اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-09 01:00:00
منذ إحداث الصندوق السيادي السوري بموجب المرسوم الرئاسي رقم 113 لعام 2025، بقيت المعلومات المتعلقة ببنيته المؤسسية وآليات عمله وأهدافه الاستثمارية محصورة ضمن الإطار الرسمي العام، دون تقديم عرض تفصيلي يكشف ملامح الصندوق وتوجهاته الاقتصادية والحوكمية.
إلا أن المنتدى السوري- الإماراتي الأول، الذي أقيم في 11 من أيار الماضي، وحضرته عنب بلدي، شكّل المناسبة الأولى التي يطرح خلالها مسؤولو الصندوق ورقة تعريفية موسعة تناولت أبرز سماته، ورؤيته الاستثمارية، وهيكليته الإدارية، والقطاعات الاقتصادية التي يعمل عليها، إضافة إلى حديثهم عن مبادئ الحوكمة والشفافية والرقابة التي يقول الصندوق إنه يستند إليها.
وخلال المنتدى، قدم مسؤولو الصندوق عرضًا تضمن معلومات تتعلق بحجم الأصول والمشاريع المطروحة، وخطط إعادة الإعمار، والشراكات الاستثمارية، إلى جانب شرح للإطار الحوكمي الذي ينظم عمل المؤسسة.
وبناء على ما طُرح خلال المنتدى، تحاول عنب بلدي قراءة أبرز المعطيات التي قدمها الصندوق وتفكيكها وتحليلها عبر جانبين رئيسين هما:
الشق الحوكمي: المرتبط بالاستقلالية والشفافية والرقابة وآليات الإدارة.
الشق الاقتصادي: المتعلق بالمشاريع والاستثمارات والقطاعات التي يسعى الصندوق إلى إدارتها وتطويرها.
المرسوم “113” لعام 2025
أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في 9 من تموز 2025، المرسوم رقم “113”، الذي ينص على إحداث مؤسسة ذات طابع اقتصادي تسمى “الصندوق السيادي”، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقرها دمشق وترتبط برئاسة الجمهورية.
يتولى إدارة الصندوق المدير العام ومجلس إدارة يضم رئيس المجلس، والمدير العام نائبًا للرئيس وعضوًا، ومعاون المدير العام، وأحد مديري الصندوق، وثلاثة خبراء.
ويهدف إحداث الصندوق إلى:
تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة.
الاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية والخبرات الفنية من جميع الاختصاصات.
تنشيط الاقتصاد الوطني من خلال استثمارات مدروسة ومتنوعة.
تحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية.
تكون إيرادات الصندوق السيادي من الاعتمادات والأموال التي تخصصها الدولة له، ومن الموارد التي تتحقق من نشاطات الصندوق، وأي موارد أخرى يوافق عليها المجلس، وعوائد الأموال والودائع والتعهدات التي تقوم بها وفق القوانين والأنظمة النافذة.
ويعتمد الصندوق آلية حوكمة صارمة تقوم على الشفافية، من خلال تقديم تقارير ربع سنوية وسنوية إلى رئاسة الجمهورية، وخضوعه لتدقيق مالي من جهات مستقلة عن الصندوق، إلى جانب تطبيق أنظمة رقابة آنية.
حوكميًا.. الاستقلالية والشفافية محل اختبار
قدّم الصندوق السيادي السوري نفسه كمؤسسة اقتصادية حكومية تسعى إلى إعادة تعريف إدارة أصول الدولة وفق نموذج يقوم على الحوكمة والاستدامة والرقابة المؤسسية.
وخلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى، والتي حضرتها عنب بلدي، أوضح مدير العلاقات العامة في “الصندوق السيادي السوري”، محمد مستت، أن تأسيس الصندوق جاء بموجب المرسوم الرئاسي رقم 113 الصادر في حزيران 2025، بهدف إدارة واستثمار الأصول السيادية بكفاءة وتحقيق عوائد مستدامة تدعم الاقتصاد الوطني وتحافظ على حقوق الأجيال المقبلة.
وأكد أن رؤيته تتمثل في التحول إلى صندوق سيادي إقليمي رائد في مجالات النمو والاستدامة الاقتصادية، بينما ترتكز رسالته على تعظيم قيمة الأصول السورية عبر إدارة احترافية واستثمارات طويلة الأمد.
وفي إطار البناء المؤسسي، شدّد على اعتماد أربع قيم أساسية تحكم عمله، هي: المسؤولية، والاحترافية، والشفافية، والاستدامة.
وأوضح أن المسؤولية ترتبط بخدمة الاقتصاد الوطني، فيما تعكس الاحترافية الالتزام بالمعايير العالمية لإدارة الأصول، بينما تقوم الشفافية على أنظمة رقابية صارمة ومتوازنة، في حين تهدف الاستدامة إلى حماية حقوق الأجيال القادمة وضمان استمرارية العوائد.
وفي الجانب الحوكمي، هيكلية الصندوق تستند إلى القوانين السورية النافذة، وإلى مبادئ “سانتياغو” الخاصة بإدارة الصناديق السيادية، والتي تهدف تعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة وإدارة المخاطر والاستثمار المسؤول.
كما لفت إلى وجود نظام داخلي وُصف بأنه “متوازن ومحكم”، كاشفًا عن منظومة رقابة ثلاثية المستويات تشمل:
رقابة داخلية مؤسساتية،
تقارير دورية تُرفع إلى رئاسة الجمهورية،
وتدقيقاً مالياً عبر جهات مستقلة تعتمدها الحكومة السورية.
وأوضح أن المرحلة الماضية خُصص جزء كبير منها لبناء الهياكل التنظيمية والقانونية وأنظمة الحوكمة، بالتوازي مع استمرار تشغيل القطاعات الإنتاجية التابعة للصندوق.
واختتم بالتأكيد على أن أولويات المرحلة المقبلة ستتركز على استكمال البنية الإدارية والقانونية، وتعزيز التحول الرقمي، وتوسيع الشراكات الاستراتيجية محليًا وإقليميًا ودوليًا.
نقاش واسع حول الاستقلالية
يشكّل مبدأ الاستقلالية أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الصناديق السيادية عالميًا، إذ يُفترض أن تعمل هذه الصناديق بمعزل عن الضغوط السياسية والتقلبات الحكومية، بما يضمن حماية القرار الاستثماري وتحقيق أهداف طويلة الأمد.
إلا أن ارتباط الصندوق السيادي السوري المباشر برئاسة الجمهورية، إلى جانب تداخل بعض المناصب الإدارية والتنفيذية داخله، كوزير السياحة السوري مازن الصالحاني، والذي يشغل رئيس مجلس إدارة الصندوق السيادي السوري، فتح الباب أمام نقاش واسع حول مدى استقلاليته المؤسسية.
خبير الإدارة والحوكمة، ومدير “المعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي”، باسم حتاحت، يقول لعنب بلدي، إن فكرة إنشاء صندوق سيادي استثماري في سوريا تبقى فكرة رائدة ومهمة، خصوصًا وأن سوريا غنية بمواردها الداخلية المتعددة، لكنها تحتاج إلى قواعد حوكمة أكثر “صلابة ومتانة”.
ويضيف أن الصندوق يواجه تحديات بنيوية ومؤسساتية معقدة، في ظل حكومة انتقالية لم تعلن بصورة واضحة عن موازناتها العامة أو حجم فوائضها المالية المحتملة، مشيرًا إلى أن ربط الصندوق بصورة مباشرة بشخصية الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، أو السلطة التنفيذية الحالية قد يضعف استقلاليته المؤسسية، ويحوله من أداة وطنية طويلة الأجل إلى كيان مرتبط بالمرحلة السياسية القائمة.
من جهته، يرى الخبير بالحوكمة والأستاذ في جامعة دمشق، زكوان قريط، أن الاستقلالية تعد حجر الزاوية في تعريف الصناديق السيادية عالميًا، حيث تهدف إلى عزل إدارة الثروة الوطنية عن التقلبات السياسية والضغوط الحكومية الآنية”.
ويشير قريط إلى أن ارتباط الصندوق السيادي السوري مباشرة برئاسة الجمهورية، وتعيين مجلس إدارته ومديره العام بمرسوم رئاسي، يلغي المسافة المؤسسية المطلوبة لضمان استقلالية القرار الاستثماري.
كما يحذر من “تداخل المناصب” داخل الصندوق، معتبرًا أن الجمع بين المسؤوليات التنفيذية والإدارية يخلق حالة من تضارب المصالح، ويقوض مبدأ “الرقابة والتوازن”.
ويضيف أن بعض الصناديق السيادية العالمية، مثل الصندوق السعودي والقطري، ورغم ارتباطها بالقيادات السياسية العليا، إلا أنها تعمل ضمن أطر قانونية واضحة وتخضع لتدقيق مالي دولي، وهو ما لا يزال غائبًا أو غير واضح في الحالة السورية.
تداخل المناصب داخل الصندوق يخلق حالة من تضارب المصالح، ويقوض مبدأ “الرقابة والتوازن”، وارتباطه بالرئاسة يلغي المسافة المؤسسية المطلوبة لضمان استقلالية القرار الاستثماري.
الدكتور زكوان قريط
خبير بالحوكمة
فجوة بين خطاب الشفافية وغياب التفاصيل الرقابية
حرص القائمون على الصندوق على التأكيد أن المؤسسة تعتمد مبادئ “الشفافية” و”الحوكمة” و”الرقابة المتوازنة”، مع الحديث عن وجود تدقيق داخلي وخارجي وتقارير دورية.
لكن خبراء يرون أن غياب المعلومات التفصيلية المتعلقة بآليات الرقابة والجهات المشرفة وطبيعة الإفصاح المالي يضعف مصداقية هذه العناوين.
وهنا يشرح الدكتور باسم حتاحت، أن غياب الإطار القانوني المستقر والشفاف يثير مخاوف حقيقية تتعلق بآليات الرقابة والإفصاح وإدارة الأصول، خصوصًا في ظل عدم وضوح البيانات المالية العامة وضعف البنية التشريعية الناظمة للاستثمار السيادي.
ويؤكد أن بناء الثقة يتطلب أدوات عملية، تشمل نشر التقارير المالية الدورية، وإخضاع الصندوق لتدقيق مستقل.
أما الدكتور زكوان قريط فيصف المشهد بأنه “مفارقة واضحة” بين تبني شعار الشفافية وغياب التفاصيل المرتبطة بآليات التدقيق والرقابة.
ويشير إلى أن المرسوم الخاص بالصندوق يتحدث عن “تدقيق مالي مستقل”، لكنه لا يحدد معايير اختيار الجهات المدققة أو مدى صلاحياتها في الوصول إلى البيانات الحساسة.
كما يلفت إلى أن التقارير الدورية “ترفع حصرًا إلى رئاسة الجمهورية، مما يجعل الشفافية محصورة داخل السلطة التنفيذية، بدلًا من أن تكون شفافية عامة أو خاضعة لرقابة برلمانية.
ويحذر قريط من أن الحديث عن “تصحيح الأخطاء قبل وقوعها” قد يتحول، في غياب الرقابة المستقلة، إلى وسيلة لمعالجة التجاوزات بعيدًا عن المساءلة العلنية.
تطبيق “مبادئ سانتياغو” دون نشر البيانات المالية
يؤكد مسؤولو الصندوق السيادي السوري أنه يستند إلى “مبادئ سانتياغو” الخاصة بإدارة الصناديق السيادية، وهي مجموعة معايير دولية تقوم على الشفافية والإفصاح والاستقلال المؤسسي والإدارة الرشيدة للمخاطر.
غير أن خبراء الحوكمة يرون أن تبني هذه المبادئ لا يكتمل من دون الإفصاح العلني عن البيانات المالية والتقارير الدورية وهيكلية اتخاذ القرار.
يقول الدكتور باسم حتاحت، إن الحديث عن تطبيق “مبادئ سانتياغو” يجب أن يقترن بإجراءات فعلية في مقدمتها نشر تقارير مالية دورية مدققة من جهات مستقلة، للانضمام للمبادئ العالمية.
ويضيف أن نجاح أي صندوق سيادي وطني يتطلب بناء نموذج حوكمة مستقل وقادر على كسب الثقة، بما يضمن حماية الأصول العامة وتحقيق أهداف تنموية واستثمارية مستدامة.
الحديث عن تطبيق “مبادئ سانتياغو” يجب أن يقترن بإجراءات فعلية في مقدمتها نشر تقارير مالية دورية مدققة من جهات مستقلة
الدكتور باسم حتاحت
خبير الإدارة والحوكمة
من جانبه، يرى الدكتور زكوان قريط أن هناك تناقضًا واضحًا بين إعلان تبني “مبادئ سانتياغو” وعدم نشر البيانات المالية والتقارير الدورية للرأي العام.
