اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-14 11:33:00
بعد سنوات من التهجير القسري التي أعقبت مجزرة عام 2012 والعمليات العسكرية العنيفة التي تلتها، بدأت مئات العائلات بالعودة تدريجياً إلى حي تشرين بدمشق، في محاولة لاستعادة ما تبقى من حياتها وذكرياتها. لكن العائدين لم يجدوا مجرد حي مدمر، بل واقعا أقسى. منازل مدمرة وخدمات شبه معدومة وملفات عقارية معقدة تهدد آلاف السكان بفقدان منازلهم للأبد. وبحسب تقديرات لجنة حي تشرين، يعيش في الحي اليوم ما بين 15 إلى 17 ألف نسمة، يتوزعون على نحو 100 عقار، معظمها أراضي زراعية تحولت خلال السنوات الماضية إلى كتل سكنية. لكن أكثر من نصف السكان، أي أكثر من 7000 شخص، يواجهون خطر فقدان ممتلكاتهم نتيجة ما يصفه السكان بـ”المصادرة العقارية الممنهجة”، في وقت تعيش فيه عائلات أخرى في غرف غير مكتملة، أو مباني متصدعة، أو حتى خيام مؤقتة بين الركام. عقارات مفقودة وبيع متكرر وقال مصدر في لجنة الحي لـ”سوريا 24” إن نسبة الهدم في شهر تشرين الأول تراوحت بين 70 و85 بالمئة، موضحاً أن نحو 6 آلاف منزل تعرض للهدم كلياً أو جزئياً، فيما خسر ما يقارب نصف هذه المنازل ممتلكاته من خلال عمليات البيع والمستندات المتكررة التي تم تنظيمها في ظل غياب أصحاب العقارات الأصليين. وبحسب المصدر، فإن معظم عمليات الشراء التي تمت بين عامي 2005 و2011 اعتمدت على «وكالات عدل غير قابلة للإزالة» دون تسجيل نهائي في السجل العقاري، وهو ما فتح فيما بعد الباب أمام ورثة الملاك الأصليين أو السماسرة المرتبطين بهم لإعادة بيع العقارات ذاتها خلال فترة نزوح السكان بين عامي 2018 و2022، لتنتقل الملكية إلى تجار وسماسرة وشخصيات متنفذة، قبل أن تهدم مباني بأكملها وتدمر. تم بيع الحديد الخاص بهم كخردة لمصانع الصهر. يقول آدم الشامي، أحد سكان حي تشرين، إن الحي شهد أربع مجازر خلال الأعوام الأولى للثورة السورية، ترافقت مع حرق واسع لمنازل المدنيين، خاصة في مناطق شارع التهريب وسوق الخياطين، ما تسبب بدمار كبير وتهجير جماعي للأهالي. وأضاف أن العديد من العائلات عادت اليوم لتجد منازلها مدمرة أو تضررت بشدة، فيما لا تزال آثار الحرائق والدمار موجودة في أجزاء واسعة من الحي. ويشير الشامي إلى أن حي تشرين كان يضم اثنين من أبرز الأسواق الشعبية على أطراف دمشق، أولهما سوق الأجهزة الكهربائية الذي كان مقصداً لأغلب أهالي دمشق وريفها بسبب أسعاره وتنوع بضائعه في ظل تراجع جودة الصناعة المحلية وارتفاع أسعارها، إضافة إلى سوق الخياطين الذي كان مركزاً مهماً للحرف اليدوية، وكان غالبية العاملين فيه من الأكراد السوريين، قبل أن تكون تلك الأسواق تعرضت للتدمير والتوقف التام خلال سنوات الحرب. ارتفاع الإيجارات وسط غياب الخدمات. وقال سلطان رحمة، ناشط إعلامي من سكان الحي، لـ”سوريا 24″: “على الرغم من الدمار الكبير وانهيار البنية التحتية، إلا أن الإيجارات في الحي تشهد ارتفاعاً كبيراً مقارنة بواقع المنطقة”. وبحسب لجنة الحي فإن إيجار الشقة الصغيرة شبه المجددة يتراوح بين 200 و350 دولاراً شهرياً، مع اشتراط دفع إيجار سنة كاملة مقدماً بالدولار الأميركي. ويضيف السكان أن العديد من الملاك يفرضون هذه الشروط من أجل تمويل ترميم منازلهم، دون تقديم أي ضمانات للمستأجرين فيما يتعلق بتجديد العقود أو استقرار السكن. ويرى معظم السكان أن القضية تجاوزت الخلافات العقارية المعتادة، لتتحول إلى أزمة تهدد وجودهم وحقهم في العودة والاستقرار. هذا الواقع دفع بعض العائلات إلى اللجوء إلى خيارات قاسية، منها العيش في مستودعات أو محلات تجارية مهجورة، أو الاكتفاء بترميم أجزاء بسيطة من المباني المهددة بالانهيار، فيما تحولت في بعض الحالات خزانات بلاستيكية كبيرة إلى غرف سكنية مؤقتة. خدمات منهارة ومعاناة يومية. ولا تزال الخدمات الأساسية في حي تشرين شبه غائبة، ما يجعل الحياة اليومية للسكان معركة مستمرة، بحسب وصف السكان. وكثيراً ما تتسبب شبكات الصرف الصحي المتهالكة في اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، حيث سجلت حالات تسمم خلال العامين الماضيين، فيما شهدت بعض الأحياء في نيسان/أبريل 2026، فيضاناً للمياه السوداء داخل المنازل. أما الكهرباء فلا تزال تعاني من انقطاع طويل رغم الوعود المتكررة بتركيب محولات جديدة ورفع قدرة بعضها، فيما يعتمد الكثير من السكان على حلول مؤقتة وشبكات بدائية. وأدى حرق حي القابون، في آذار/مارس 2026، إلى انقطاع خدمات الهاتف والإنترنت في الحي لأسابيع، تزامنا مع تراكم القمامة والركام في الشوارع نتيجة سوء خدمات النظافة. لجنة أهلية تحاول ملء الفراغ في ظل غياب الدعم الحكومي الكافي، ظهرت لجنة حي تشرين كهيئة مدنية تطوعية تتابع شؤون السكان وتحاول التنسيق مع الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية. وتقول اللجنة إنها تمكنت خلال الأشهر الماضية من توثيق أوضاع آلاف السكان والممتلكات المتضررة، بالإضافة إلى الضغط لتحسين وضع الكهرباء، وتأمين بعض صناديق التوزيع، والتنسيق مع فرق الدفاع المدني والهلال الأحمر لتنفيذ أعمال رفع الأنقاض وجلسات الدعم النفسي. كما تتابع اللجنة ملفات الملكية المزدوجة والبيع أمام الجهات المعنية، إلا أن أعضائها يؤكدون أن ضعف الإمكانيات وتعقيد الإجراءات الرسمية يعيق التوصل إلى حلول حقيقية. مخاوف من إعادة الإعمار: تزايدت مخاوف الأهالي بعد اللقاءات التي عقدتها محافظة دمشق مع لجان الأحياء المجاورة لبحث مشاريع إعادة الإعمار، والتي تضمنت مقترحات تقوم على الاستثمار عبر الشركات الخاصة مقابل حصول تلك الشركات على نسب من المساحات المبنية. ويخشى أهالي تشرين من أن تؤدي هذه المشاريع إلى خسارة جزء كبير من ممتلكاتهم، خاصة أن غالبية عقارات الحي مبنية على “سندات ملكية زراعية” أو وكالات لم يتم تأسيسها بشكل رسمي، ما قد يضعهم في موقف أضعف مقارنة بأصحاب العقارات العادية. ويقول محمد سيف، أحد أهالي الحي الذين تحدثنا إليهم، إنهم يخشون أن تتحول إعادة الإعمار إلى مسار جديد يؤدي إلى إقصائهم عن الحي بعد سنوات من التهجير والدمار. حي يحاول استعادة حياته. يُعرف حي تشرين منذ سنوات طويلة بتنوعه الاجتماعي، حيث استوطنه سكان قدموا من مناطق سورية مختلفة، منها القلمون وإدلب وحماة وحلب ودمشق. لكن الحرب غيرت ملامحه كلياً، بعد أن تعرض لعمليات عسكرية واسعة أعقبها نزوح جماعي ودمار كبير. اليوم، يحاول العائدون إلى الحي مواجهة ثلاث معارك متوازية: استعادة منازلهم، واستعادة حقوقهم العقارية، والحفاظ على وجودهم في منطقة يخشون أن تتغير هويتها مع المشاريع التخطيطية والاستثمارية المقبلة.



