اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-18 15:24:00
ما حدث بالأمس لم يكن «اعتصاماً» عابراً في سجل الأحداث اليومية المزدحم. لقد كانت لحظة كاشفة سلطت الضوء على التصدعات العميقة في جدار المرحلة الجديدة: شرخ إعلامي، شرخ في مفهوم الدولة، شرخ في الأخلاق السياسية. ومن منبر «زمان الوصل» الذي اختار أن يبقى نوراً يكشف الطريق بعيوبه وجمالاته، نقدم هذه القراءة النقدية الكاملة للمشهد. أولاً: في انتقاد التغطية الإعلامية.. لماذا «زمان الوصل» الاستثناء المؤلم؟ لدينا قدر كبير من اللوم على الطريقة التي يتم بها نقل الأحداث. الغالبية العظمى من المنصات والحسابات تنقسم إلى معسكرين: إما اليمين يبرر كل شيء، أو اليسار يهاجم كل شيء. وفي خضم هذا الاستقطاب الحاد، تبرز حقيقة مرة: ربما تكون «زمان الوصل» هي المنبر الوحيد الذي يحاول ممارسة الصحافة كما ينبغي. فالصحافة ليست «طبلاً» لأحد، وليست «منصة للهجوم والشفاء». فالصحافة ليست مرآة تعكس ما يريده أصحاب السلطة أو المال. الصحافة نور.. ضوء سيارة في ليلة مظلمة، يكشف الطريق بكل ما فيه: حفره ومطباته، إيجابياته وسلبياته، جماليات المشهد وقبح عيوبه. فالصحافة هي العين المحايدة التي تسلط الضوء على المشكلة حتى يتمكن الناس من رؤيتها وتقييمها دون تحيز. نعاني اليوم من وباء الحسابات الفيسبوكية التي تدعي أنها “ناشط إعلامي” أو “صحفي”، لكن وظيفة الإعلامي ليست أن يمتدح أحدا أو يهاجم أحدا بناء على الفتات الذي يتلقاه. وظيفته نقل الحقيقة وتقييمها بكل مصداقية. وكما كان لدينا في زمن “بلطجية النظام السابق” الذين اتهموا كل معارض لسياسات الحكومة بالعمل لصالح دول النفط والدولار، وبرروا اعتقاله وتعنيفه، نرى اليوم مجموعة جديدة تؤسس نفسها عبر وسائل التواصل الاجتماعي كـ”حارس الحكومة” و”راعي الثورة”. وهذه ليست أقل خطورة؛ لأنهم بفعلتهم هذه لا يخدمون الحقيقة، بل ينتجون نسخة مشوهة من الواقع، ويهينون الحكومة قبل دعمها. ثانياً: وزارة الداخلية وتنفيذ القانون.. بين ازدواجية المعايير وانتهاك خصوصية الساحة. النقطة الثانية تتعلق بوزارة الداخلية وقوات حفظ النظام. وهنا لا ننكر الجهد اللوجستي؛ التنظيم والأرقام كانت رائعة. ومع ذلك، يتم انتقاد الأداء لهذا التناقض الصارخ في المعايير. وفي كل الأيام الماضية خرجت مظاهرات مؤيدة للحكومة، وكانت الساحة خالية وآمنة، ولم يكن هناك أي حزب معارض يقحم نفسه فيها لإزعاج سلمها أو منع صوت المناصرين من الوصول. لماذا؟ لأن الجميع يعرف قواعد اللعبة غير المكتوبة. اليوم، هناك مجموعة من الأشخاص الذين أرادوا إسماع صوتهم. ولا يهم إذا كانوا كثيرين أو قليلين، وسواء كانت أصواتهم عالية أم منخفضة. وفي النهاية، فهم جزء من الأشخاص الذين أرادوا إسماع صوتهم بسلام. لكن طريقة التعامل مع الأمر كانت خاطئة ولا تعكس حياد السلطات. وقد لاحظنا بشكل مباشر دخول عدد من المتظاهرين المؤيدين للدولة وسط تظاهرات الطرف الآخر. هذه ليست تعددية، هذا اختراق منهجي للساحة. – التصوير بدون إذن: قاموا بتصوير وجوه المتظاهرين عن قرب. وهذا لا يجوز لمن ليس لديه هوية إعلامية رسمية. وهذا انتهاك واضح لخصوصية الحركة والتنظيم، وهو أسلوب لا يختلف عن أسلوب “أمن الدولة” في تصوير المتظاهرين لترهيبهم. – طريقة التحقيق: لم يتوقف الأمر عند التصوير، بل تجاوز التحقيق الميداني على طريقة «فرع الأمن». أسئلة مثل: “من أنت؟ أين كنت؟ لماذا أنت هنا؟” ويشير هذا الأسلوب إلى أن عقلية الماضي لا تزال تسكن بعض الممارسات الميدانية. السلطات، الداخلية والأمن والجيش.. هذه مؤسسات يفترض أن مبدأها الحفاظ على الأمن العام وحياد الدولة. وهي ليست راعية لحكام أو أحزاب، بل هي صمام أمان لممارسة الحرية السياسية التي دفع السوريون ثمناً باهظاً من أجلها. ثالثاً: جريمة “الفبركة” و”الخيانة” هي إهانة للحكومة قبل أن تكون إهانة للمتظاهرين. وبعد انتهاء التظاهرة انطلقت آلة إعلامية ممنهجة على وسائل التواصل الاجتماعي: 1. عمليات الفبركة: تركيب الصور عن طريق الذكاء الاصطناعي لبعض المتظاهرين بهدف تشويهها. اتهامات الفلولية: تسمية أي شخص حاضر في الاعتصام بالفالولية. التحريض الممنهج: حملات تقوم على التحريض ضد كل صوت مخالف. ونحن نوجه كلامنا هنا بصراحة إلى من يمارسون هذا العبث: في كل الدول المتحضرة هناك موالون ومعارضون، وهذا وضع طبيعي وصحي جداً. ومن يظن أن الحكومة مدعومة بكتم الأفواه وإرهاب الناس إلكترونيا فهو واهم. عندما تتهم متظاهراً سلمياً بالخيانة وتحرض ضده، فإنك تنتهك حرمات الثورة وتهين الحكومة قبل أن تدعمها. إن الحكومة التي تحتاج إلى مثل هذه الأساليب هي حكومة هشة لا تستحق تضحيات مليون شهيد. رابعا: صوت الشعب الذي دفع الثمن.. لماذا رحل هؤلاء؟ نحن أيها الإخوة الشعب العظيم شعب قدم مليون شهيد ودمرت بلاده بتكلفة لا تقل عن 600 مليار دولار. لقد قمت بهذه التضحيات الكبيرة لكي يكون لك الحق في التعبير عن رأيك. بحيث تكون الحرية مقدسة، والمظاهرات مقدسة، والتعبير عن الرأي مقدس. ولا ينبغي لأحد مهما كان عمره، أو مدى فهمه، أو قوة حكمته، أن يقرر بمفرده اتخاذ القرار دون الشعب. ولا يجوز لنا أن نعطي الناس “الصم”. منذ أشهر والناس يصرخون من الجوع. منذ أشهر والصناعيون يعانون من الكساد والإغلاق. منذ أشهر، ظل الاقتصاديون يدعون إلى فشل السياسات وتخبطها. ومنذ أشهر والصفحات مليئة بالغضب الشعبي من عودة فلول إلى مناصب حساسة، آخرها ما حدث في شركة النفط السورية ووزارات ومؤسسات أخرى. نريد قوانين. نريد أنظمة. نريد الحرية. نريد كل ما وعد به الدم. خامساً: الحل الحاسم لفوضى الشارع.. من الاشتباك إلى صناديق الاقتراع. وبعد كل هذا التشريح للمشهد يبقى السؤال الأهم: ما الحل؟ المشهد اليوم يكشف بوضوح مدى احتدام الشارع السوري، وانقسامه بين فريقين: القسم الأول، وهم من أنصار الثورة والحكومة، وعددهم بالملايين. هؤلاء لا يدافعون عن الناس، بل عن حلم انتزع بصعوبة: سوريا الجديدة التي خرجت من تحت ركام نظام مجرم. ويعملون على حمايته بكل ما يملكون، رغم وجود بعض الأصوات المتطرفة التي ترفض الاعتراف بالأخطاء أو تأجيل أي نقاش حول الإصلاح. أما الفئة الثانية، فهم الذين يعتقدون أن الوقت قد حان لتصحيح المسار، فيلجأون إلى الاحتجاج والاعتصامات للمطالبة بالإصلاح. وهذه المطالب في جوهرها صحيحة ومشروعة. لكن المشكلة ليست في المطالب… بل في السياق. وعندما تصدر دعوات تعبئة الشارع من جهات مجهولة، فإنها تفقد ثقة الناس وتثير الخوف، حتى بين المؤمنين بعدالة هذه المطالب. الخطر الحقيقي اليوم ليس في الخلاف.. بل في تحوله إلى مواجهة في الشارع. الحل حضاري وواضح: تشكيل أحزاب سياسية حقيقية بعد صدور قانون الأحزاب. الأحزاب هي السبيل الوحيد لنقل الصراع من الشارع إلى المؤسسات، ومن الهتاف إلى البرامج، ومن الفوضى إلى صناديق الاقتراع. ومن خلال الأحزاب يمكن محاسبة أي حركة ومعارضتها والوصول إلى البرلمان وتغيير سياساتها شرعيا وقانونيا. خط أحمر وضرورة وطنية ملحة. ورغم كل ما حدث اليوم، يبقى خطنا الأحمر واضحا: لا ينبغي أن تسفك قطرة دم واحدة من أي طرف. نحن بحاجة إلى قانون للأحزاب السياسية، كضرورة وطنية ملحة.. لإنهاء حالة التوتر، ومنع الانزلاق إلى المواجهة، والانتقال إلى مرحلة المحاسبة الحقيقية من خلال مجلس الشعب، حيث يتم تصحيح الأخطاء وتعديل القرارات. إما أن نبني حياة سياسية ناضجة.. أو نترك الشارع يقرر مصيرنا. هذا المقال ليس دفاعاً عن فئة ضد أخرى، بل دفاع عن فكرة أن خلاص سوريا لن يأتي إلا بصوت إعلامي محترف، وأمن محايد، وثقافة تقبل الآخر السياسي، ومسار سياسي واضح عبر الأحزاب والانتخابات. نحن أمام مفترق طرق: إما أن نبني دولة المؤسسات والقانون، أو نستبدل «شبيحة الأمس» بشبيحة اليوم الإلكترونية والأمنية. الطريق مظلم، والمصباح الذي بين أيدينا يجب ألا نوجهه فقط إلى حيث نريح النظر، بل يجب أن ننير به كل الزوايا، حتى تلك التي تؤلمنا رؤيتها. من يريد أن يحكم عليه أن يحكم من خلال الصندوق، وليس من خلال الشارع.


