اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-07 22:11:00
لم يدخل داعش قرى الخابور الآشورية في فبراير/شباط 2015 فجأة، ولم يكن اجتياحه السريع نتيجة قوة مفاجئة أو اختراق عسكري معقد. بل جاء بعد سلسلة خطوات محسوبة جردت الشعب من أي قدرة على الدفاع عن نفسه، ووضعته في مواجهة مصيره منعزلاً، مجتمعًا، منسيًا. في نفس صباح دخول داعش، تجمع المدنيون الآشوريون من قرى الخابور في ساحة بلدة تل تمر، ليس كمقاتلين ولكن كسكان خائفين تلقوا أوامر بالامتثال. وهناك، وبحسب شهادة كنسية موثقة حفظها أحد أساقفة المنطقة، كان الأهالي يضطرون إلى تسليم أي سلاح فردي بحوزتهم، والذي لم يكن ضمن تشكيل عسكري أو مشروع تمرد، بل حصلت عليه مجموعة محدودة من الشباب لحماية القرى وتأمين انسحاب النساء والأطفال إذا لزم الأمر. ولم يكن وجود هذا السلاح مقبولا، لأن وجود أي قوة محلية مستقلة لم يكن مرغوبا فيه على الإطلاق. قيل للناس في ذلك اليوم أن الخطر قادم، وأن داعش على الأبواب، وأن قوات الحماية ستدافع عنهم. وطُلب منهم الانتظار معًا، دون أسلحة ودون حركة. وانتظروا ساعات طويلة، فيما انسحبت القوات الموعودة بالحماية تدريجياً من محيط القرى وابتعدت دون اشتباكات ودون تمركز دفاعي، تاركة الساحة مكشوفة. ولم يتم إطلاق رصاصة واحدة على التنظيم، لا في تل تمر ولا على مداخل القرى، رغم أن وحدات الحماية الكردية مدججة بالسلاح ومتواجدة في المنطقة منذ أشهر. وفي الوقت نفسه، تمركزت قوات جيش الأسد السوري في جبل عبد العزيز المطل مباشرة على قريتي الخابور وجنوب الرد، تراقب وتراقب دون حراك. وبعد هذا الانتظار القاتل، دخل داعش خلال ساعات قليلة إلى قرى الخابور، بدخول سريع ومنظم، ليجد الأهالي متجمعين بلا أسلحة، بلا حماية، ودون أي مقاومة تذكر. وهكذا، كما هو موضح في شهادة الكنيسة، تم اقتياد المدنيين بعيدًا مثل قطيع من الأغنام، كرهائن في وضح النهار، بينما كان الجميع يكتفون بالمشاهدة. ما حدث لم يكن مجرد فشل أمني، بل هو حرمان مسبق من القدرة على الدفاع، يليه الانسحاب والصمت، ثم الاستسلام الفعلي للقرى وأهلها. ولم تتوقف الصورة عند الخابور وحدها. وجنوب الرد، الامتداد الجغرافي والبشري للمنطقة، حيث كانت قرى عربية مأهولة وتشكل جزءا من نسيج واحد، شهدت فيما بعد عمليات قتل وتهجير وتجريف منازل وحرق قرى، فيما بقيت القوات المتمركزة في جبل عبد العزيز على حالها، تراقب المشهد من الأعلى. هذه التزامن بين نزع السلاح وجمع المدنيين والانسحاب والدخول السريع لداعش والصمت العسكري من أكثر من طرف لا يمكن عزله عما تبعه لاحقاً من تصفية القرار الآشوري المستقل وفرض السيطرة بالقوة. لم يكن ذلك اليوم حادثة عابرة في حرب فوضوية، بل كان لحظة مفصلية فتحت الباب أمام مسار طويل من الانتهاكات. وبعد أسابيع، اغتيل داود جندو، قائد قوات الدفاع في القرى الآشورية، لأنه رفض إخضاع قوة محلية مستقلة لأي أجندة حزبية، ونجا رفيقه إلياس ناصر ليكسر رواية داعش ويشير بوضوح إلى من استدرجهم وأطلق النار عليهم. ومنذ ذلك التاريخ تحولت القرى الآشورية على طول الخابور إلى نقاط تماس وجيوب محاصرة، واستخدم الخوف مراراً وتكراراً كورقة دعاية، في حين كان الواقع أن من وُعدوا بالحماية تُركوا وحيدين في اللحظة الأكثر خطورة. وهذا النص لا يصدر حكماً قضائياً، بل يعرض الحقائق كما تكشفت زمنياً، ويطرح السؤال الذي لم تتم الإجابة عليه حتى يومنا هذا: من الذي قرر سحب السلاح من أيدي الناس في الساعات التي كان فيها داعش على الأبواب؟ ومن انسحب وتركهم ينتظرون؟ لماذا فتحت القرى خلال ساعات دون مقاومة؟ ما حدث في الخابور لم يكن مجرد غزو، بل تسليم سبقته إجراءات، ولا تزال آثاره مستمرة حتى يومنا هذا.