ويشير إلى أن المبدأين 11 و17 من “مبادئ سانتياغو” يوجبان الإفصاح العلني عن المعلومات المالية ذات الصلة، معتبرًا أن غياب هذا الإفصاح يعرّض الصندوق لمخاطر تتعلق بتراجع تصنيفه في مؤشرات الحوكمة الدولية.
كما يحذر من أن ضعف الشفافية قد يعيق قدرة الصندوق على جذب الاستثمارات الأجنبية والدخول في شراكات اقتصادية دولية واسعة، ما قد يبقيه ضمن إطار “الاقتصاد المغلق” أو الشراكات المحدودة.
ما المطلوب لتعزيز حوكمة الصندوق؟
يتفق خبراء الحوكمة على أن مستقبل الصندوق السيادي السوري مرتبط بقدرته على بناء منظومة مؤسساتية مستقلة وشفافة، قادرة على حماية الأصول العامة وتحقيق أهداف تنموية طويلة الأجل.
ويطرح خبير الإدارة والحوكمة، ومدير “المعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي”، باسم حتاحت، أربع توصيات رئيسية:
إنشاء إطار قانوني مستقل للصندوق يحدد صلاحياته وآليات الرقابة عليه، مع منحه استقلالية مؤسساتية عن السلطة التنفيذية المباشرة، وربطه بمؤسسات الدولة لا بالأشخاص أو الحكومات المؤقتة.
إلزامه بمعايير شفافية دولية ونشر تقارير مالية دورية مدققة.
تشكيل مجلس إدارة مهني متعدد التخصصات ومنع تضارب المصالح.
التريث في التوسع الكامل للصندوق إلى حين استكمال بنيته القانونية والرقابية.
أما خبير الحوكمة والأستاذ في جامعة دمشق، الدكتور زكوان قريط، فيدعو إلى:
فك الارتباط التشغيلي المباشر بين الصندوق والسلطة التنفيذية.
إنشاء مجلس وطني للسياسات الاقتصادية يضم ممثلين عن البرلمان والمجتمع المدني وخبراء مستقلين يتولى تبعية الصندوق الرقابية.
إصدار قانون يلزم الصندوق بنشر تقارير سنوية مدققة دوليًا ومتاحة للرأي العام.
تفعيل الرقابة البرلمانية ومنح لجان متخصصة حق مساءلة الإدارة التنفيذية.
اعتماد نظام الجدارة في التعيينات ومنع الجمع بين المناصب الحكومية والإدارية داخل الصندوق.
وضع ميثاق استثماري يمنع توظيف الصندوق في مشاريع ذات طابع سياسي، والتركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
ويختتم الدكتور قريط قراءته بالقول، إن الصندوق يمتلك إمكانات كبيرة ليكون قاطرة لإعادة الإعمار، لكنه يواجه خطر التحول إلى صندوق مغلق يدير اقتصاد الظل بصبغة قانونية، إذا لم تُعزز الشفافية والانفتاح المؤسسي والرقابة المستقلة.
اقتصاديًا: حديث المليارات يصطدم بأسئلة الشفافية
اقتصاديًا، يشهد ملف الصندوق السيادي السوري نقاشًا واسعًا، في ظل الأرقام الكبيرة التي أُعلنت حول حجم الأصول والاستثمارات والقطاعات التابعة له، إلى جانب الطموحات المطروحة بشأن دوره في إعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة.
مدير العلاقات العامة في “الصندوق السيادي السوري”، محمد مستت، ورئيس قطاع التطوير العقاري في الصندوق، محمد الخياط (رامز الخياط الرئيس التنفيذي لشركة UCC القابضة القطرية)، كشفا خلال الفقرة التعريفية، عن حزمة واسعة من المشاريع الاستثمارية التي تستهدف قطاعات العقارات والبنية التحتية والطاقة والصناعة والسياحة والنقل، في إطار خطة لإعادة تنشيط الاقتصاد السوري واستقطاب الشراكات العربية والدولية.
وأكد المسؤولان أن الصندوق يضم 36 قطاعًا تخصصيًا و11 شركة مركزية، ويشغّل أكثر من 40 ألف موظف وعامل، وأن الحفاظ على استمرارية العمل والإنتاج خلال المرحلة الانتقالية شكّل أولوية رئيسية، مع استمرار دفع الرواتب وتحسين المداخيل.
الصندوق يمتلك أكثر من 70 مليون متر مربع من الأراضي المخصصة للتطوير العقاري موزعة على 47 موقعًا، فيما تُقدّر القيمة الإجمالية للمشاريع المخطط لها بنحو 100 مليار دولار.
ويأتي مشروع “دمشق الجديدة” في مقدمة المشاريع المطروحة، إذ يمتد على مساحة تتجاوز 33 مليون متر مربع على جانبي طريق دمشق – بيروت، من أوتوستراد المزة حتى منطقة الصبورة بريف دمشق.
وبحسب محمد الخياط، فإن المشروع يُخطط له كمدينة متكاملة متعددة الاستخدامات تضم مناطق سكنية وتجارية وبنى تحتية ومرافق تعليمية وصحية وترفيهية، مع تقديرات لحجم الاستثمارات المطلوبة تتراوح بين 40 و50 مليار دولار، منها 7.6 مليارات دولار مخصصة للبنية التحتية وحدها.
الصندوق السيادي يضم 36 قطاعًا تخصصيًا و11 شركة مركزية، ويشغّل أكثر من 40 ألف موظف وعامل، تُقدّر القيمة الإجمالية للمشاريع المخطط لها بنحو 100 مليار دولار، وتقديرات حجم الاستثمارات المطلوبة تتراوح بين 40 و50 مليار دولار
مسؤولو الصندوق السيادي في الجلسة الافتتاحية للمنتدى الاستثماري السوري الإماراتي
طموح يصطدم بواقع هش
تصدرت الأرقام المعلنة عن الصندوق السيادي واجهة النقاش الاقتصادي، خاصة مع الحديث عن أصول تتجاوز قيمتها 2.5 مليار دولار، وأكثر من 70 مليون متر مربع من الأراضي التطويرية، إلى جانب مشاريع معلنة تقترب قيمتها من 100 مليار دولار، مع تقديرات لحجم الاستثمارات المطلوبة التي تتراوح بين 40 و50 مليار دولار.
هذه المؤشرات اعتبرها البعض محاولة لرسم صورة جديدة للاقتصاد السوري، فيما رأى آخرون أنها تحتاج إلى تدقيق أكبر وربطها بقدرات الاقتصاد الحقيقي.
الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في جامعة دمشق، الدكتور مجدي الجاموس، يرى أن هذه الأرقام تحمل عناوين “رنانة وجاذبة”، وقد تمثل فرصة فعلية لنقل الاقتصاد السوري إلى مرحلة أفضل، إلا أن الحكم عليها لا يمكن أن يتم بمعزل عن عامل الزمن وآليات التنفيذ، موضحًا أن نجاح أي مشروع مرتبط بوجود خطة استراتيجية واضحة وكفاءة في الإدارة والتنفيذ.
وأشار الجاموس في حديثه مع عنب بلدي، إلى أن الحديث عن استثمارات تتراوح بين 40 و50 مليار دولار قد يكون إيجابيًا نظريًا، لكنه يتطلب بيئة اقتصادية مستقرة، خاصة أن الاقتصاد السوري ما يزال يعيش ظروفًا صعبة، ما يجعل السؤال الأساسي مرتبطًا بقدرة الجهات المعنية على تحويل هذه الأرقام إلى مشاريع فعلية على الأرض.
من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في جامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الأرقام المطروحة تعاني من “تناقضات هيكلية”، موضحًا أن امتلاك الصندوق لنحو 40 ألف موظف مقابل أصول بقيمة 2.5 مليار دولار يعني كثافة رأسمالية منخفضة للغاية، ما يثير تساؤلات حول تقييم الأصول أو تضخم عدد العاملين.
كما أن تقدير مشاريع بحجم 40 أو 50 مليار دولار يعادل أضعاف الناتج المحلي السوري الحالي، الأمر الذي يجعل تنفيذها صعبًا دون دعم مالي خارجي ضخم، حسبما قال محمد لعنب بلدي.
بين الدور التنموي والربحي.. معضلة التوازن
يطرح الصندوق السيادي نفسه بوصفه أداة اقتصادية تهدف إلى دعم التنمية وتحقيق الربحية في آن واحد، إلا أن الجمع بين المهمتين يثير تساؤلات حول إمكانية التوازن بين المشاريع التنموية بعوائدها البطيئة، والمشاريع الاستثمارية التي تتطلب أرباحًا سريعة.
الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، أوضح أن الصندوق السيادي بطبيعته صندوق استثماري ربحي، يفترض أن يسعى إلى تنمية أصوله وتحقيق عوائد عبر مشاريع اقتصادية ذات جدوى مرتفعة، معتبرًا أن استمرارية الصندوق تتطلب تشجيع المستثمرين والمواطنين على المساهمة فيه وضخ رؤوس الأموال ضمن مشاريع تحقق أرباحًا حقيقية.
في المقابل، يرى الخبير عبد الرحمن محمد، أن الصندوق يواجه “معضلة جوهرية”، لأن المشاريع التنموية في المناطق المدمرة تحتاج إلى تمويل ضخم بعوائد طويلة الأجل، بينما تركز المشاريع العقارية الكبرى على الربحية السريعة.
ويرى أن الحل يكمن في الفصل بين المحافظ الاستثمارية والتنموية ضمن آليات إدارة مستقلة وواضحة.
توسع اقتصادي.. فرصة استثمار أم احتكار؟
توسع الصندوق في قطاعات متعددة مثل العقارات والطاقة والنقل والاتصالات، فتح باب التساؤلات حول ما إذا كان هذا التوسع يعكس رؤية اقتصادية متكاملة أم أنه قد يؤدي إلى خلق احتكارات جديدة داخل الاقتصاد السوري.
الدكتور الجاموس رأى أن هذا التوسع طبيعي، لأن معظم الأصول التي دخلت ضمن الصندوق تتركز في هذه القطاعات، إضافة إلى أن سوريا تحتاج بشدة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية والطاقة والنقل، ما يجعلها قطاعات جاذبة للاستثمار.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى ضرورة توسيع الاهتمام ليشمل القطاعات الإنتاجية والزراعية والمعامل المتوقفة، وليس التركيز فقط على العقارات والطاقة.
أما الدكتور عبد الرحمن محمد، فحذر من أن امتلاك الصندوق لعشرات القطاعات والشركات والعقارات قد يخلق “دولة اقتصادية داخل الدولة”، معتبرًا أن هذا التركيز قد يضعف دور القطاع الخاص ويؤدي إلى خلق احتكارات اقتصادية ومراكز نفوذ يصعب إخضاعها للمساءلة.
توسع الصندوق في قطاعات متعددة طبيعي، لأن معظم الأصول التي دخلت ضمن الصندوق تتركز في هذه القطاعات، إضافة إلى أن سوريا تحتاج بشدة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية والطاقة والنقل، ما يجعلها قطاعات جاذبة للاستثمار
الدكتور مجدي الجاموس
خبير اقتصادي وأستاذ جامعي
الاستثمارات الأجنبية.. الفرصة مرهونة بالمخاطر
يعوّل القائمون على الصندوق على قدرته في جذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية، إلا أن ذلك يرتبط بعوامل قانونية وسياسية واقتصادية معقدة.
الدكتور مجدي الجاموس، اعتبر أن سوريا تمتلك فرصة لجذب المستثمرين العرب والسوريين المغتربين، خاصة في القطاعات العقارية والسياحية والطاقة، لكنه شدد على أن أي مستثمر لن يغامر بأمواله ما لم تتوفر بيئة قانونية مستقرة وحوكمة واضحة تقلل من المخاطر.
أما الدكتور عبد الرحمن محمد، ذهب إلى أن جذب الاستثمارات الأجنبية “شبه مستحيل” في الظروف الحالية، لعدة أسباب أهمها غياب الاتفاقيات الاستثمارية الواضحة، معتبرًا أن أي مستثمر يحتاج إلى ضمانات قانونية ومالية وتدقيق مستقل قبل الدخول في مشاريع طويلة الأمد.
مشاريع الـ100 مليار دولار..
رؤية استراتيجية أم طموحات دعائية؟
أثار الإعلان عن مشاريع بقيمة تقارب 100 مليار دولار جدلًا واسعًا، خاصة في ظل الفجوة الكبيرة بين هذه الأرقام وحجم الاقتصاد السوري الحالي.
الأستاذ الجامعي مجدي الجاموس، وصف هذه المشاريع بأنها “طموحات بعيدة المدى” أكثر من كونها خططًا جاهزة للتنفيذ، مشيراً إلى أن مشاريع بهذا الحجم تحتاج إلى سنوات طويلة وشراكات واسعة مع مستثمرين خارجيين.
وأوضح أن الصندوق لا يمول هذه المشاريع بمفرده، بل يدخل كشريك عبر تقديم الأراضي أو الأصول، بينما تأتي رؤوس الأموال من المستثمرين أو رجال الأعمال.
في المقابل، اعتبر الدكتور عبد الرحمن محمد أن الحديث عن مشاريع بهذا الحجم، مقارنة بالناتج المحلي السوري الحالي، يجعلها أقرب إلى “الطروحات الدعائية”، ما لم تكن جزءًا من رؤية تمتد لعقود طويلة، موضحًا أن مشروعًا واحدًا بقيمة 50 مليار دولار يعادل أضعاف الاقتصاد السوري الحالي.
الحديث عن مشاريع بقيمة تقارب 100 مليار دولار، مقارنة بالناتج المحلي السوري الحالي، يجعلها أقرب إلى “الطروحات الدعائية”، ما لم تكن جزءًا من رؤية تمتد لعقود طويلة
الدكتزور عبد الرحمن محمد
خبير اقتصادي وأستاذ جامعي
إعادة إعمار أم إعادة تمركز؟
يرى مؤيدو الصندوق أنه قد يتحول إلى رافعة اقتصادية لإعادة إعمار سوريا وتنظيم الاقتصاد بعد الحرب، بينما يحذر منتقدون من تحوله إلى أداة لإعادة تركيز السلطة الاقتصادية داخل كيان واحد.
الدكتور الجاموس وصف فكرة الصندوق بأنها من “أفضل الخطوات الاقتصادية المطروحة حتى الآن”، شريطة أن تدار بكفاءات اقتصادية قادرة على جذب الاستثمارات وتوقيع اتفاقيات ناجحة.
في المقابل، اعتبر الدكتور عبد الرحمن محمد أن إعادة تنظيم الاقتصاد تحتاج إلى منظومة مؤسساتية متكاملة، لا مجرد كيان مركزي ضخم، محذرًا من أن الصندوق بصيغته الحالية قد يتحول إلى أداة لإعادة مركزة النفوذ الاقتصادي بدلًا من توزيع التنمية.
العلاقة مع الوزارات.. مركزية القرار الاقتصادي
أحد أبرز الأسئلة المطروحة يتعلق بطبيعة العلاقة بين الصندوق السيادي والوزارات التقليدية، خاصة مع تبعيته المباشرة للرئاسة.
الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، يرى أن هذه التبعية تمنحه مرونة أكبر وتخفف البيروقراطية، ما يسمح بإبرام تعاقدات واستثمارات سريعة قد تسهم في تحريك الاقتصاد.
أما الأستاذ الجامعي عبد الرحمن محمد، فيحذر من أن وجود كيان بهذه الصلاحيات قد يخلق صراعًا مع وزارات المالية والتخطيط والإدارة المحلية، ما يستدعي إطارًا قانونيًا واضحًا يحدد حدود الصلاحيات والعلاقة بين الصندوق ومؤسسات الدولة الأخرى.
بين الفرصة والمخاطر
في المحصلة، يتفق الخبيران على أن الصندوق السيادي السوري قد يشكل فرصة اقتصادية مهمة إذا التزم بمعايير الشفافية والحوكمة والكفاءة الإدارية، إلا أن نجاحه يبقى مرتبطًا بمدى قدرته على بناء ثقة حقيقية لدى المستثمرين، وتقديم نموذج اقتصادي واضح يخضع للرقابة والمساءلة، بعيدًا عن الطروحات الدعائية والأرقام غير القابلة للتحقق.
إذ اقترح الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد لتطوير الصندوق وتحسين سير عمله:
مراجعة شاملة للأصول: تقييم مستقل من جهة دولية أو محلية محايدة لكل الأصول المعلنة.
الإفصاح والتدقيق: تعيين شركة تدقيق كبرى ونشر تقارير سنوية علنية.
الفصل بين المحافظ: محفظة استثمارية ربحية (عقارات فاخرة، مشاريع تجارية) ومحفظة تنموية (بنى تحتية، إسكان اجتماعي) بقواعد مختلفة.
تشريع حوكمة: إصدار قانون خاص بالصندوق يحدد علاقته بالوزارات، وآليات الرقابة البرلمانية، ومعايير مكافحة الفساد.
بدء صغير ومدروس: بدلًا من الإعلان عن 100 مليار دولار، البدء بمشاريع تجريبية بقيمة 100-200 مليون دولار مع متابعة دقيقة للعوائد.
شراكات حقيقية مع القطاع الخاص: ليس كشريك تابع بل كشريك متساوٍ في الغنم والغرم، مع عقود واضحة وآليات تحكيم.
