سوريا – في أسواق حماة.. المحل ليس للبيع لكنه مهدد بالخسارة

اخبار سوريا17 أبريل 2026آخر تحديث :
سوريا – في أسواق حماة.. المحل ليس للبيع لكنه مهدد بالخسارة

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-17 15:06:00

في أحد المحلات التجارية بشارع العراق في منطقة الحاضر بحماة، يقضي أبو محمود (اسم مستعار) يومه في انتظار الزبائن ويحسب في رأسه باستمرار: كم يحتاج لتغطية إيجار المحل؟ وهل سيتمكن من الاحتفاظ بها إذا تغيرت الظروف أو ارتفعت قيمتها في السنوات القادمة؟ ويقول: “أحتاج إلى المال ليس فقط لتأمين رزقي ولقمة عيش أطفالي، بل أيضاً لتغطية الإيجار السنوي للمحل وتجنب الغرامات الناتجة عن التأخير”. وهذا القلق لا يتعلق بحاله وحده، بل ينطبق على كثير من مستأجري العقارات الوقفية في الأسواق الحالية، بعد أن تغيرت آلية استثمارهم وارتفعت إيجاراتهم إلى مستويات يصعب على كثير من التجار تحملها، في وقت تعاني الأسواق من ركود واضح وتراجع في القدرة الشرائية. ويقع محل أبو محمود ضمن أحد أبراج مديرية الأوقاف الثلاثة في منطقة الحاضر، وهو أحد العقارات التي طرحت في المزادات العلنية نهاية عام 2022. ومع طرح هذا النوع من الاستثمار، قفزت القيم الإيجارية بشكل كبير نتيجة التنافس بين المستثمرين، لتصل قيمة بعض المحلات إلى نحو 29 مليون ليرة سورية سنوياً. لكن هذه القفزة لم ترافقها حركة تجارية قادرة على استدامتها. تراجع الطلب على المشتريات وتراجع القوة الشرائية انعكس بشكل مباشر على قدرة التجار على الالتزام بدفعات الإيجار، ما أدى إلى تأخير الكثير من الدفعات وتراكم الغرامات عليهم. ويقول أبو محمود إن إيجار محله البالغ نحو 12 مليون ليرة سورية سنوياً يشكل عبئاً يصعب تحمله في ظل ركود السوق وضعف القدرة الشرائية: “أنا محظوظ نسبياً بإيجار محلي مستقر، لكن الزبائن قليلون مقارنة ببقية الأسواق، وأغلبهم من ذوي الدخل المحدود، فإذا ارتفعت الإيجارات لاحقاً لن أتمكن من تحملها”. وأضاف: “أفتح محلّي من الثامنة صباحاً حتى منتصف الليل على أمل بيع المزيد، لكن دون جدوى، ولم أتمكن حتى الآن من دفع الضرائب”. ولا يبدو أن قلق أبو محمود يمثل حالة معزولة. وبحسب أحد أصحاب المحال التجارية القريبة، فإن العديد من التجار اضطروا إلى الاقتراض لتغطية الإيجار السنوي، في ظل صعوبة تأمين هذه المبالغ من ضعف النشاط البيعي الذي لا يكاد يكفي لتغطية المصاريف الأساسية. لكن المشكلة، كما يرى أبو محمود، لا تتعلق بالأوضاع الاقتصادية وحدها، بل أيضاً بعدم الوضوح في إدارة الملف من قبل مديرية الأوقاف. ويقول إن المديرية لم تفتح نافذة الدفع لعدة أشهر خلال العام الماضي، ما أدى إلى تراكم المستحقات وارتفاع الغرامات مع نهاية العام. وأضاف أنه حاول التقسيط كل ثلاثة أشهر لتخفيف العبء، لكنه واجه نفس المشكلة، حيث ظل باب الدفع مغلقا. وأمام هذا الواقع، فضل توجيه الأموال لشراء سلع جديدة بدلاً من تجميدها دون جدوى، معرباً عن قلقه بالقول: «لا أعرف كيف سأتمكن من تأمين المبلغ المطلوب قبل نهاية العام إذا استمر الوضع على هذا النحو». وينظر