اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-09 14:01:00
محمد الهلال في اللحظات الحاسمة من تاريخ أي بلد، لا يمكن الحكم على التغيير خلال أيام أو أشهر، ولا بالراتب في نهاية الشهر، ولا لأن الإنسان لم يحصل على الوظيفة التي كان يحلم بها لنفسه أو لابنه. الدول لا تبنى بهذه الطريقة. سورية اليوم تمر بلحظة نادرة جداً. بلد خرج من حرب طويلة، من الدمار والخسائر والتشرذم، ويحاول البدء من جديد. حكومة جديدة ومؤسسات تحاول الوقوف على أقدامها، وشعب تعب ومرهق منذ سنوات. هذه فرصة بناء حقيقية، وقد لا تتكرر قريبًا. لكن المشكلة هي أن بعض الناس يريدون التغيير على الفور، وبالطريقة التي تناسبهم فقط. وإذا لم يحصل على وظيفة على الفور، يقول: “لم يتغير شيء”. وإذا لم يعين ابنه في المنصب الذي يريده، يقول: “كل هذا كذب”. وإذا تأخر تحسن الراتب أو الخدمات لعدة أشهر، يقول “الوضع أسوأ من ذي قبل”. وهذا كمن بنى بيتاً خراباً، وما أن وضع الأساس حتى بدأ يتذمر: أين الأثاث؟ لماذا لا يوجد كهرباء؟ لماذا ليس المنزل جاهزا؟ مع أن أي إنسان عاقل يعلم أن البناء يحتاج إلى وقت وصبر وتقدم. الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط قلة المال، ولا ضعف الرواتب، بل اليأس السريع، والأنانية اليومية، والنظر إلى الوطن من زاوية ضيقة جداً: وظيفتي فقط، مصلحتي فقط، راتبي فقط. الوطن أعظم من الوظيفة، وأكبر من الراتب، وأكبر من حلم شخصي تأخر تحقيقه. التغيير الحقيقي لا يقاس بما حدث اليوم أو هذا الشهر، بل بما يزرع الآن ليؤتي ثماره بعد سنوات. وإذا ضيعنا هذه الفرصة بسبب شكوى عاجلة، فلن نكون ضحايا الظروف فحسب، بل سنكون متواطئين في إضاعة لحظة تاريخية كان من الممكن أن تنقذ البلد. في دمشق، سواء في المزة أو جرمانا أو الميدان، كما في حلب من السكري إلى الحمدانية، وفي حمص ودير الزور ودرعا واللاذقية، تسمع العبارات نفسها تتكرر وكأنها نشرة ثابتة لا تتغير، في المقاهي الشعبية، على الأرصفة، في طوابير الخبز، وحتى داخل سيارات الخدمة التي تتعطل في نصف الطريق ثم يستمر ركابها في الشكوى وهم واقفون: «لم يحدث شيء». تغيرت، “الرواتب ليست كافية”، “الحكومة لم تفعل ما يكفي”. وكأن التغيير يقاس بعدد الأصفار في كشوف المرتبات، أو كما لو أن الدولة الخارجة من حرب طويلة من المفترض أن تتحول في غضون أشهر قليلة إلى دولة إسكندنافية: كهرباء على مدار الساعة، ومياه غير منقطعة، وشوارع نظيفة، ورواتب تكفي للسفر والادخار معًا. هذه الشكاوى مفهومة، بل وعادية، ومن قال إنه يجب إجبار الناس على التزام الصمت أو الابتسام؟ لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشكوى من التعب اليومي المشروع إلى حكم إعدام نهائي للتجربة برمتها، وكأننا أمام مشروع فاشل لا بداية له ولا أفق. فهل من المعقول أن نطالب الدولة التي دمرت بنيتها التحتية في الرقة، وتفككت مؤسساتها في حلب، ونهبت ثرواتها في الشرق والجنوب، أن يتعافى خلال أشهر؟ فهل من المعقول أن نطالب بالثمار الناضجة، حتى قبل أن نرى جذع الشجرة قائما من جديد، بعد اقتلاعها؟ والدولة التي نحاولها اليوم لا تزال في مرحلة إزالة الركام وحصر الخسائر وجمع القطع المتناثرة. وأخطر ما يمكن أن نفعله في هذه اللحظة هو أن نحكم على البداية بعقلية من يريد النهاية فوراً، ثم يعلن فشله قبل أن يخطو خطوته الأولى. والأخطر من الشكوى هو الخطاب الذي يربط دعم الدولة بالمصلحة الشخصية المباشرة. أن يقول أحدهم: إذا وظفوا ابني في مؤسسة المياه سأدعم الحكومة، فهذا ليس مطلباً مشروعاً، بل هو مقايضة للوطن. هنا يتحول الوطن إلى صفقة، والدولة إلى مكتب تشغيل، والوفاء إلى شرط يباع ويشترى. وبهذا المنطق لا توجد دول، بل يتم إنتاج الفساد تحت أسماء جديدة. الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع لم تعد الشعب بمعجزات، ولم تزعم أن الطريق سهل أو قصير. لكن الأمر بدأ بما كان أصعب من رفع الرواتب: إعادة تأهيل فكرة الدولة، والسيطرة على الإيقاع المؤسسي، وكسر منطق الفوضى، وإرساء أسس سياسية وإدارية تمنع تكرار ما انهار سابقاً. وهي ليست إنجازات تقاس بمصروف الجيب، بل بالمعنى، باستعادة الكرامة، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم ليس الفقر أو ارتفاع الأسعار أو انخفاض الرواتب، بل إهدار هذه الفرصة بالتشكيك المتسرع والإنكار المتسرع واللغة العصبية التي تطلق الأحكام قبل رؤية الطريق. التاريخ، على عكس مواقع التواصل الاجتماعي، لا يمنح الناس فرصا غير مبررة، ولا يضغط على زر “إعادة المحاولة” متى أردنا. لقد فقدت العديد من الدول لحظتها الحاسمة بسبب الانقسام والأنانية، ثم جلست بعد سنوات تتساءل: أين أخطأنا؟ بعد أن طال انتظار السؤال. اليوم علينا أن نهدأ قليلاً، ونتخلى عن منطق: ما الذي سأحصل عليه الآن؟ وكأن البلد عبارة عن ماكينة صراف آلي. علينا أن نفكر جيداً فيما نقوله، خاصة أمام أطفالنا. الأب الذي يخفض البلد إلى راتب آخر الشهر، والأم التي تنكر أي إنجاز لأنها لم تستفد شخصيا، يزرعان في وعي أبنائهما ثقافة اليأس. ثم نتساءل فيما بعد لماذا ينشأ أطفالنا وهم ساخرين من كل شيء، وغير راضين عن كل فكرة عامة. أطفالنا لا يسمعوننا لوحدهم، بل ينقلون كلماتنا إلى مدارسهم، إلى أصدقائهم، إلى أحاديثهم اليومية. وهكذا تتحول جملة عابرة تقال في بيت صغير، في حماة أو طرطوس أو البوكمال، إلى مناخ عام من السخرية، وإفراغ أي محاولة بناءة من معناها، وقتل الأمل قبل أن ينمو. ولا يحتاج أطفال هذه المدن إلى مزيد من السخرية، ولا إلى خطاب يخبرهم أن كل شيء قد فشل بالفعل. إنهم بحاجة إلى رواية صادقة ومتوازنة: نعم الطريق صعب، والواقع قاس، ولكن تم استعادة شيء أساسي: الكرامة، ومعنى الوطن، وبداية التأسيس بعد خسارة طويلة، وليس بعد الرخاء المستقر. من يريد أن يجمع المال وحده، فليتذكر أن هناك من فقد منزله في حلب، أو ولده في دير الزور، أو سنوات عمره بين النزوح والعودة والانتظار، وما زالوا صابرين. وهناك من يعيش اليوم على مستوى الكفاف في أحياء بلا خدمات. لقد عادوا إلى بيت مدمر، يعملون بأجور زهيدة، ويقفون في طوابير طويلة، لكنهم لم يساوموا على وطنهم، ولم يربطوا كرامتهم براتب، ولم يشتروا منصبهم بمنفعة. إن إنكار ما تحقق ليس «واقعية»، بل إنكار خطير، وقد يكلفنا الكثير: قد يكلفنا ثقة الجيل الجديد، وقد يكلفنا تماسك المجتمع، وقد يكلفنا ضياع المسار بأكمله ونحن نشاهده بسخرية. المطلوب ليس التصفيق الأعمى، ولا الصمت عن الأخطاء، بل الدعم الواعي، والنقد المسؤول، والصبر التاريخي. إن الدول لا تبنى بالصراخ وحده، ولا بالغضب اليومي، بل بالوعي والشراكة والإيمان بأن بعض الفرص إذا ضاعت لن تعود أبداً. وفي النهاية، نحن أمام خيار بسيط في ظاهره، وخطير في عواقبه: إما أن نكون شركاء في إنقاذ هذه اللحظة، أو نكون شهوداً صامتين على خسارتها، وحينها نلوم الجميع إلا أنفسنا. متعلق ب



