سوريا – الكورنيش.. “صالون اللاذقية مفتوح على البحر”

اخبار سوريا28 يونيو 2026آخر تحديث :
سوريا – الكورنيش.. “صالون اللاذقية مفتوح على البحر”

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-28 15:11:00

عنب بلدي – يزن قار في مدينة مطلة على البحر الأبيض المتوسط، لم تكن الواجهة البحرية في اللاذقية مجرد مشهد طبيعي، بل كانت مساحة حياة يومية شكلت على مدى عقود طويلة جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية من خلال تفاصيل الجلسات واللقاءات والحياة اليومية. وقبل التحولات العمرانية التي رافقت توسعة الميناء التجاري في العقود اللاحقة، كان الكورنيش الغربي عبارة عن مساحة مفتوحة تتجمع فيها المقاهي وحمامات السباحة وميناء صيد صغير يمتد في خط واحد محاذي للمياه، مما جعل البحر جزءا مباشرا من التجربة اليومية، وليس مجرد مشهد يمكن رؤيته من بعيد. وكان الكورنيش يبدأ من جهة حديقة “البطراني” التي أقيمت على موقع مقبرة إسلامية قبل أن يحولها الفرنسيون إلى حديقة عامة في فترة الانتداب. امتدت على طول البحر، مروراً بعدد من المقاهي التي شكلت ذاكرة المكان، مثل «العصافيري»، و«اللكبان»، و«البندقية»، و«المنتزه»، وصولاً إلى ميناء صيد صغير يعرف بـ«ميناء القزاز»، ثم المسابح والنوادي التي كانت جزءاً من هذا الامتداد الاجتماعي المفتوح. الكورنيش كحياة يومية لم يكن الكورنيش الغربي مكانًا للترفيه فحسب، بل كان أيضًا جزءًا من الروتين اليومي لسكان المدينة. وكانت الجلسات المسائية والمشي على الواجهة البحرية واللقاءات العفوية ومشاهدة غروب الشمس تفاصيل متكررة في حياة الأهالي، حيث تحولت الزيارة إلى مساحة اجتماعية مفتوحة. ولم يكن المكان مخصصا للنزهة فقط، بحسب ما تقول نجوى المصطفى (80 عاما)، بل كان مساحة لرؤية الناس والتفاعل معهم، وكان بمثابة “صالون المدينة المفتوح على البحر”. بينما قال أحمد سكوتي (69 عاما) إنهم كانوا يذهبون إلى الكورنيش بشكل شبه يومي، دون تخطيط مسبق، حيث كان لقاء الناس هناك يحدث بشكل عفوي، وكأن المدينة بأكملها تجتمع في نفس المكان. مقاهي الكورنيش ارتبطت مقاهي اللاذقية تاريخياً بالبحر، إذ كانت في بداية القرن العشرين محطة للبحارة القادمين من السفر، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مساحة اجتماعية عامة لأهالي المدينة. وكان البحارة يجلسون على كراسي من الخيزران، يتبادلون القصص، في انتظار الإبحار أو العودة، ومع الوقت أصبحت المقاهي جزءًا من الحياة اليومية للمدينة بأكملها، ولا ترتبط بمجموعة واحدة. محمد هنادي، بحار سابق، قال لعنب بلدي، إن المقهى كان بمثابة محطة قبل السفر وبعده. كنا نتحدث عن البحر وكأنه حياتنا اليومية، وليس العمل فقط. ومن أبرز هذه المقاهي مقهى “العصافيري” الذي أنشئ في أربعينيات القرن الماضي على الواجهة البحرية للكورنيش الغربي، وكان من أهم نقاط الالتقاء في المدينة. كما لعبت مقاهي أخرى، مثل لاكبان وفينيسيا، دورًا مماثلاً في تشكيل الحياة الاجتماعية اليومية. وأضاف محمد: «في (العصافيري) كنا نسمع أخبار المدينة قبل أن تصل إلى أي مكان آخر، وكانت جزءاً من ذاكرتنا اليومية». الفن والثقافة على الواجهة البحرية لم تقتصر وظيفة مقاهي الكورنيش على الجانب الاجتماعي، بل تحول بعضها إلى مساحات ثقافية وفنية لعبت دورا مهما في الحياة العامة للمدينة. وفي الوقت الذي كانت فيه المراكز الثقافية محدودة، كانت المقاهي المطلة على البحر بمثابة ملتقى للفنانين والموسيقيين والمهتمين بالشأن الثقافي، واستضافت أنشطة متنوعة جمعت بين الترفيه والفن. اشتهر مقهى “شناتا” باستضافة العروض الموسيقية والسينمائية والمسرحية في الهواء الطلق، مما جعله أحد أبرز معالم الحياة الثقافية في اللاذقية خلال النصف الأول من القرن العشرين. ولم تقتصر هذه الفعاليات على رواد المقاهي، بل استقطبت جمهوراً واسعاً من أهل المدينة الذين اعتادوا مشاهدة