اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2025-10-20 12:44:00
رغم مرور العصور وتعاقب البلدان، لا يزال مسجد الزيتونة بالعاصمة تونس محتفظا بروحه الحية، شاهدا على عمق التجربة الصوفية في المغرب العربي. ولا يعتبر “مسجد الزيتونة” معلما تاريخيا فحسب، بل هو فضاء روحاني نابض بالحياة، تتجدد فيه الممارسات الدينية يوميا، ويجد فيه الزائر السكينة الداخلية عند سماع صوت الذكرى المتواصل. ويعتبر المسجد من أقدم المعالم الدينية والعلمية في المغرب العربي وشمال أفريقيا، ويعود تأسيسه إلى عصر الخلافة الأموية في القرن التاسع عشر. الأولى كانت الجامعة الهجرية، وتفرعت منها فيما بعد جامعة الزيتونة، وهي من أقدم ثلاث جامعات في التاريخ إلى جانب جامعتي الأزهر والقرويين. تعتبر الزيتونة من أقدم المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي، وقد تحولت منذ القرون الأولى إلى مركز لتدريس علوم الشريعة واللغة والفقه، وتخرج منها على مر العصور علماء ومصلحون كبار مثل ابن خلدون ومحمد الطاهر بن عاشور. عند دخول المسجد، يستقبل الزائر صحنًا واسعًا يتوسطه صفاء، بينما ترتفع مئذنة مربعة الشكل على الجانب الأيمن، بينما تطير أسراب الحمام بحثًا عن الحبوب التي ينثرها رواد المسجد. أما من الداخل فتكشف الأقواس الإسلامية عن بساطة الروحانية وجمال التفاصيل. وتضفي الأعمدة الرخامية ذات التيجان الرومانية والنقوش القديمة الرهبة والطمأنينة على المكان، في مزيج بصري يشعر الزائر بأنه في مكان خارج الزمن. مع “الوظيفة اليومية” وهي عبارة عن شكل من الأدعية المتكررة بصوت جماعي متناغم تبدأ بسورة الفاتحة وتنتهي بذكر اسم الله، مرورا بصيغ الاستغفار والصلاة على النبي. ويقول خالد قمر، مقدم الطريقة التيجانية في تونس، للأناضول، إن هذه الوظيفة أدخلت إلى جامع الزيتونة عام 1920 هجرية على يد الشيخ أبو إسحاق إبراهيم الرياحي، تلميذ مؤسس الطريقة أحمد التيجاني. وتوضح قمر أن الحلقات تقام دون انقطاع منذ ذلك الحين، وهي جزء من التراث الروحي الذي حافظ عليه المصلون جيلاً بعد جيل. ومن أبرز ما يتلى خلال المجلس: “أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم” و”اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح حين يكون مغلقا” بإيقاع ثابت، ارتفاع وهبوط متناغم يبعث طمأنينة خاصة في أرجاء المسجد، فيما يختلف إيقاع الأذكار يوم الجمعة تقديرا لمكانته الدينية. مدرسة فقهية تاريخية، لكنها تتعدى ذلك لتبقى مساحة للذكرى والطمأنينة. وداخل أسوارها العتيقة تتجدد التجربة الروحية يوميا، وتبقى دوائر الذكرى بعد العصر شاهدة على استمرار التراث الصوفي في تونس. كما تتقاطع الروح الروحية مع العمق التاريخي في مشهد يلخص ملامح الهوية الدينية للمغرب العربي.

