اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-15 17:50:00
غزوان قرنفل: لم يكن المجتمع السوري في أي من مراحله التاريخية الأخيرة مجتمعاً مولعاً بالتطرف أو منجذباً إلى الأيديولوجيات الإقصائية. بل على العكس من ذلك، فإن سوريا بمدنها وأريافها ومكوناتها الدينية والوطنية المتعددة، اتسمت بأسلوب حياة معتدل، وبإسلام اجتماعي شعبي أقرب إلى التسامح والتدين الفردي منه إلى المشاريع الأيديولوجية المنغلقة. لكن ما يدعو للقلق اليوم ليس صعود التطرف في حد ذاته، بل تطبيع المجتمع وتكيفه معه، وتحوله من ظاهرة صادمة ومرفوضة بمشهد مألوف يمر بلا محاسبة وبلا حساسية أخلاقية أو وطنية! الخطر الحقيقي اليوم يكمن في أن شرائح واسعة من السوريين بدأت تفقد قدرتها على إدراك هذه الانزلاق الخطير بعد أن عذبتهم سنوات الحرب الطويلة وما رافقها من فقر مدقع، وانهيار الخدمات الأساسية، وتآكل الطبقة الوسطى، ما دفع الناس إلى الاعتماد على همومهم اليومية المتعلقة بالخبز والكهرباء والأمان النسبي، وهو ما جعل الكثيرين منهم، في ظل هذا الاستنزاف المعيشي والنفسي، مستعدون لقبول أي واقع ظاهري “مستقر” حتى لو كان هذا الاستقرار مشبعاً. والأفكار المتطرفة التي تحمل في طياتها بذور الدمار المؤجل. وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى اختراق شيوخ السلفية للبنية الإدارية والتعليمية للدولة باعتباره تفصيلاً عابراً أو حادثاً منعزلاً، إذ إن ما يحدث في المؤسسات التعليمية، وفي بعض الفعاليات الثقافية، ليس إلا أحد تجليات مشهد أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل المجال العام السوري على أسس فكرية أحادية وإقصائية ترى في التنوع تهديداً، والاختلاف كفراً، والدولة مجرد غنيمة في يد “الفرقة الباقية”. والمفارقة المؤلمة أن هذه التحولات لم تعد تلقى المفاجأة أو الرفض الشعبي الواسع! لقد أرهق السوريون لدرجة أن الصدمة أكلتهم بالكامل، واختلطت معايير الخطر وتشوش، وبات وجود الخطاب السلفي المتطرف في المدارس أو في المنابر الإعلامية، أو حتى في مناطق صنع القرار الإداري، أمراً «يمكن فهمه والتعايش معه» ما دام يوفر لقمة خبز وقليلاً من الماء ليغمسها! وهكذا فإن التطبيع لا يبدأ عن طريق القناعة، بل بسبب التعب واللامبالاة والقبول بالوضع الراهن. لكن التاريخ الحديث في سوريا والمنطقة يعلمنا أن هذا النوع من التكيف ليس الحياد، بل المشاركة الصامتة في صناعة الكارثة. ولا يتوقف الفكر السلفي المتطرف عند حدود الوعظ أو الظهور الاجتماعي. بل كلما امتلكت الأدوات تسعى إلى السيطرة على السياسة والاقتصاد والمجتمع، وإعادة هندسة الإنسان نفسه، خاصة فئة الشباب الأكثر ضعفا في ظل الفقر والعوز والأفق الضيق. ويشكل هؤلاء الشباب، المحرومون من التعليم الجيد وفرص العمل والأمل، التربة المثالية لإعادة إنتاج التطرف بأشكال أكثر عنفاً وتنظيماً، ولا يمكن فصل هذا المشهد. أبدت وزارة الداخلية تزايد التحذيرات الإقليمية والدولية من احتمال عودة تنظيم داعش إلى الواجهة في سوريا، وربما في العراق أيضاً، إذ إن التقارير التي تتحدث عن هروب أو تسهيل هروب أعداد من معتقلي التنظيم من سجون شرق الفرات ليست مجرد تسريبات إعلامية، بل هي مؤشرات خطيرة على هشاشة الوضع الأمني، واحتمالية احتضان البيئة الحالية لموجة جديدة من العنف الجهادي، ربما بوجوه وشعارات مختلفة، ولكن بالتأكيد بواحدة. جوهر. والأخطر من ذلك كله هو أن احتلال واحتكار شيوخ السلفية للمشهد السياسي والإداري والاقتصادي لم يعد يشكل تهديدا وجوديا للدولة السورية ومستقبلها. لقد تكيف معظم الناس حقًا مع هذا الواقع، ليس لأنهم مقتنعون به، ولكن لأنهم مرهقون أو غير مدركين أو ربما غير مبالين. وربما يكون لهذا التكيف ثمن باهظ مؤجل، سيدفعه السوريون وحدهم. إن العالم لا يتعامل مع النوايا، بل مع الصور والحقائق، ومع ترسيخ صورة سوريا كبيئة حاضنة. أما بالنسبة للتطرف، فقد بدأت النتائج تظهر الواحدة تلو الأخرى، بما في ذلك منع دخول السوريين إلى دول مثل العراق ومصر والولايات المتحدة الأمريكية، وتحول سياسات دول اللجوء الأوروبية تجاه اللاجئين السوريين إلى خيارات أكثر قسوة. وهذه ليست قرارات خارج هذا السياق، بل هي انعكاس مباشر لوصمة العار التي تتشكل، أو يعاد إنتاجها، بعنوان “التهديد الأمني والتطرف عبر الحدود”. وقد يكتشف السوريون قريباً أن جواز سفرهم لم يعد مفتاح أي باب، وأن رفع العقوبات، الذي لم نرى له أثراً ملموساً، لن يجلب استثمارات حقيقية، ولا تحويلات مالية مستدامة، في ظل غياب دولة مدنية واضحة المعالم قادرة على طمأنة العالم قبل طمأنة مواطنيها. إن تطبيع التطرف ليس قضية فكرية مجردة، بل هو مسار انتحاري بطيء. فالمجتمع الذي يتغاضى عن اختطاف دولته بأيديولوجية إقصائية، بحجة التعب أو الضرورة، لا يؤدي إلا إلى تأجيل انفجار أكبر. وما هو قادم إذا استمر هذا المسار سيكون أسوأ وأكثر مرارة، مع المزيد من العزلة، والمزيد من الفقر، والمزيد من العنف، ولكن هذه المرة من دون تعاطف دولي ولا هوامش للمناورة. تحذير اليوم ليس ترفاً فكرياً ولا معارضة سياسية، بل هو محاولة أخيرة للدفاع عما تبقى من فكرة الدولة نفسها، وإمكانية جعل سوريا دولة لكل السوريين، وليست إمارة سلفية، ولا اختباراً للأوهام الدينية القاتلة. الصمت في هذه اللحظة ليس حياداً، بل هو شراكة في الكارثة القادمة. ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى




