اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-22 18:02:00
غزوة قرنفل: مضى عام وأربعة أشهر على سقوط نظام الأسد، لكن البلاد لا تزال تعيش في قلب أزماتها العميقة، التي لم يجد بعضها، على الأقل، طريقه حتى الآن إلى حلول جدية. لكن يبدو أن السلطة الجديدة اختارت مساراً مختلفاً في التعامل مع الواقع، يقوم على خلق مشهد احتفالي وإطلاق مشاريع رمزية مرتبطة بما يسمى «الهوية البصرية» للدولة! من شعارات وألوان وأناشيد وطنية وفعاليات كرنفالية، في محاولة لتقديم صورة مختلفة عن واقع الواقع المؤلم، الذي قد لا تتحمل سبب ظهوره، لكنها بالتأكيد تتحمل مسؤولية تجاهله أو التعامل معه بخفة تصل إلى حد اللامبالاة. المشكلة بالطبع ليست في فكرة الهوية البصرية نفسها. تسعى جميع الدول إلى بناء رموزها البصرية والثقافية التي تعبر عن نفسها وتاريخها وتطلعاتها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الرموز إلى ستار يراد منه إخفاء واقع مثقل بالأزمات، أو عندما تصبح وسيلة لإلهاء المجتمع عن قضاياه الأساسية بدلا من أن تكون انعكاسا لنجاح الدولة في معالجتها. إن الهوية البصرية الحقيقية لأي بلد لا تُصنع في غرف التصميم أو في احتفالات إطلاق الشعارات، بل تتشكل أولاً في حياة الناس اليومية وفي قدرتهم على العمل وتلبية احتياجاتهم. الاحتياجات الأساسية فقط، في إحساسهم بالأمن الاقتصادي، وفي ثقتهم بأن القانون يحكم الجميع دون استثناء، لكن عندما تكون حياة الناس مثقلة بالبطالة والجوع والفقر والأسعار الباهظة وانعدام الخدمات وغياب العدالة، فإن أي محاولة لتجميل الصورة العامة لن تكون أكثر من محاولة لوضع مستحضرات التجميل على وجه منهك. وكنس الأوساخ ووضعها تحت السجادة لا يعني إطلاقاً أن المنزل أصبح نظيفاً. وليس هذا إلا ترحيل المشاكل وتأجيل مواجهتها، فيما يتراكم التراب أكثر فأكثر في المكان الذي تحاول السلطة إخفائه. وهذا بالضبط ما يحدث عندما يتم استبدال التعامل مع الأزمات الحقيقية بإطلاق فعاليات احتفالية ومشاريع رمزية لا تمس آلام الناس الفعلية. الهوية البصرية الحقيقية لسورية اليوم ليست في شعار جديد أو نشيد وطني جديد، بل في طوابير الباحثين عن عمل، وفي البيوت التي تعاني من الظلام والبرد. الفقر والحرمان والجوع، وفي الأسواق التي ترتفع فيها الأسعار دون حسيب ولا رقيب، وفي آلاف العمال الذين يطردون من وظائفهم دون حماية قانونية حقيقية، وفي عقود تفتقر إلى الشفافية وتثير الكثير من علامات الاستفهام، وفي التعيينات التي تتم دون أي معايير، أو بمعايير بعيدة عن الكفاءة والوسائل القانونية المقررة لذلك بما يضمن نزاهة الاختيار دون محاباة أو تحيز تنفيذاً لمبدأ تكافؤ الفرص وهو مبدأ دستوري ينتهك يومياً، مثل العديد من المبادئ الدستورية والنصوص القانونية الأخرى التي تم القيام بها. يتم انتهاكه وتجاهل التزاماته. هذه هي الصورة الحقيقية التي يراها السوريون كل يوم، وهذه هي “الهوية البصرية” التي تبهر أعينهم وتنعكس في حياتهم قبل أن تنعكس في أي شعار أو تصميم. الشعارات والرموز لا تبني صورة محترمة للدولة، بل توفير الحماية والعدالة والخدمات والكفاية المالية هو الذي يفعل ذلك. الدولة القوية الناجحة لا تنفق جهدها ولا تقيس نجاحاتها على جماليات شعاراتها أو احتفالاتها، بل تكرس وقتها وجهدها لتحسين حياة مواطنيها، ومدى التزام سلطاتها واحترامها. إلى القانون، وإلى مستوى العدالة في توزيع الفرص والموارد. قد تنجح الاحتفالات والكرنفالات إلى حين في خلق حالة من الضجيج الإعلامي، كما أنها قد توصل بعض رسائلها إلى المجتمع، لكن المجتمعات لا تنخدع طويلا بمظاهر لا يمكن أن تخفي إلى الأبد حقيقة الأزمات التي يعيشها الناس. فالجياع لا يهمهم الألوان الجديدة للشعار الوطني، والعاطلون عن العمل لا يهمهم شكل الهوية البصرية للدولة بقدر اهتمامهم بإيجاد فرصة عمل لائقة تدفع عذابات الجوع والعوز. ولذلك فإن الطريق الحقيقي لبناء هوية بصرية جديدة لسورية لا يبدأ من منصات الاحتفالات، بل من الملفين الاقتصادي والعمالي. وتساعد الأجور والعدالة الاجتماعية على الاستفادة من الثروات الوطنية، ومعالجة البطالة، والحد من الفقر، والسيطرة على الأسعار، وإرساء قواعد شفافة للتعيينات والعقود، وحماية حقوق العمال من الفصل التعسفي، واستعادة احترام سيادة القانون. عندها فقط يمكن أن تتشكل هوية بصرية حقيقية للدولة، هوية لا تقوم على الزينة والتبرج الخارجي، بل على واقع مختلف يعيشه الناس في حياتهم اليومية. أما الهروب إلى الأمام عبر الانشغال بالمظاهر والقرارات الهامشية، كتلك التي تمنع الموظفات من وضع المكياج، أو منع بيع المشروبات الكحولية، أو تعقب الناس لمعرفة صيامهم أم لا، أو غيرها من التفاصيل التافهة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين السلطة والمجتمع، لأن الناس في النهاية لا تهمهم الشعارات، ولم تعد تخيفهم الشعارات. عروض القوة. بل يريدون حياة كريمة وكريمة دفعوا ثمنها مقدما. هذه، قبل أي شيء آخر، هي الهوية البصرية الحقيقية التي يجب أن تعمل عليها السلطة. ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى


