سوريا – المهنة المسموحة – عنب بلدي

اخبار سوريا22 يناير 2026آخر تحديث :
سوريا – المهنة المسموحة – عنب بلدي

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-21 19:42:00

مشكلة الصحافة في سوريا لم تكن أبداً في عدد الصحف، بل في معنى الصحافة نفسها. الكثير لا يخلق الحقيقة، كما أن الضجيج لا يخلق الصوت. قبل سقوط النظام السابق، كانت الأكشاك مكتظة بالعناوين، وامتلأت الشاشات بالنشرات، لكن الفراغ كان سيد المشهد. الكلمات تحركت كثيرا، قيلت قليلا. الصحافة كانت حاضرة شكلا وغائبة روحا. جسد بلا قلب . وعندما انكسرت الأغلال وسقط النظام القديم، تخيل السوريون أن الكلمة ستستعيد كرامتها، وأن الإعلام سيترك زمن التلقين إلى زمن الإقناع، وأن الصحافة ستعود إلى وظيفتها الطبيعية كسلطة علم وليس ذيلاً لسلطة حاكمة. لقد ظنوا أن سورية ستبني إعلاماً جديداً يليق ببلد خارج من الاستبداد. لكن ما حدث لم يكن انتقالاً من القمع إلى الحرية، بل من الاحتكار إلى الفوضى. بعد مرور عام على التحرير، الدولة السورية تقف بلا صوت مقنع. قناة رسمية واحدة تؤدي دورها بعقلية الموظفين وليس بروح المؤسسات. صحيفة وطنية يتيمة يحاصرها تراكم غير طبيعي للأقلام. وهذا المشهد لا يدل على ضعف الإمكانات، بل على غياب الرؤية. ولا يقاس الإعلام بعدد المكاتب، بل بقدرته على خلق الثقة، وهذه العملة نادرة اليوم. والأخطر من ذلك أن الصحافة تحولت إلى منطقة مسموحة. ولم تعد مهنة، بل خاصية إضافية. كل من لديه حساب على منصة أو ميكروفون أصبح صحفيا. الطبيب محلل سياسي. المهندس خبير استراتيجي. الناشط كاتب رأي عام. الجميع يتحدث عن كل شيء، إلا الصحفي المتخصص الذي تم استبعاده في سوق مزدحم بالهواة. سقطت الحدود بين المعرفة والرأي، بين التحليل والانطباع، بين المهنة والهواية. عندما يظهر بائع الفلافل على شاشة «الأخبارية» كمحلل سياسي، فإن الأمر هنا لا يتعلق به، بل بالمؤسسة التي منحته هذا المنصب. إنها ليست إهانة للرجل، بل للمهنة. لأن التحليل السياسي ليس قصة تروى في مقهى، بل هو علم يدرس، ومنهج يبنى، وخبرة تتراكم. عندما تدار المؤسسات الإعلامية من قبل غير المتخصصين، يصبح الإعلام مرآة للفوضى وليس أداة للتوعية. الصحيفة الوطنية الوحيدة هي صورة مكبرة للأزمة. مئات الكتاب يتزاحمون على صفحات محدودة. مزيج جامح من السياسة والاقتصاد والقانون والطب والثقافة. ليس لأن الجميع يدعي المعرفة، بل لأن الدولة لم تبني خريطة صحفية عادية. وفي الدول المستقرة، لا يكتب الطبيب في صحيفة سياسية، بل في مجلة طبية. المحامي لا ينافس الصحفي، بل يجد منصة متخصصة. وغياب هذا التنوع جعل الصحيفة الوحيدة ساحة للازدحام المهني المربك. ولا تتوقف الفوضى عند حدود الصحافة اليومية، بل تتسع لتشمل مراكز الدراسة. ولا تمتلك سورية اليوم مركزاً وطنياً متيناً للأبحاث الاستراتيجية، في حين تعاني معظم المراكز الخاصة من خلل فادح في المعايير. وترتفع شعارات الكفاءة، وتمارس في الواقع المحسوبية. ويشترط في المتقدم أن يكون حاصلاً على درجة الماجستير ليكون مساعد باحث لا يتجاوز تحصيله العلمي الثانوية العامة، أو شهادة جامعية عامة، دون أي تدريب أكاديمي حقيقي. ورغم أن أدوات التحليل والبحث لم يتم تأسيسها في المرحلة الجامعية، إلا أنها تصاغ أكاديميا في الدراسات العليا، حيث تتشكل القدرة البحثية في الماجستير والدكتوراه الأكاديمي. وفي المؤسسات الجادة، لا يمنح لقب باحث إلا لمن تدرب على الأدوات التحليلية، ويجب أن يكون حاصلا على درجة الماجستير الأكاديمي على الأقل، لأن البحث ليس تخمينا كما يظن البعض، بل هو حرفة عقلية تحكمها قواعد أكاديمية صارمة لا يتقنها إلا من يتقنها. هذه هي الطريقة التي يتم بها دمج الحلقة المغلقة. إعلام بلا متخصصين. صحافة بلا تنظيم. مراكز بحثية بلا معايير. والنتيجة رأي عام مشوش، ودولة غير قادرة على تقديم روايتها بثقة، ومجتمع يستهلك الضجيج بدلاً من إنتاج الوعي. إن ما تحتاجه سوريا اليوم ليس المزيد من المنصات، بل نظام إعلامي متكامل. استراتيجية وطنية تبدأ من الجذور. إعادة بناء وزارة الإعلام على أساس الكفاءة المهنية وليس الولاء الشخصي. اختيار القادة من ذوي الخبرة وليس من العابرين بالمهنة. وضع معايير واضحة لاختيار الضيوف والخبراء، بناءً على السيرة الأكاديمية والمهنية، وليس على حجم العلاقات. أنت بحاجة أيضًا إلى خريطة صحفية محدثة. الصحف المحلية تعبر عن تفاصيل حياة الناس في المحافظات. الصحف الوطنية القوية تشكل النقاش العام. صحف متخصصة في الطب والقانون والاقتصاد والثقافة. وبهذا وحده سيستعيد كل صاحب تخصص مكانته الطبيعية، وتستعيد الصحافة توازنها المهني. كما أن هناك ضرورة لفتح المجال أمام وسائل الإعلام الخاصة وفق ضوابط مهنية صارمة تضمن الحرية والمسؤولية. ووسائل الإعلام لا تتقدم من خلال الاحتكار، بل من خلال التنوع والمنافسة العادلة. وأخيراً، لا بد من إنشاء مركز وطني للدراسات والبحوث بمعايير أكاديمية صارمة، يكون بمثابة العقل التحليلي للدولة ومرجع الإعلام المعرفي. إن الدول الحديثة تدار بالمعرفة، وليس بالارتجال. فالصحافة ليست ترفاً ديمقراطياً، بل هي بناء سيادي. فإذا كانت المهنة حلالا جاز الحق معها. إن سوريا التي دفعت ثمناً باهظاً لحريتها، لا تستحق إعلاماً مرتجلاً، بل تستحق إعلاماً يضاهي تضحياتها في الجدية والمهنية. ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى

سوريا عاجل

المهنة المسموحة – عنب بلدي

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#المهنة #المسموحة #عنب #بلدي

المصدر – عنب بلدي