تشكيل لجان اقتصادية متخصصة
الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، اقترح تشكيل لجان اقتصادية متخصصة تتولى دراسة الجدوى الاقتصادية لأي مشروع قبل التعاقد عليه، إلى جانب إنشاء جهات رقابية مستقلة ومعلنة للإشراف على الصندوق وتطبيق معايير الشفافية الدولية.
كما دعا إلى طرح المشاريع للاستثمار بشكل معلن وفتح باب المساهمة أمام السوريين والمستثمرين الأجانب عبر شركات مساهمة واكتتابات عامة، بما يعزز الثقة بالصندوق ويزيد قدرته على جذب رؤوس الأموال وتوسيع قاعدة الاستثمار.
أظهرت الفقرة التعريفية عن الصندوق التي حضرتها عنب بلدي، للمرة الأولى أسماء عدد من المسؤولين الرئيسيين المشرفين على الصندوق، وهم:
-المدير العام: إبراهيم سكرية، المعروف سابقًا “أبو مريم الأسترالي”.
– نائب المدير العام: محمد عبد الله الفار.
-رئيس مجلس الإدارة: مازن الصالحاني، وفي الوقت نفسه يشغل منصب وزير السياحة.
– رئيس قطاع التطوير العقاري: محمد الخياط.
– مدير العلاقات العامة: محمد مستت.
– مسؤول التطوير: ياسر قحف.
مخاطر قانونية
صيغة الصندوق السيادي قانونيًا تمنحه استقلالًا شكليًا، لكنها في الوقت نفسه تركز سلطة الإنشاء والتعيين والإشراف داخل الدائرة التنفيذية نفسها، وهو ما يضعف التوازن المؤسسي والرقابة على إدارة المال العام، بحسب ما ذكرته المحامية في “البرنامج السوري للتطوير القانوني” آلاء يونس لعنب بلدي في حديث سابق.
ومع غياب الإفصاح العلني عن البيانات المالية والأصول، وفق المحامية يونس، تظهر مخاطر قانونية مباشرة تتمثل في صعوبة التحقق من مشروعية التصرف بالأموال العامة، وتعقيد تتبع مصادر التمويل والأصول المنقولة إلى الصندوق، وإضعاف القدرة على كشف تضارب المصالح أو إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بالغاية الاستثمارية.
ونوهت يونس إلى أن حصر التقارير داخل الرئاسة بدل نشرها على الملأ يحدّ من المساءلة العامة ويجعل أي مراجعة قانونية أو رقابية لاحقة أصعب، لأن المعلومات الأساسية التي تقوم عليها المحاسبة لا تكون متاحة أصلًا.
وأوضحت أن غموض هيكل الإدارة وعدم تعيين قيادة واضحة يرفع احتمالات الفساد، لأن المرسوم يكتفي برسم بنية عامة لمجلس الإدارة والمدير العام، ويترك التسمية بمرسوم لاحق، ويمنح المجلس صلاحيات ومرونة واسعة، مع ترجيح جانب الرئيس عند تساوي الأصوات.
في هذا النوع من الهياكل، بحسب ما قالته يونس، يصبح من السهل “تمييع” المسؤولية القانونية بين من يقرر ومن ينفذ ومن يراقب، وتزداد مخاطر المحاباة والتدخل السياسي في القرارات الاستثمارية والتعاقدية، خاصة عندما لا تكون حدود الاختصاص وآليات المساءلة منشورة بوضوح ومفعّلة مؤسسيًا.
وذكرت المحامية آلاء يونس أن أول خطوة قانونية عاجلة لتعزيز الثقة العامة هي تعديل الإطار الناظم للصندوق فورًا بحيث يُلزم بنشر تقارير مالية دورية علنية، وكشف الأصول والالتزامات ومصادر التمويل، وتحديد جهة رقابة خارجية مستقلة على أعماله، مع ضبط قواعد التعيين وتعارض المصالح بوضوح.
هذه الخطوة هي الأقرب عمليًا لردم الفجوة بين الصندوق السوري ومبادئ “سانتياغو”، لأنها تنقل الحوكمة من الرقابة الداخلية المحدودة إلى الشفافية القابلة للتحقق والمساءلة الفعلية أمام الجمهور والجهات الرقابية.
باحثان اقتصاديان: غياب الشفافية يضعف الثقة بالصندوق السيادي السوري
Related




