اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-13 20:58:00
قبيل الظهر، كان موظف حكومي في الخمسين من عمره في أحد أحياء درعا، يحاول حساب ما تبقى من راتبه الشهري على طاولة صغيرة داخل منزل متضرر جزئياً. يقول الرجل، وهو أب لسبعة أطفال، جميعهم في المدارس، إن راتبه البالغ 950 ألف ليرة سورية “لا يكفي يومين”، فيما المسافة بين دخله وتكاليف الحياة تكبر كل يوم. بالنسبة لسكان درعا، لم تعد أزمة الوقود مرتبطة فقط بارتفاع أسعار الوقود. بل تحول إلى عبء يؤثر على تفاصيل الحياة اليومية. من الخبز والمواصلات إلى الكهرباء والخضروات والإيجارات، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتزايد الضغوط المعيشية على الأسر. ويقول الموظف البالغ من العمر 55 عاماً، إنه لم يعد قادراً على العمل الإضافي بعد خضوعه لعمليتين جراحيتين في القلب، مضيفاً: “تقتصر وجبات الأسرة الآن في أيام كثيرة على الحليب ورغيفين من الخبز”. ويتحدث عن فاتورة كهرباء وصلت إلى ملايين الليرات، رغم أن منزله لا يحتوي إلا على الأدوات الأساسية، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات كان له تأثير مباشر على أسعار الخبز والمواصلات ومعظم المواد الغذائية. وأضاف: “لقد دمر منزلي، وأصبحت الحياة أكثر صعوبة من أي وقت مضى. والناس الذين كانوا يعانون من الفقر أصبحوا أكثر عرضة للخطر، في حين أن الرواتب لم تعد كافية لشراء أبسط الاحتياجات الأساسية”. سائقو سيارات الأجرة: بين ارتفاع أسعار الوقود وتراجع حركة المرور في شوارع المدن، تبدو الأزمة أكثر وضوحاً بين العاملين في قطاع النقل. ويقول أحد سائقي سيارات الأجرة في درعا، إن ارتفاع أسعار المحروقات أدى إلى تراجع كبير في حركة المرور، موضحاً أن “المواطن لم يعد يملك الأجرة، والسائق لم يعد قادراً على تغطية تكاليف العمل”. وأضاف أن تأثير الأزمة طال الخبز أيضاً، حيث انخفض وزن ربطة الخبز وارتفعت أسعار معظم السلع الأساسية، قائلاً: “كل شيء أصبح أغلى، والناس لم تعد قادرة على تحمله”. وفي حي آخر من المدينة، يعيش نازح من محافظة القنيطرة مع عائلته في منزل مستأجر يتجاوز إيجاره 800 ألف ليرة شهرياً. ويقول الرجل الذي يعيل زوجة وابنتين وطفل من ذوي الإعاقة، إن العمل أصبح شبه معدوم بعد ارتفاع أسعار الوقود وتراجع نشاط السوق. ويقول: “أعيش على دخل بسيط جداً، وكل يوم هناك تهديد بالإخلاء من المنزل بسبب الإيجار”. ويضيف أن العديد من العائلات لم تعد قادرة على تأمين أساسيات الحياة، خاصة تلك التي لا تملك تحويلات مالية من الخارج أو وظائف مستقرة. المخابز: تخفيض وزن الربطة مرتبط بسعر الدقيق. في المقابل، يؤكد مدير مخابز درعا أسامة عبيد لموقع سوريا 24 أن قرار رفع أسعار المحروقات لم يؤثر بشكل مباشر على واردات المحروقات المخصصة للمخابز، موضحاً أن “كل مخبز الآن يؤمن احتياجاته الفعلية من الوقود فقط، فيما تعتمد معظم الأفران حالياً على الكهرباء لتشغيل خطوط الإنتاج”. ويشير عبيد إلى أن مؤسسة المخابز تتحمل ضمن عقود الشراكة نصف تكاليف استهلاك الكهرباء مع الشريك التشغيلي، لافتاً إلى أن انخفاض عدد الأرغفة لا يرتبط بأسعار المحروقات بقدر ارتباطه بتخفيض وزن الحزمة وارتفاع أسعار الطحين عالمياً. وأضاف أن سعر كيس الخبز أصبح قريباً جداً من سعر التكلفة وبهامش ربح بسيط جداً، مؤكداً أن قرار رفع أسعار الوقود لم يؤثر بشكل مباشر على حجم الإنتاج، لكن قراراً آخر يقضي بتخفيض مخصصات المخابز من الدقيق بنسبة 1.75 بالمئة، وهو ما انعكس على الكميات المعروضة في الأسواق. الوقود يضغط على الأمن الغذائي. بدورها، ترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائبة عميد كلية الاقتصاد الثانية في درعا، أن أزمة الوقود في سوريا تجاوزت كونها أزمة مرتبطة بالطاقة فقط، لتتحول إلى أزمة معيشية تؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. وتقول إن الخبز من أكثر السلع تأثراً بارتفاع أسعار الوقود، فهو مادة أساسية تعتمد عملية إنتاجها على الوقود والطاقة في كافة المراحل، بدءاً من زراعة القمح حتى وصول الرغيف إلى المستهلك. ويوضح الشياح أن ارتفاع أسعار الوقود يرفع تكاليف الزراعة والنقل والتصنيع معا، لأن المزارعين يعتمدون على المازوت لتشغيل مضخات الري والجرارات الزراعية، كما أن المطاحن والأفران ووسائل النقل تحتاج إلى الطاقة بشكل مستمر، ما يجعل أي زيادة في أسعار الوقود تنعكس تلقائياً على تكلفة الغذاء. وترى أن المخابز الحكومية والخاصة تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، مما يضطر البعض إلى تقليل الجودة أو تقليل وزن كيس الخبز لتقليل الخسائر، فيما تواجه المخابز الحكومية أعباء إضافية تجعل استمرار الدعم الكامل أكثر صعوبة. ويؤكد الشياح أن المواطن السوري يبقى المتضرر الأكبر، لأن الخبز يمثل جزءاً أساسياً من نظامه الغذائي اليومي، خاصة في ظل تراجع القدرة على شراء اللحوم والمواد الغذائية باهظة الثمن. ولا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الوقود على الخبز فقط، بل يمتد إلى مختلف القطاعات المرتبطة بالطاقة، مثل النقل والصحة والتعليم والخدمات، مما يؤدي إلى موجة تضخم واسعة تشمل معظم السلع الأساسية. وتضيف أن الفئات ذات الدخل المنخفض، مثل الموظفين والعاملين والمتقاعدين والنازحين، هي الأكثر تضررا من هذه الأوضاع، لأنهم ينفقون بالفعل معظم دخلهم على الاحتياجات الأساسية، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتضعف القدرة على زيادة الدخل. ويحذر الشياح من أن استمرار ارتفاع أسعار الوقود يهدد بتوسيع دائرة الفقر وسوء التغذية، خاصة مع اضطرار العديد من الأسر إلى تقليل عدد الوجبات اليومية أو الاستغناء عن المواد الغذائية الأساسية بسبب ارتفاع أسعارها. في مدينة أنهكتها الحرب والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، يبدو الوقود اليوم أكثر من مجرد سلعة أساسية، إذ أصبح عاملاً يحدد قدرة السكان على تأمين الخبز والمواصلات والكهرباء، وحتى الحفاظ على الحد الأدنى الممكن من المستوى المعيشي.


