اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-13 12:02:00
محمد غزوان شاهين بدأت ملامح السلطة الجديدة في سوريا بالظهور بعد ساعات قليلة من سقوط النظام. وكانت نقطة التحول الأولى فيها هي اعتماد الإدارة الناشئة على حكومة إدلب، ذات التوجه الأيديولوجي الواضح، مدعومًا بنجاحها النسبي في تجربة “الإدارة الذاتية” خلال السنوات السابقة في المحافظة. ورافق ذلك خطاب شعبي لم تعلنه الحكومة رسمياً، لكنه كان حاضراً بقوة في خطاب قواعدها، حتى تحول تدريجياً إلى شعار غير معلن لتلك الفترة: «من يحرر يقرر». في تلك اللحظة، استشعرت الطبقة المثقفة، سواء كانت منتسبة إلى الثورة أم لا، مدى الخطر الكامن في هذا المسار. لكن حالة الانصياع الممزوجة بالشك ظلت هي القاعدة في بداية مرحلة «التحرير»، حين كانت نشوة النصر في ذروتها، وكان من الصعب على كثيرين السباحة ضد تيار الحماس الشعبي. ومع بدء القوى الثورية باختيار رئيس للجمهورية، ثم عقد «مؤتمر الحوار الوطني» المغلي على عجل، ثم تشكيل الحكومة وإصدار الإعلان الدستوري، شعرت القوى المدنية والطبقات المثقفة أن البساط قد سُحب بالكامل من تحت أقدامها. وتعمق هذا الشعور مع تراجع الدعم الشعبي، في معظمه، عن خطابه المتحفظ والمريب، الذي دفعه تدريجياً إلى التحول نحو موقف المعارضة «الحقيقية»، لكن من دون أدوات كافية أو رؤية متماسكة. وفي خضم ذلك، وجدت نفسها غارقة في دوامة من المغالطات والارتباك، بسبب تسونامي الأخبار الملفقة والحقيقية، التي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي، وخلطت الحقائق بالإشاعات، وأربكت قدرتها على الفهم والموقف والتأثير. وفي سياق موازٍ، كانت الحكومة بقيادة الرئيس الجديد تخطو خطوات كبيرة على الساحتين العربية والدولية، محققة اختراقات سياسية واضحة، في وقت ظلت الأصوات المعارضة لها تائهة بين التحليلات والتوقعات، التي كان معظمها نابعاً من الحقد والحقد وليس استناداً إلى قراءة واقعية. وفي بعض الأحيان كان هذا الخطاب بمثابة الرغبة في استمرار العقوبات على سوريا، لا لسبب سوى إثبات فشل السلطة الجديدة، حتى لو كان الثمن معاناة الناس أنفسهم. في موازاة ذلك، سادت حالة من الاستعلاء لدى بعض المثقفين المعارضين على المرجعية الأيديولوجية للسلطة، مقرونة بشعور خفي بأن هذه الفئة «أدنى» من أن تحكم، أو حتى أن تكون منافساً سياسياً وثقافياً جدياً لها. ومع دخول الأحزاب ذات الطموحات الانفصالية إلى خط المعارضة، خلقت، دون اتفاق معلن، مشهد جبهة واحدة جمعت أطرافا متناقضة، لا يجمعها مشروع واضح، بقدر ما يجمعها رفض السلطة الجديدة بأي ثمن. في المقابل، لا يمكن إنكار أن الإدارة الجديدة سقطت، ووقعت في بعض الأحيان في متاعب كبيرة، كما لا يمكنها أن تتجاهل حجم الصعوبات والعقبات والقضايا الشائكة التي تحاول معالجتها في مرحلة بالغة التعقيد. ومن هنا، تبرز مسؤولية السلطة في عدم السماح، تحت أي ذريعة، بتشكيل “حكومات ظل” غير معلنة، أو شبكات نفوذ موازية داخل مؤسسات الدولة، والتي تتحول تدريجياً إلى نواة للهيمنة الإدارية المستقبلية، مما يمهد الطريق أمام قيام دولة فاسدة، حتى لو رفعت فوقها شعارات الإصلاح. ومن الطبيعي، إلى حد ما، فهم ميل السلطة في مرحلتها الانتقالية إلى الاعتماد على عامل «الثقة» أكثر من «الكفاءة» في اختيار المسؤولين والإداريين، خوفاً من الاختراق أو الانهيار المبكر. لكن هذا الخيار، مهما كانت مبرراته، لا يمكن أن يتحول إلى سياسة دائمة. واليوم، لدى السلطة القدرة على تصحيح المسارات والانفتاح على طاقات أوسع، من دون أن تفقد استقرارها. كما لا يجوز أن ننسى أن الشعب السوري مليء بأشخاص ذوي كفاءة عالية، ويتمتعون بالكفاءة والثقة، داخل الوطن وخارجه، وأن الأمر لا يتعلق بإرضاء الأحزاب أو توزيع المناصب، بقدر ما يتعلق بتعزيز السلم الأهلي والاستفادة من الطاقات السورية المنتشرة حول العالم. وفي هذا السياق، يجب على المثقفين، سواء المنتمين إلى الثورة أو غيرهم، التوقف عن التعامل مع السلطة كسلطة دائمة. وهي في جوهرها حكومة مؤقتة، من المفترض أن تمهد لمرحلة انتقالية، وليس أن تتحول إلى مصير نهائي. وبناء على ذلك، فإن المطلوب يصبح نوعاً من التقارب العقلاني مع السلطة، ليس من باب المحاباة لها، ولا لتبرير أخطائها، بل بهدف التصحيح البناء والمحاسبة، وليس المعارضة الصدامية. فالمعارضة بمعناها السياسي الكامل تفترض وجود حكومة منتخبة وليس سلطة مؤقتة تعين في ظرف استثنائي. في المقابل، أمام النخب الثقافية والمدنية فرصة حقيقية لاستغلال هذه المرحلة، من خلال العمل على تشكيل نواة الأحزاب أو التجمعات السياسية والمدنية، في الداخل والخارج، استعداداً لمرحلة ما بعد الانتقال، لنصل إليها بخيارات واضحة، وبرامج معروفة، وقوى منظمة، نستطيع مراقبتها ومحاسبتها وانتخابها، بدلاً من أن نتفاجأ في النهاية بسلطة لا خيار أمامنا إلا القبول بالأمر الواقع. أزمة العلاقة بين المثقف والسلطة الجديدة ليست أزمة تنافس فحسب، بل هي أزمة ثقة ورؤية ودور. ولن تحل هذه الأزمة بالتصفيق الأعمى أو الرفض المطلق، بل ببناء مساحة مشتركة من النقد المسؤول، والعمل الجاد، والرهان على وعي المجتمع. وبدون هذه الشراكة المؤجلة قد يتحول القطيعة إلى مصير دائم، يدفع ثمنه الجميع.



