اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-02 18:44:00
خالد المطلق في تاريخ السياسة والحضارات، هناك حقيقة ثابتة لا تتغير، وهي أن الدولة كيان ينمو بالمؤسسات ويموت بالناس، وأن السلطة التي تبنى حول الأفراد وليس حول المؤسسة، حول القول وليس الفعل، حول الرموز والمشهد وليس حول الشرعية، قد تستقر إلى حين بسبب القوة أو الدعاية، لكنها تبقى سلطة “مؤقتة” وهشة، وفي النهاية يجد أصحابها أنفسهم عراة تماما أمام محكمة التاريخ الصارمة. والفرق الأساسي بين النظام “الفردي” والنظام “المؤسسي” يكمن في مفهوم الاستمرارية وإمكانية التنبؤ. وفي النظام الفردي (سلطة الظل) تصبح الدولة «عقاراً» شخصياً، وتصمم القوانين بما يناسب الحاكم وقراراته تنبع من مزاجه الشخصي أو من دائرة ضيقة ممن حوله. وهنا لن تكون المؤسسات سوى «زخارف» وظيفية هدفها تجميل القبح أو شرعنة الرغبات الشخصية. والخطورة هنا هي أن سقوط الفرد يعني بالضرورة انهيار البناء بأكمله، لأن الدولة لم تبنى لتعيش من دونه. أما نظام المؤسسة (سلطة العقد) فالسلطة “وظيفة” وليست “هبة”. المؤسسة تعني القواعد والشفافية ونقل السلطة. وفي هذا النظام تكون الدولة قوية لأنها لا تتأثر برحيل الناس. الآلة تعمل وفق قوانين ثابتة، والشرعية تستمد من الإنجاز والرضا الشعبي، وليس من صورة الحاكم أو خطاباته. تلجأ الأنظمة الفردية دائماً إلى «الاستعراض» للتعويض عن غياب الشرعية الحقيقية، وعندما تعجز السلطة عن تقديم «الفعل» كالتنمية والعدالة والحرية، فإنها تبالغ في تقديم «الكلمات» و«الرموز»، وهذا ما يسمى خطاب السراب. وهنا يتحول الحاكم إلى «رمز مقدس» لا يخطئ، وتصبح الاحتفالات والقصور والتماثيل الدليل الوحيد على العظمة المزعومة، ويحل «الخطاب العاطفي» محل «الخطة الاستراتيجية». لكن مشكلة المشهد هي أنه مثل الدواء الذي يحتاج إلى جرعات. والأعظم دائماً ضمان التأثير، وفي اللحظة التي يواجه فيها النظام أزمة حقيقية، «اقتصادية أو عسكرية»، تتبخر الرموز وتظهر الدولة في حالتها البدائية مجرد أجهزة قمعية بلا روح ولا سند شعبي. وعندما نعود إلى تاريخ سقوط الأقنعة في بلدان تعتبر المختبر الكبير الذي أثبت فيه الرهان على الأفراد فشله، فلننظر إلى مثال لويس الذي مهد لثورة أكلت كل شيء أخضر ويابس لأن «الدولة الفردية» لم تترك مجالاً لـ«الدولة المؤسسة». أما نيكولا تشاوشيسكو في رومانيا، فقد بنى “قصر الشعب” الذي يعد من أكبر المباني في العالم، وملأت صورته الأفق كقائد عبقري. لكن عام 1989، أثناء خطابه في حشد «مؤيد»، تحولت الهتافات في لحظة واحدة إلى صيحات استهجان، وفي غضون أيام وجد نفسه وحيدا، دون جيش يحميه أو مؤسسات تدافع عنه، وانتهى به الأمر ميتا. والأمر أمام فرقة إعدام لتثبت أن “المشهد” كان مجرد وهم. أما شاه إيران، الذي أقام عام 1971 احتفال «ألفية بلاد فارس» الأسطوري ليثبت أنه وريث قورش الكبير، تجسيد الرمزية المطلقة. وبينما كان ينفق الملايين على المشهد، كانت شرعيته تتآكل في أزقة طهران. وعندما اندلعت الثورة، غادر ومعه «حفنة من التراب»، وكل هذا المشهد لم يسمح له بالبقاء يوماً آخر. النموذج الذي أمامنا اليوم هو حافظ الأسد. الذي حول الدولة والشعب السوري إلى مزرعة يقودها عسكري وغد. وملأت صوره الجدران، وفرض نفسه القائد الوحيد الذي يجب أن يشيد الجميع باسمه، حتى أسماء الصروح الوطنية الثقافية والعلمية والتاريخية التي أطلق عليها اسمه أو اسم أحد أفراد عائلته، مثل مكتبة “الأسد”، ومستشفى “الأسد”، و”معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم”، ومستشفى “الباسل”، ومسار “الباسل”، والشعارات التي اخترعها لتأليه نفسه، كما رددها الجميع. لهم بعد تكرارها. شعار الحزب أو أي اجتماع عسكري أو مدني هو “قائدنا إلى الأبد، الأمين حافظ الأسد”، ناهيك عن قبضته المحكمة على مفاصل الدولة ومؤسساتها وسيطرته عليها بيد من حديد. لكن كل ذلك لم ينفعه بعد أن سلم السلطة لابنه المعتوه الذي كان سببا رئيسيا في سقوط حكم آل الأسد إلى الأبد في مشهد سيسجله التاريخ كنموذج للحكم الفردي الدكتاتوري الذي يتلاشى بسرعة البرق. وفي المقابل نجد نموذج جورج واشنطن الذي رفض «تأليه الفرد» من خلال إرساء أسس المؤسسة والتخلي عن السلطة طوعا، وهو ما خلق دولة استمرت مئات السنين. لم يترك واشنطن «صوراً»، بل ترك «دستوراً»، فلم يقف عارياً أمام التاريخ قط، بل تم تكريمه كباني. وفي الختام، فإن السلطة التي تفتقر إلى الشرعية المؤسسية هي سلطة «عارية»، حتى لو لبست تيجان العالم، لأنها تعيش في حالة خوف دائم من «الحقيقة»، فتحيط نفسها بالجدران والدعاية. لكن التاريخ يخبرنا أن لحظة الحقيقة ستأتي حتما. إما أن تترك وراءك مؤسسات تحمي وطنك واسمك، أو تترك وراءك مؤسسات تحمي وطنك واسمك. تترك خلفك رماداً وذكرى نظام كان يعتقد أن الخطابات تبني الدول، وأن القمع يخلق الولاء. وفي النهاية يرحل الناس، وتصمت الكلمات، وتحطم التماثيل، ولا يبقى إلا ما بني على أساس المؤسسة والعدالة والشرعية الحقيقية. أما الباقون فمصيرهم «في هواء التاريخ المفتوح». ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو تحتوي على تفاصيل إضافية، فأرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقالة تنتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية. تقديم شكوى.



