى أن الحفاظ على هذه العادة لا يرتبط فقط بإنتاج مادة غذائية تقليدية، بل بحماية جزء من الذاكرة الجماعية لسكان شبه الجزيرة السورية، مشددًا على أهمية توثيق هذه الممارسات وتشجيع الأجيال الشابة على تعلمها. إرث يتحدى الزمن. رغم التغييرات التي فرضتها الحداثة على المجتمعات الريفية في شمال شرقي سوريا، إلا أن الفريكة لا تزال موجودة في العديد من المنازل مع قدوم موسم القمح، سواء من خلال تحضيرها بالطرق التقليدية أو شرائها من الأسواق. وبينما تتراجع مجالات الممارسة اليدوية عاماً بعد عام، لا يزال البعض متمسكاً بهذه العادة كجزء من هويتهم الثقافية وذاكرتهم الزراعية، في محاولة للحفاظ على تراث غذائي ارتبط بأرض الجزيرة السورية وحقولها الذهبية منذ عقود طويلة. بالنسبة للعديد من سكان المنطقة، تظل الفريكة أكثر من مجرد وجبة موسمية. وهي قصة موروثة تلخص علاقة الإنسان بالأرض، وتحكي جانباً من تاريخ الريف السوري الذي لا يزال يقاوم الانقراض رغم كل التحولات. متعلق ب

سوريا عاجل

“الفريكة” التقليدية.. موروث متأثر بتغير نمط الحياة في الجزيرة السورية

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#الفريكة #التقليدية. #موروث #متأثر #بتغير #نمط #الحياة #في #الجزيرة #السورية

المصدر – عنب بلدي