اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-19 16:12:00
محمد ديب بظت | يزن قر | غنى جبر
ظل المنتخب السوري لسنوات يطارد فرصة التأهل إلى كأس العالم كما لو أنه يركض خلف كرة تتدحرج دائمًا بعيدًا عن الشباك، إذ تكررت المحاولات وتبدل المدربون، وتعاقبت الأجيال، لكن النتيجة بقيت عالقة عند حدود الإخفاق وأخطاء التخطيط، وكأن صافرة النهاية تُطلق قبل أن تكتمل الهجمة.
ومع اتساع مقاعد آسيا في كأس العالم 2026، ظن المشجع السوري أن حلم التأهل أصبح أقرب إلى التحقق، إلا أن المنتخب واصل الوقوع في الخطأ الإداري والفني، إذ تتعطل الهجمة عند أول لمسة تنظيم، ويضيع البناء قبل أن يصل إلى منطقة الجزاء، وبين غياب الاستقرار الفني وضعف البنية الكروية وتشتت مشروع اللعبة، ظل الهدف المؤجل هو العنوان الأبرز لمسار طويل من الإخفاق.
هذا الإخفاق هو حصيلة تراكمات ممتدة، امتزج فيها ضعف التخطيط مع هشاشة الدوري المحلي، وتراجع الاستثمار في القواعد، وصولًا إلى فجوة واضحة بين اللاعب السوري داخل البلاد ونظيره المحترف خارجها، وكأن المنظومة الكروية كلها تتحرك بلا “وسط ملعب” قادر على ربط الدفاع بالهجوم، أو صناعة فرصة حقيقية لتسجيل الحضور الأول لسوريا في كأس العالم.
في هذا الملف، تحاول عنب بلدي تفكيك أزمة المنتخب السوري من جذورها، وقراءة أسباب الإخفاق المتكرر، ومقارنته بتجارب عربية نجحت في كسر الحلقة، وصولًا إلى ملف الفئات العمرية باعتباره خط البداية لأي مشروع كروي حقيقي.
لم يكن إخفاق المنتخب السوري في بلوغ نهائيات كأس العالم 2026 بمعزل عن التراكمات الطويلة التي رافقت المنتخب السوري عبر سنوات مختلفة، رغم تغير الأجهزة الفنية والإدارية وتبدل الأجيال.
ومع توسع كأس العالم إلى 48 منتخبًا، وارتفاع حصة آسيا إلى ثمانية مقاعد مباشرة، بدا أن الفرصة هذه المرة أقرب من أي وقت مضى، إلا أن المنتخب السوري لم ينجح في تحويل هذا التغيير إلى فرصة حقيقية، واكتفى بضمان التأهل إلى نهائيات كأس آسيا 2027 في السعودية.
غياب النهج من سمات الواقع الحالي
يواجه المنتخب السوري حالة من التذبذب المستمر على مستوى الأداء والنتائج، دون أن ينجح خلال السنوات الأخيرة في تثبيت هوية فنية واضحة أو بناء منظومة لعب مستقرة.
ويلاحظ أن مستوى المنتخب بقي قريبًا من نسقه السابق، مع تغييرات محدودة لم تنعكس بشكل جذري على جودة الأداء أو النتائج، في ظل استمرار الاعتماد على حلول فردية أكثر من وجود مشروع جماعي متكامل.
الأمين العام السابق للاتحاد السوري لكرة القدم، قتيبة الرفاعي، قال لعنب بلدي، إن تقييم المنتخب الحالي لا يمكن فصله عن السياق العام لكرة القدم السورية، موضحًا أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بجيل اللاعبين، بقدر ما ترتبط باستمرار النهج الإداري والفني ذاته.
ويرى أن أبرز نقاط القوة تتمثل في بعض العناصر المحترفين خارج البلاد، في حين تبقى نقاط الضعف مرتبطة بغياب الاستقرار الفني والرؤية الواضحة، ما يجعل المنتخب بحاجة إلى إعادة بناء حقيقية على مستوى الإدارة والتخطيط وليس فقط على مستوى اللاعبين.
ويعتقد الرفاعي أن المنتخب السوري يمتلك عناصر يمكن البناء عليها مستقبلًا، إلا أن ذلك مشروط بوجود مشروع كروي واضح، وإدارة تعتمد معايير ثابتة في الاختيار والتخطيط، بدلًا من الاعتماد على الحلول المؤقتة التي تفرضها الظروف الآنية، وهو ما يجعل الحديث عن تطور فعلي محدودًا في ظل الواقع الحالي.
يعد غياب المنتخب السوري عن نهائيات كأس العالم نتيجة تراكم طويل من الإخفاقات التي امتدت عبر سنوات، ولم يكن مرتبطًا بمرحلة أو تصفيات بعينها، بل يعكس حالة عامة من عدم الاستقرار في إدارة المنتخب وإعداده.
وعلى الرغم من بعض المحطات التي اقترب فيها المنتخب من تحقيق حلم التأهل، مثل مونديال روسيا 2018، فإن غياب التخطيط بعيد المدى، وضعف الاستمرارية في العمل الفني، جعلا هذه المحاولات تنتهي دون الوصول إلى الهدف النهائي.
وأكد الأمين العام السابق لاتحاد كرة القدم أن هذا الغياب لا يمكن قراءته كحادث ظرفي، بل هو نتيجة مباشرة لتراكمات إدارية وفنية ومالية امتدت لسنوات طويلة.
وأشار إلى أن ضعف الدوري المحلي، إلى جانب محدودية الإمكانات وغياب الاستقرار الإداري، جميعها عوامل أساسية أسهمت في إضعاف قدرة المنتخب على المنافسة.
غياب التخطيط بعيد المدى، وضعف الاستمرارية في العمل الفني، جعلا محاولات التأهل لكأس العالم تنتهي دون الوصول إلى الهدف النهائي.
قتيبة الرفاعي
الأمين العام السابق للاتحاد السوري لكرة القدم
منتخب سوريا يلتقط صورة تذكارية قبل بداية اللقاء أمام المنتخب القطري في كأس العرب – 4 كانون الأول 2025 (SFA)
معاناة في التنظيم
الأمين العام السابق للاتحاد السوري لكرة القدم، قتيبة الرفاعي، اعتبر أن الاتحاد السوري يعاني حتى في تنظيم المعسكرات التدريبية، سواء من حيث اختيار أماكن الإعداد أو تأمين مباريات ودية تتناسب مع الاحتياجات الفنية للمنتخب، موضحًا أن سوريا غالبًا ما تلعب مع المنتخبات التي توافق على مواجهتها، وليس مع المنتخبات التي يحتاج إليها الجهاز الفني للتحضير.
ولفت الرفاعي إلى أن المنتخبات الكبرى تضع برامج مبارياتها الودية قبل سنوات، وهو ما يجعل التنسيق معها أمرًا صعبًا في ظل غياب التخطيط المبكر، معتبرًا أن هذه المشكلة تعكس خللًا إداريًا أكثر من كونها مسألة فنية.
حتى الفترات التي اقترب فيها المنتخب السوري من بلوغ كأس العالم، لم تكن ثمرة مشروع كروي متكامل، بل جاءت في سياقات استثنائية وظروف غير مستقرة، ما يجعل تكرار تلك النتائج غير مضمون في غياب رؤية تطوير شاملة تقوم على أسس واضحة ومستدامة، وفق ما قاله الرفاعي.
مشكلة استقطاب
في قراءة موازية، يرى المحلل الرياضي محمود خوام، في حديث إلى عنب بلدي، أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التخطيط واعتماد المنتخب على “اللحظات العاطفية” لصناعة النتائج، معتبرًا أن هذه اللحظات، رغم تأثيرها المؤقت، لا يمكن أن تؤسس لمشروع كروي مستدام.
وقال إن كرة القدم السورية أنتجت عبر تاريخها لاعبين مميزين حققوا نجاحات لافتة في الاحتراف الخارجي، مثل عمر السومة وجهاد الحسين وفراس الخطيب ومحمد المواس وغيرهم، إلا أن هذا النجاح الفردي لم ينعكس على مستوى المنتخب بالشكل المطلوب، نتيجة غياب بيئة كروية متكاملة داخليًا.
اللاعب السوري المحترف خارج البلاد يكتسب خبرة في بيئة احترافية متقدمة من حيث التخطيط والتجهيز والبنية الفنية، لكنه عندما يعود إلى المنتخب يصطدم بواقع يفتقر إلى الأساسيات الضرورية لنجاح أي مشروع كروي، ما يحدّ من قدرته على تقديم أفضل ما لديه، بحسب خوام.
بدوره، قال المدرب السوري نزار محروس، إن وجود لاعب ينشط في دوري قوي يشكل قيمة فنية حقيقية لأي منتخب، وهو ما ينطبق أيضًا على المنتخب السوري الذي يضم عددًا من اللاعبين المحترفين، مثل عمر السومة وعمر خريبين ومحمود المواس وعلاء الدين الدالي، إلى جانب لاعبين آخرين ينشطون في أوروبا، إلا أن المشكلة، بحسب محروس، تكمن في آلية استقطاب هؤلاء اللاعبين والاستفادة منهم بالشكل الأمثل.
وأضاف محروس، في حديث إلى عنب بلدي، أن ملف اللاعبين المحترفين يحتاج إلى متابعة مستمرة من الجهاز الفني واتحاد كرة القدم، لضمان اختيار أفضل العناصر القادرين على تقديم الإضافة للمنتخب الوطني.
بنية تحتية متهالكة
تعاني كرة القدم السورية من ضعف واضح في البنية التحتية الرياضية، سواء على مستوى الملاعب أو مراكز التدريب أو منظومات إعداد اللاعبين، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى التطور الفني للمنتخبات الوطنية.
غياب التجهيزات الحديثة يحدّ من قدرة اللاعب على التطور المستمر، ويجعل عملية صناعة لاعب محترف أكثر صعوبة، مقارنة بالدول التي تمتلك منظومات تدريب متكاملة تعتمد على الأكاديميات والملاعب المجهزة وبرامج الإعداد طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، أشار المدرب نزار محروس، إلى أن ضعف البنية التحتية، وعدم استقرار منظومة العمل داخل اتحاد كرة القدم، وغياب المنهجية والاحترافية، جميعها عوامل انعكست سلبًا على المنتخب الوطني، لافتًا إلى أن الملاعب والمرافق الرياضية في سوريا لا تزال بعيدة عن المستوى الموجود في دول الجوار، مثل العراق والأردن.
من جهته اعتبر محمود خوام، أن تأثير غياب البنية التحتية لا يقتصر على المنتخب الأول، بل يمتد إلى جذور اللعبة نفسها، معتبرًا أن بناء منتخب منافس دون قاعدة رياضية متكاملة أمر غير ممكن.
ويرى أن الملاعب ومراكز التدريب تشكّل الأساس لأي تطور حقيقي، مستشهدًا بتجارب منتخبات آسيوية نجحت في الوصول إلى مستويات متقدمة بفضل الاستثمار المبكر في البنية التحتية، مثل كوريا واليابان.
الخطوة الأولى لإعادة بناء كرة القدم السورية يجب أن تبدأ من البحث عن المواهب بشكل منظم، عبر إنشاء مراكز تدريب وتقييم في مختلف المناطق، إلى جانب وضع فلسفة واضحة وهوية فنية يتم البناء عليها عبر الأجيال.
التجارب الدولية أثبتت أن الاستثمار في القاعدة الكروية، رغم تكلفته، هو الطريق الوحيد لتحقيق نتائج مستدامة على مستوى المنتخبات.
محمود خوام
محلل رياضي
واقع الدوري السوري وإنتاج اللاعبين
يُنظر إلى الدوري السوري لكرة القدم باعتباره الحلقة الأضعف في منظومة اللعبة، في ظل تراجع واضح على المستويات الفنية والتنظيمية، وغياب الاستقرار الإداري والفني داخل الأندية.
هذا الواقع جعل الدوري عاجزًا عن لعب دوره الطبيعي كمصدر أساسي لتغذية المنتخب الوطني باللاعبين الجاهزين، باستثناء بعض الحالات الفردية التي تعتمد على الموهبة أكثر من الاعتماد على منظومة تطوير واضحة.
ووصف خوام مستوى الدوري السوري بأنه متدنٍ جدًا من مختلف الجوانب، مشيرًا إلى غياب الأفكار الفنية الواضحة، واستمرار العشوائية في الأداء والتخطيط.
هذه البيئة لا تساعد على تطوير لاعب قادر على المنافسة خارجيًا، بل تجعل الدوري مجرد مرحلة انتقالية قصيرة في مسار اللاعب قبل البحث عن فرص خارجية.
الدوري المحلي، رغم أنه قد يفرز بين الحين والآخر مواهب لافتة، فإنه لا يضمن استمرارية تطوير هذه المواهب أو صقلها بالشكل المطلوب، ما يجعل الاحتراف الخارجي خيارًا شبه ضروري للاعب السوري إذا أراد الوصول إلى مستوى أعلى وتمثيل المنتخب الوطني بكفاءة أكبر، وفقًا لخوام.
علاقة مباشرة
تعد العلاقة بين الدوري المحلي والمنتخب الوطني علاقة مباشرة في معظم التجارب الكروية الناجحة، حيث يشكل الدوري القاعدة الأساسية لتطوير اللاعبين وصقل قدراتهم قبل انتقالهم إلى مستوى المنتخب.
غير أن هذه العلاقة تبدو في الحالة السورية غير متوازنة بالشكل الكافي، نتيجة الضعف الفني والتنظيمي الذي يعانيه الدوري، ما ينعكس بشكل واضح على جودة الخيارات المتاحة أمام الجهاز الفني للمنتخب.
خوام اعتبر أن مستوى المنتخب السوري هو انعكاس جزئي لواقع الأندية المحلية، لكنه ليس العامل الوحيد في تفسير تراجع النتائج.
فالدوري، بحسب رأيه، يسهم في تحديد سقف التطور الفني للاعبين، لكنه لا يعد وحده المسؤول عن الصورة العامة، إذ تتداخل معه عوامل أخرى تتعلق بالتخطيط والاستقرار الإداري وغياب المشروع الكروي طويل الأمد.
وشدد خوام على ضرورة إحداث تغيير جذري في بنية الأندية السورية، يقوم على تأسيس أكاديميات فنية حقيقية وخطط تطوير طويلة الأمد، بدل الاعتماد على العمل العشوائي أو الحلول المؤقتة.
أي تحسين في مستوى المنتخب يبدأ من القاعدة، أي من الأندية، عبر بناء منظومة تدريبية حديثة تضمن إنتاج لاعبين قادرين على المنافسة محليًا وخارجيًا.
محمود خوام
محلل رياضي
مشجعو المنتخب السوري يرفعون علم بلادهم قبل انطلاق مباراة المجموعة الأولى من دور المجموعات في بطولة كأس العرب 2025 لكرة القدم بين سوريا وفلسطين في قطر – 7 كانون الأول 2025 (AFP)
لا تبدو أزمة المنتخب السوري مرتبطة بنتائج المباريات والأداء فقط، إذ تفتح الإخفاقات المتكررة باب المقارنة مع منتخبات عربية نجحت خلال السنوات الأخيرة في تحقيق نقلات نوعية على المستويين القاري والعالمي، رغم تشابه الظروف أو محدودية الإمكانات في بعض الحالات.
ففي الوقت الذي تمكن المنتخب المغربي من بلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022، نجح المنتخبان الأردني والعراقي في حجز مقعديهما في نهائيات كأس العالم 2026، بعد مسار تصاعدي اعتمد على تطوير العمل الإداري والفني، والاستفادة من اللاعبين المحترفين، إلى جانب الاستثمار في الفئات العمرية رغم أن مشوارهم المونديالي لم يكن مثاليًا بالمطلق، بينما لا يزال المنتخب السوري يبحث عن مشروع رياضي مستقر قادر على تحقيق نتائج تعكس جودة التخطيط والإدارة.
ويطرح ذلك تساؤلات حول الفروقات بين هذه التجارب والواقع السوري، ومدى قدرة كرة القدم السورية على الاستفادة من نماذج عربية نجحت في تحويل التخطيط طويل الأمد إلى إنجازات ملموسة، وما إذا كان الاحتراف الخارجي وحده كافيًا لتقليص الفجوة، أم أن الأمر يتطلب إصلاحًا أشمل يبدأ من الداخل ويشمل مختلف مفاصل المنظومة الكروية.
استثمار التجارب
يرى الصحفي ورئيس تحرير صحيفة “الموقف الرياضي”، مازن الريس، أن تأهل منتخبي الأردن والعراق إلى كأس العالم جاء نتيجة بدء مسار إصلاحي مدروس، تزامن مع زيادة عدد المنتخبات المشاركة في البطولة إلى 48 منتخبًا، معتبرًا أن التجربتين لا تزالان في بداياتهما، إلا أنهما استفادتا من هذا التحول ونجحتا في استثماره.
الريس قال لعنب بلدي، إن المنتخب السوري بقي بعيدًا عن المنافسة بسبب استمرار حالة التخبط الإداري والفني، مشيرًا إلى أن الاتحاد السوري لكرة القدم شهد تغييرات متكررة على مستوى الإدارات والأجهزة الفنية منذ انطلاق التصفيات حتى نهايتها.
وأضاف أن تجديد عقد المدرب الأرجنتيني، هيكتور كوبر، عقب كأس آسيا تم، برأيه، دون دراسة كافية، رغم الخسارة الثقيلة أمام اليابان بخماسية، كما لم يجرِ تقييم الأداء الفني للمنتخب بعد الفوز الصعب على كوريا الشمالية بهدف دون مقابل، وهو ما أدى، بحسب وصفه، إلى استمرار الأخطاء حتى الخروج من التصفيات أمام المنتخب ذاته بهدف متأخر.
عشوائية العمل
احتراف اللاعبين في الدوريات الخارجية يعد أحد أهم عوامل نجاح المنتخبات الوطنية، إلا أن التجربة السورية في إدارة ملف اللاعبين المحترفين وأصحاب الأصول السورية عانت، بحسب الريس، من التخبط، لا سيما قبل التغيير السياسي في سوريا، إذ لم يكن الملف يدار بطريقة مدروسة، وشهد استدعاء لاعبين دون ارتباط ذلك بالحاجة الفنية الفعلية للمراكز التي يشغلونها.
وأضاف أن استقطاب اللاعبين من أصحاب الأصول السورية استمر لما يقارب 20 عامًا، من دون وجود آلية واضحة لاختيارهم أو متابعتهم بشكل منتظم، أو تقييم مدى حاجة المنتخب إليهم، لافتًا إلى غياب شبكة متابعة دائمة في أوروبا لرصد هؤلاء اللاعبين.
وفي معرض مقارنته بالتجارب العربية، أوضح الريس أن لكل دولة ظروفها الخاصة، معتبرًا أن التجربة الأردنية تختلف عن العراقية، كما تختلف كلتاهما عن التجربة المغربية، لذلك لا يمكن نقل أي نموذج كما هو، وإنما ينبغي اختيار ما يتناسب مع الواقع السوري من حيث الإدارة وإعداد اللاعبين والبنية الكروية.
التجربة العراقية، وفقًا للريس، تبقى الأقرب إلى الحالة السورية، سواء من ناحية تطوير الدوري المحلي، أو تنظيم ملف اللاعبين المحترفين، موضحًا أن العراق اعتمد معايير محددة للتعاقد مع اللاعبين الأجانب، وربطها بتصنيف اتحاداتهم على لائحة الاتحاد الدولي لكرة القدم، بالتوازي مع العمل على استقطاب اللاعبين من أصحاب الأصول العراقية.
وأكد أن التجربة العراقية لا تمثل نموذجًا مثاليًا، لكنها تبقى، برأيه، أكثر تنظيمًا مما هو قائم في سوريا.
تطوير الكرة السورية يتطلب الانتقال من الإدارة العشوائية إلى العمل المؤسسي القائم على التخطيط طويل الأمد، والاستفادة من التجارب التي أثبتت نجاحها بما يتلاءم مع خصوصية الواقع السوري.
مازن الريس
رئيس تحرير صحيفة “الموقف الرياضي”
عوامل غائبة
من جهته، قال المدرب السوري نزار محروس، إن بلوغ منتخبي الأردن والعراق نهائيات كأس العالم لم يكن مصادفة، وإنما جاء ثمرة عمل مؤسسي طويل اعتمد على تطوير البنية التحتية واستقرار الاتحادات الكروية وبناء المنتخبات، وفق خطط واضحة.
وأضاف محروس أن الاتحاد العراقي حظي بدعم حكومي أسهم في تطوير الملاعب والبنية التحتية الرياضية، إلى جانب العمل ضمن منظومة مستقرة انعكست على قوة الدوري المحلي، واستقطاب مدربين ولاعبين بمستويات جيدة ما أسهم في بناء منتخب قادر على المنافسة.
وأشار إلى أن الأردن، رغم امتلاكه ملاعب أقل من العراق، نجح في تأسيس اتحاد يعمل باحترافية، إلى جانب مشروع طويل الأمد لرعاية المواهب والأكاديميات، بإشراف الأمير علي بن الحسين، وهو ما أتاح بناء جيل مميز تطور تدريجيًا حتى حقق التأهل إلى كأس العالم، معتبرًا أن هذا الإنجاز جاء نتيجة خطوات مدروسة ومنظمة امتدت لسنوات، وهذه العوامل لا تزال غائبة عن الكرة السورية.
وفيما يتعلق بملف اللاعبين المحترفين، أوضح أن الاستفادة منهم تنقسم إلى شقين، الأول يتعلق باللاعبين السوريين الذين احترفوا في دوريات خارجية، والثاني باللاعبين المغتربين الذين ينشطون في أوروبا.
وأشار إلى أن المنتخب العراقي استفاد بصورة كبيرة من لاعبيه المغتربين، إذ ضمت تشكيلته عددًا كبيرًا من المحترفين أصحاب المستويات العالية، إلا أن المنتخب واجه في مراحل سابقة بعض المشكلات المتعلقة بالانسجام بين اللاعبين المحليين والمغتربين، رغم امتلاكه جهازًا فنيًا جيدًا، قبل أن ينجح المدرب غراهام أرنولد في قيادة المنتخب إلى التأهل.
وعن أبرز التجارب العربية الناجحة، اعتبر محروس أن المغرب يمثل النموذج الأبرز حاليًا، إلى جانب مصر والجزائر بدرجات متفاوتة، وفي آسيا السعودية وقطر والإمارات والعراق.
التطور الذي حققه المنتخب المغربي لم يكن وليد سنوات قليلة، وإنما جاء نتيجة استراتيجية طويلة المدى شملت تطوير البنية التحتية وبرامج إعداد اللاعبين وإرسال المواهب للاحتراف في الدوريات الأوروبية الكبرى، ما منح اللاعبين خبرات وثقة مكّنتهم من منافسة المنتخبات العالمية.
نزار محروس
مدرب سوري
ولفت محروس إلى أن السعودية اختارت التركيز على بناء دوري محلي قوي، وهو ما انعكس إيجابًا على مستوى المسابقة المحلية، لكنه لم ينعكس بنفس القدر على نتائج المنتخب الوطني، مؤكدًا أن نجاح أي منتخب يتطلب تكامل عدة عوامل، أبرزها التخطيط طويل الأمد والبنية التحتية والاحتراف الخارجي والإعداد البدني والفني المستمر.
يحتفل لاعبو المنتخب السوري بالتأهل إلى الدور ثمن النهائي من كأس العرب – 8 كانون الأول 2025 (SFA)
يشكل تطوير الفئات العمرية الركيزة الأساسية لأي مشروع يسعى إلى بناء كرة قدم قادرة على المنافسة، إذ إن الاستثمار في إعداد اللاعبين منذ الصغر، وفق خطط علمية مستدامة، يعد الخطوة الأولى نحو صناعة أجيال قادرة على تمثيل المنتخبات والأندية بأفضل صورة وتحقيق النجاح على المدى البعيد.
الإصلاح يبدأ من القواعد
في هذا السياق، أكد المدرب الوطني طارق جبان، لعنب بلدي، أن تطوير كرة القدم السورية لا يمكن أن يتحقق دون بناء منظومة علمية متكاملة لإعداد اللاعبين في الفئات العمرية، مشددًا على أن مرحلة التأسيس تمثل الركيزة الأساسية لنجاح المنتخبات الوطنية في المستقبل.
وأوضح جبان أن جميع الدول المتقدمة كرويًا تعتمد على مدارس متخصصة في اكتشاف المواهب، وتكوين اللاعبين وفق مناهج علمية ثابتة يشرف عليها مدربون وخبراء متخصصون، الأمر الذي ينعكس على قدرة تلك الدول في إنتاج لاعبين مؤهلين لتمثيل المنتخبات الأولى بأعلى المستويات.
العمل في الفئات العمرية يعد أكثر صعوبة وأهمية من العمل مع فئات الشباب أو الرجال، لأن هذه المرحلة مسؤولة عن بناء اللاعب فنيًا وبدنيًا وذهنيًا ومهاريًا، ليصل إلى المنتخب الأول بشخصية لاعب متكاملة تحتاج فقط إلى اكتساب المزيد من الخبرة.
وانتقد جبان واقع العمل في الفئات العمرية السورية، معتبرًا أنه يفتقر إلى التخطيط العلمي والاستمرارية، إذ يرتبط غالبًا بالمشاركات والبطولات فقط، في ظل غياب منتخبات ثابتة تعمل بشكل دائم على إعداد اللاعبين في مختلف الفئات السنية.
وفيما يخص الأندية، أشار جبان إلى أنها تركز بصورة كبيرة على نتائج الفريق الأول، مقابل إهمال واضح لقطاع القواعد، مؤكدًا أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يبدأ من الأكاديميات والفئات العمرية، بدلًا من إنفاق مبالغ طائلة على التعاقدات السنوية لتعويض غياب اللاعبين المؤهلين من أبناء النادي.
ودعا جبان إلى تعيين مدير فني متخصص في اتحاد كرة القدم يتولى الإشراف على جميع الفئات العمرية، ووضع منهج موحد بالتنسيق مع الأندية والأكاديميات المحلية، إضافة إلى رسم استراتيجية طويلة الأمد، واختيار المدربين وتقييم أدائهم ومحاسبتهم بما يضمن جودة العمل واستمراريته.
وفيما يتعلق بإصلاح منظومة الكرة السورية، شدد على ضرورة البدء من القواعد، عبر استقطاب مدير فني عالي الكفاءة وتأمين بنية تحتية مناسبة، وإنشاء مدرسة كروية شاملة تعتمد منهجًا موحدًا لتطوير اللاعبين في جميع المراحل العمرية.
إصلاح الكرة السورية يبدأ من القواعد، عبر قيادة فنية متخصصة، ومنهج موحد، واستراتيجية طويلة الأمد تضمن استمرارية التطور.
طارق جبان
مدرب سوري
ضعف آلية الاكتشاف
حول أبرز التحديات التي تعوق إعداد اللاعبين، أوضح جبان أن نقص الملاعب والبنية التحتية يشكل أحد أكبر المعوقات إلى جانب غياب التجهيزات الحديثة الخاصة بتحليل الأداء والإعداد البدني، فضلًا عن ضعف آليات اكتشاف المواهب عند بعض المدربين.