العروض في أجواء مفتوحة على البحر. أما مقهى «إسبيرو» فكان أقرب إلى صالون ثقافي مفتوح يجمع مثقفين وطلبة وفنانين ورواد يبحثون عن مساحة للحوار وتبادل الأفكار. وهناك تجاوزت المناقشات شؤون الحياة اليومية إلى الأدب والفن والقضايا العامة، في مشهد يعكس طبيعة المدينة المنفتحة وتنوع رعاتها. أبرز الزوار: لم يكن الكورنيش الغربي مقصداً لأهالي اللاذقية فحسب، بل كان على مدى عقود يمثل وجه المدينة أمام زوارها وضيوفها. وشهدت المنطقة نشاطا فنيا وثقافيا ملحوظا خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث استضافت حفلات وعروضا لعدد من أبرز الفنانين والكتاب المسرحيين العرب. وفي أواخر صيف عام 1931، زارت أم كلثوم اللاذقية وأقامت حفلات هناك، قبل أن تعود مرة أخرى عام 1933. كما شهدت المدينة زيارات وعروض لفنانين وكتاب مسرحيين بارزين، منهم محمد عبد الوهاب، ويوسف وهبي، ونجيب الريحاني، وفاطمة رشدي، مما عزز مكانة الكورنيش ومرافقه الثقافية كأحد أهم مراكز النشاط الفني على الساحل السوري. ذلك الوقت. ولم يقتصر حضور الكورنيش على الجانب الثقافي، إذ استقبل أيضًا شخصيات سياسية بارزة. وفي عام 1959، بعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر، زار الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر اللاذقية وأمضى ليلة في أحد فنادق الكورنيش، التي كانت تمثل في ذلك الوقت واجهة المدينة ومركز الحياة العامة هناك. من البحر المفتوح إلى الجبهة المغلقة مع توسع الميناء التجاري خلال السبعينيات والثمانينيات، تغير المشهد البحري في اللاذقية بشكل جذري. وبعد سنوات من الجدل حول إنشاء ميناء جديد خارج المدينة أو توسيع الميناء الحالي، تم تفضيل الخيار الثاني بسبب تكلفته المنخفضة، مما يتطلب ردم أجزاء من البحر وإزالة عدد من المقاهي والمؤسسات التي كانت تشكل قلب الكورنيش القديم. ولم يكن التغيير حضريا فحسب، بل طالت العلاقة اليومية التي ربطت أهل المدينة بالبحر لعقود طويلة. اختفت المقاهي التي كانت على تماس مباشر مع المياه أو غيرت موقعها، وتراجع وجود ميناء الصيد الصغير والخلجان الصخرية التي اعتاد الناس ارتيادها، فيما حلت الرافعات والحاويات محل المنظر البحري المفتوح تدريجيا. وأصبح البحر، الذي كان في متناول زوار الكورنيش، أبعد من ذي قبل. وبعد أن كانت الأمواج تسمع من على الطاولات، وتصل أحيانا إلى أقدام الجالسين في أيام الشتاء، أصبحت الواجهة البحرية مخفية خلف النشاط التجاري للميناء، مما غير طبيعة المكان ووظيفته الاجتماعية. ورغم إعادة تأهيل الكورنيش منتصف الثمانينات وظهوره بالشكل الذي يعرفه أهل اللاذقية اليوم، إلا أن الكثيرين يعتقدون أن المكان فقد جزءاً من روحه القديمة. وحافظ الكورنيش الجديد على دوره كممشى ومتنفس للسكان، لكنه لم يتمكن من استعادة العلاقة المباشرة التي كانت تربط المدينة بالبحر، ولا الحيوية التي خلقتها المقاهي والمسابح وموانئ الصيد الصغيرة على طول الواجهة البحرية. ما تبقى من الكورنيش رغم مرور عقود على تغير الواجهة البحرية، لا يزال الكورنيش القديم حاضراً في أحاديث وصور وذكريات أهالي اللاذقية. وتتذكر الأجيال التي عاشت في المكان تفاصيله كجزء من حياتهم اليومية، فيما تعرفت عليه الأجيال اللاحقة من خلال قصص الآباء والأجداد والصور القديمة المتداولة بين أهل المدينة. ولا تكاد تخلو صفحات التواصل الاجتماعي في اللاذقية من صور الكورنيش القديم ومقاهيه ومسابحه، مصحوبة بتعليقات تذكر بأسماء الأماكن وتفاصيلها الصغيرة. ولعل ذلك يفسر حضورها المستمر في الوعي الجمعي للمدينة، باعتبارها أكثر من مجرد واجهة بحرية، بل مساحة شكلت جانباً من هوية اللاذقية وعلاقتها بالبحر لعقود طويلة.

سوريا عاجل

الكورنيش.. “صالون اللاذقية مفتوح على البحر”

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#الكورنيش. #صالون #اللاذقية #مفتوح #على #البحر

المصدر – عنب بلدي