العديد من التجار إلى إدارة هذا الملف بقلق، إذ يخشون من أن تؤدي التغييرات المحتملة إلى تعديل شروط الاستثمار أو طرح المتاجر في مزادات جديدة بأسعار أعلى وشروط أكثر صعوبة. ويخشى هؤلاء أن يفتح ذلك الباب أمام المستثمرين الذين لديهم قدرة مالية أكبر، ما قد يؤدي إلى خسارتهم لمحالهم التجارية ومصدر رزقهم، خاصة إذا لم يتمكنوا من دفع المستحقات في السنوات المقبلة. وتتضمن العقود الحالية شروطاً يعتبرها التجار قاسية، أبرزها رفع الإيجارات بنسبة 10% كل ثلاث سنوات، ما يجعلهم حذرين من تجديد العقود. ومع استمرار انخفاض القوة الشرائية وتباطؤ حركة السوق، يبدو من المرجح أن يؤدي هذا الارتفاع إلى دفع الإيجارات إلى مستويات يصعب الحفاظ عليها. وبموجب هذه الآلية فإن إيجار محل أبو محمود الذي يبلغ حالياً نحو 12 مليون ليرة سورية سنوياً قد يرتفع إلى ما يقارب 17.5 مليون ليرة سورية مع نهاية مدة العقد، في حين أن إيجارات بعض المحلات الأخرى التي تصل اليوم إلى نحو 29 مليون ليرة سورية سنوياً قد تتجاوز حاجز الـ 42 مليون ليرة سورية. ويعبّر أبو محمود عن هذا القلق قائلاً: “رغم أن عقودنا مستمرة منذ 15 عاماً، إلا أننا نخشى ما يقال عن استياء الوزارة من هذه العقود، ونخشى أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها المبلغ الذي ندفعه اليوم ضئيلاً مقارنة بما قد يفرض لاحقاً، وإذا حدث ذلك فسيكون له أثر كبير علينا، لأن خسارة هذه المخازن تعني خسارة مضاعفة”. واقع منطقة الحاضر التي تعتمد بشكل رئيسي على الزوار من الريف وذوي الدخل المحدود، يختلف عن منطقة السوق، حيث القوة الشرائية أعلى والتجارة أكثر انتظاما. نعبر ضفة نهر العاصي باتجاه السوق، حيث تتغير الصورة: حركة مستمرة، وضجيج السيارات والمارة يعكس كثافة النشاط التجاري. العملاء هنا أكثر انتظاماً، مما يجعل أرباح التجار أكثر استقراراً مقارنة بالمنطقة الحالية. وانعكس هذا الاختلاف أيضًا في آلية الاستثمار في المحلات التجارية. وفي السوق، تعتمد غالبية المحلات التجارية على نظام الفروج التقليدي، الذي يوفر استقراراً نسبياً في الإيجارات، فيما تحولت مديرية الأوقاف الآن إلى المزادات العلنية، ما أدى إلى ارتفاع كبير وغير متوقع في القيم الإيجارية. ورغم هذا الاستقرار النسبي، يعيش المتعاملون في السوق حالة من القلق بسبب تأخر تقييم الإيجارات. وينص قانون الإيجار على إجراء التقييم كل ثلاث سنوات، مع إمكانية رفع الإيجار بنسبة تصل إلى 30%. وكان من المفترض أن يتم تنفيذ هذا التقييم خلال العام الماضي، إلا أن المديرية لم تقم بإجرائه حتى الآن، مما زاد من حالة الترقب وعدم اليقين. يقول سالم (اسم مستعار)، أحد مستأجري محلات الوقف في شارع الدباغة: “تزداد حالة عدم اليقين مع الحديث المتكرر عن نية المديرية رفع القيم، ومن ثم إنكارها، ما يتركنا في حالة من الترقب المستمر والخوف من وصول الإيجارات إلى مستويات غير مستدامة، أو أن نخسر محلاتنا في حال عدم قدرتنا على الدفع وفق التقييم الجديد”. توجهنا إلى مديرية الأوقاف بحماة لنرى وجهة نظرها الرسمية، إذ أكدت المديرية استمرار العمل بالقانون رقم 31 الصادر عام 2018، لكنها لم تنف وجود نية لتعديل الآلية، مشيرة إلى أن هناك نقاشات مستمرة لمراجعة بعض الأحكام وإجراء تعديلات عليها. وأوضح جهاد البر، موظف في إدارة أملاك الوقف، أن مخاوف المستأجرين ترجع جزئياً إلى عدم وضوح آلية التقديم وشروطه ونسبه، مشيراً إلى أن التطبيق السابق غالباً ما كان يراعي مصلحة المستأجر، بينما النهج الحالي يركز على حماية أصول الوقف وتلافي الثغرات في القانون. وشدد البر على أن الاتجاه العام لن يتغير من حيث المبدأ، لكنه سيعطي أهمية أكبر لتنظيم العلاقة التعاقدية وتطبيق الشروط، نافيا ما يقال عن الاسترداد القسري للعقارات، ومؤكدا أن الإجراءات تدخل ضمن تطبيق القوانين المعمول بها، خاصة في حالات المخالفات. وفيما يتعلق بتقدير القيم الإيجارية، أشار إلى أن التقييم يختلف حسب موقع وطبيعة النشاط التجاري، وقد يختلف حتى داخل المنطقة الواحدة حسب عوامل مثل موقع المتجر ومساحته وقربه من الشوارع الرئيسية، وهو ما يفسر الاختلافات بين مناطق مثل الهدير والسوق. اليوم بيخلص في محل أبو محمود. يخرج كرسيه ويجلس أمام المتجر، يتبادل الأحاديث مع جيرانه، بينما تمر لحظات النشاط التي سرعان ما تهدأ. وتراجعت حركة العملاء بشكل ملحوظ خلال العام الذي أعقب سقوط نظام بشار الأسد، وانعكس ذلك على المبيعات في ظل ركود السلع وارتفاع الأسعار. لكن القلق عليه لا يتوقف عند ضعف المبيعات. الرجل الذي فقد والده محله بعد أربعين عاماً من العمل، يجد نفسه اليوم أمام مخاوف مماثلة، مع تغير آليات الاستثمار وعدم الوضوح في قرارات الإيجار. الخوف من رفع القيم أو إعادة تقييمها فجأة لا يعني مجرد أرقام بالنسبة له، بل احتمال فقدان المكان نفسه بكل ما يحمله من ذكريات: طفولته، شبابه، حاضره، وربما مستقبله أيضا. في النهاية، يظل أبو محمود وجيرانه في محلات منطقة الحاضر محاصرين في حالة من القلق، حيث تحمل كل مرحلة جديدة من القرارات أسئلة مفتوحة حول المصير. الهدوء الذي يسود السوق بين الحين والآخر لا يمنحهم الطمأنينة، والخوف من تغيير آليات الإيجار وارتفاع القيم الإيجارية يثقل كاهلهم، لا سيما في ظل حالة عدم اليقين والأحاديث المتناقضة حول نية المديرية رفع الأسعار أو الإبقاء عليها. كل يوم يمر يعيد إلى الأذهان قصص خسائر سابقة، مثل خسارة والد أبو محمود محله بعد أربعين عاما من العمل، لتتحول هذه المحلات من مجرد أماكن للبيع إلى سجل حي لقصص أصحابها وذكرياتهم. وفي ظل هذا الغموض، يبقى الخوف من فقدان المكان وسبل العيش والهوية حاضرا، مذكرا إياهم بأن محلاتهم التجارية ليست مجرد عقارات، بل هي جزء من حياتهم وذاكرة المدينة نفسها. تم إنتاج هذا التقرير ضمن ورشة عمل صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MICT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.

سوريا عاجل

في أسواق حماة.. المحل ليس للبيع لكنه مهدد بالخسارة

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#في #أسواق #حماة. #المحل #ليس #للبيع #لكنه #مهدد #بالخسارة

المصدر – محلي | SY24