وفي ملف الكوادر الفنية، أكد جبان أن المدرب الوطني هو الأقرب لفهم عقلية اللاعب السوري، لكنه شدد في الوقت ذاته على أهمية الاستعانة بمدربين أجانب متخصصين في الفئات العمرية، بهدف نقل الخبرات وتطوير المدرب المحلي، وصولًا إلى مرحلة يصبح فيها قادرًا على قيادة هذه المنظومة بكفاءة.
كما دعا إلى توفير بيئة متكاملة للاعبين المستقطَبين إلى المنتخبات، تشمل السكن والتنقل والتغذية والرعاية التعليمية، بما يضمن استمرارهم في التحصيل الدراسي ويمنح أسرهم الطمأنينة على مستقبل أبنائهم.
تطوير الفئات العمرية يتطلب عملًا مستمرًا على مدار العام، من خلال معسكرات دائمة، وبرامج إعداد متواصلة، وخوض مباريات احتكاكية أمام منتخبات وأندية قوية، مشيرًا إلى أن تحضير المنتخبات قبل البطولات بفترة قصيرة لا يحقق التطور، وأن جميع الفئات يجب أن تكون جاهزة بصورة دائمة لأي استحقاق رسمي.
اجتماع وفد الاتحاد السوري لكرة القدم مع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو على هامش “كونجرس فيفا” في كندا – 29 نيسان 2026 (الاتحاد السوري لكرة القدم)
أكاديميات تعاني من الفوضى
يبقى تطوير أكاديميات كرة القدم أحد أبرز التحديات أمام النهوض بالكرة السورية، باعتبارها القاعدة الأساسية لاكتشاف المواهب وصقلها، إلا أن غياب التنظيم والدعم الفني والتشريعي لا يزال يحد من قدرتها على رفد الأندية والمنتخبات الوطنية باللاعبين القادرين على صناعة الفارق.
وفي هذا السياق، أكد الصحفي الرياضي أنس عمو، لعنب بلدي، أن واقع أكاديميات كرة القدم في سوريا لا يختلف عن واقع الكرة السورية بشكل عام، واصفًا إياه بـ”السيئ جدًا”، مشددًا على أن هذا القطاع يحتاج إلى تنظيم ودعم وتشريعات واضحة تمكنه من أداء دوره الحقيقي في اكتشاف وصناعة المواهب.
وأوضح عمو أن السنوات الأخيرة شهدت ازديادًا غير مسبوق في عدد الأكاديميات الخاصة، إلى جانب ارتفاع كبير في إقبال الأهالي على تسجيل أبنائهم فيها، إلا أن هذا الانتشار لم يرافقه أي دعم أو تنظيم من قبل اتحاد كرة القدم أو الجهات الرياضية المعنية، الأمر الذي حدّ من قدرة الأكاديميات على تطوير اللاعبين وإعدادهم بالشكل المطلوب.
لن تتمكن الأكاديميات من أداء دورها الحقيقي في اكتشاف المواهب وصقلها ما لم تُنظم بقانون واضح يحدد مسؤولياتها ويضمن جودة عملها، وعلى اتحاد الكرة أن يقود هذه الخطوة.
أنس عمو
صحفي رياضي
الأكاديميات الخاصة.. “هدف تجاري”
أشار الصحفي الرياضي أنس عمو إلى أن ضعف مسابقات الفئات العمرية يعد أحد أبرز أسباب تراجع مستوى المواهب، لافتًا إلى أن دوري الشباب خلال الموسمين الماضيين عانى من مشكلات تنظيمية كبيرة، تمثلت في غياب رزنامة ثابتة، وتأجيلات متكررة، وعدم استقرار مواعيد المباريات، إضافة إلى بطولات للفئات العمرية لا تلبي الطموحات.
وأضاف أن ظهور المواهب في الكرة السورية أصبح استثنائيًا، موضحًا أنه رغم وجود 16 ناديًا في الدوري الممتاز، وخوض نحو 240 مباراة خلال الموسم، فإن البطولة لم تفرز أي موهبة بارزة، معتبرًا أن مستوى الدوري والمنتخبات الوطنية هو انعكاس مباشر لواقع الأكاديميات.
وانتقد عمو بعض الأكاديميات الخاصة التي تركز على الجانب المادي أكثر من اهتمامها بالجانب الفني، مؤكدًا ضرورة وضع آلية واضحة تلزم الأكاديميات باكتشاف المواهب وتطويرها، مع تحميل اتحاد الكرة جزءًا من المسؤولية، لعدم إصداره حتى الآن قانونًا ينظم عمل الأكاديميات رغم مرور عدة أشهر على تشكيله.
واعتبر عمو أن الأكاديميات تمثل كنزًا يمكن أن يوفر على الأندية مبالغ كبيرة كانت تُصرف لاستقطاب لاعبين من خارج النادي، مستشهدًا بتجارب أندية الاتحاد والكرامة والحرية التي اعتمدت على قواعدها وأسهمت في رفد المنتخبات الوطنية بالمواهب.
ودعا إلى توفير ملاعب تدريب نموذجية، وزيادة عدد الحصص التدريبية الأسبوعية، وتأهيل مدربي الفئات العمرية عبر دورات ومعسكرات متخصصة، مؤكدًا أن كثيرًا من المدربين العاملين حاليًا في الأكاديميات غير مؤهلين للتعامل مع الأطفال، وأن تدريب الفئات العمرية لا يجب أن يكون محطة لتجربة المدربين المعتزلين.
وطالب عمو اتحاد كرة القدم بإصدار نظام خاص بالأكاديميات يتضمن شروطًا ومعايير واضحة لتصنيفها، مع توحيد بطولات الفئات العمرية وإتاحة المنافسة بين أكاديميات الأندية والأكاديميات الخاصة، إضافة إلى فرض معايير خاصة بالملاعب، وساعات التدريب، والمناهج الفنية، والمؤهلات التدريبية، إلى جانب تنظيم دورات تخصصية واستقدام خبراء دوليين لتطوير الكوادر المحلية.
واقترح تقديم حوافز مادية للأكاديميات التي ترفد المنتخبات الوطنية باللاعبين، وربط الدعم المالي للأندية والأكاديميات بمدى التزامها بالمعايير التي يضعها الاتحاد، مع تطبيق نظام رقابة ومتابعة يضمن تنفيذ السياسة الفنية.
فريق البراعم في نادي الوحدة الرياضي خلال دورة دمشق التنشيطية لكرة القدم – 17 شباط 2026 (نادي الوحدة الرياضي)
تجارب عالمية ناجحة
في معرض حديثه عن التجارب الناجحة، أشار عمو إلى التجربة المغربية التي اعتمدت على مشروع طويل الأمد من خلال أكاديمية “محمد السادس”، وأسهمت في تخريج عدد من نجوم المنتخب المغربي، إلى جانب التجربة السنغالية عبر أكاديمية “جينيراسيون فوت” التي أصبحت رافدًا رئيسًا للمنتخب السنغالي والدوري الفرنسي.
كما استعرض التجربتين اليابانية والإسبانية، مؤكدًا أن نجاحهما جاء نتيجة الاهتمام المبكر بالفئات العمرية، وتأهيل اللاعبين وفق أسس علمية، وربط الأكاديميات بالمدارس، إضافة إلى وضع سياسات تشجع احتراف اللاعبين في الخارج.
تطوير الأكاديميات السورية يجب أن يترافق مع استراتيجية لتسويق اللاعبين خارجيًا، وإنشاء قاعدة بيانات فنية، وإدراج الدوري السوري ضمن منصات الإحصائيات العالمية، إلى جانب بناء شراكات مع الأندية والدوريات الأوروبية، بما يفتح المجال أمام اللاعبين السوريين لخوض تجارب احترافية تسهم في تطوير الكرة السورية مستقبلًا.
أنس عمو
صحفي رياضي
أبرز محطات المنتخب السوري في تصفيات كأس العالم
1986: الفرصة الأقرب تاريخيًا أمام العراق
بلغ المنتخب السوري ملحق التصفيات الآسيوية، قبل أن يخسر أمام العراق 3-1 بمجموع المباراتين، ليضيع حلم التأهل إلى المونديال في واحدة من أقرب المحطات تاريخيًا.
2010: تأهل الإمارات والجدل التقني
شهدت مواجهة سوريا والإمارات في الدور الثالث من التصفيات توقفًا مؤقتًا بسبب انقطاع التيار الكهربائي خلال الشوط الثاني، في مباراة كان المنتخب السوري متقدمًا فيها وانتهت لاحقًا بفوزه 3-1، بينما تأهلت الإمارات بفارق الأهداف.
2018: الجيل الأقرب وصدمة أستراليا
قدّم المنتخب السوري أفضل مشوار له في التصفيات، وبلغ الملحق الآسيوي بعد نتائج قوية أمام منتخبات كبرى، قبل أن يخسر أمام أستراليا 3-2 في مجموع المباراتين مودعًا حلم المونديال.
Related



