اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2025-05-16 11:43:00
فوضى الانتقام والهجرات الجماعية ملفات شائكة في وجه السلطات الجديدة، آلاف العوائل السورية غيّرت عناوين سكنها داخل البلاد وخارجها تحت موجة العنف.
بعيد سقوط النظام السوري أواخر العام الماضي سادت حالةٌ من الفوضى الانتقامية التي عمّت محافظات سورية كثيرة، سواء على شكل حالات فردية ممنهجة ومتنامية أو على شكل مجازر جماعية ترقى لمصافي التطهير العرقي بحسب التوصيف الأممي لشرعة حقوق الإنسان، إذ تسيّدت حمص ودمشق وريف حماه الحالات الفردية، فيما كان نصيب الساحل السوري مجازر جماعية تمّ تنفيذها على أيدي عناصر غير منضبطة تتبع السلطات السورية أو مجهولة التبعية ما بين السادس والتاسع من آذار/مارس الفائت والتي أفضت لمقتل أكثر من 1600 مدني أعزل واختفاء أعدادٍ أخرى كبيرة بحسب توثيقات “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، والحقوقي هيثم المناع.
كانت البلاد مع هذه المجازر وما قبلها قد دخلت في اتون صراع شديد الهمجية بين المكونات المختلفة والمتصارعة على إرث الماضي الدموي الثقيل الذي حملته حربٌ دامت 14 عاماً، ونظامٌ قمعي حكم أكثر من خمسة قرون، كانت تلك عوامل حاسمة في إدخال البلد بدوامة عنف جديد محمول على يوميات من المعاناة التي طالت عشرات آلاف الأسر الجديدة من درعا إلى حلب مروراً بحمص وحماه والساحل السوري، وبالطبع لم تكن المنطقة الشرقية بمنأى عن الأحداث، بكل ما تحمله تلك المدن من تباينات عرقية ومذهبية وثقافية وايدولوجية.
الصراعات التي كانت محدودةً في بداياتها والتي تمثلت بكمّ الدماء الأقل مع انتصار الثورة سرعان ما تحولت إلى عنف مناطقي وعشائري وقبلي وطائفي في ظلّ غياب سلطة موجهة مركزية قادرةٍ على ضبط الأمور بأسرع ما يمكن فيما بدا أنّه سباق خاسر مع الزمن لفرض القانون والنظام بصورةٍ فورية في واقع ملتبس ومتشابك وشائك خلّف وراءه فراغاً أمنياً وعسكرياً ومؤسساتياً هائلاً أحسنت ميليشيات غير منضبطة خير استحسان استغلاله لصالح فرض نفوذها المحلي على المجتمعات المدنية المتجانسة نسبياً.
الهرب
في خضّم كل تلك التوترات المتنامية لم يكن أمام عوائل كثيرة سوى الهرب خشيةً من عمليات الثأر المتوقعة، تحديداً أولئك الذين كانوا من رعايا النظام أو يرتبطون به وظيفياً وعضوياً من خلال العمل في أجهزته ومؤسساته، حالة الهروب تلك لم تكن تحسباً لما قد يحصل، بل جاءت بناءً على مشاهدات حصلت من عمليات انتقامات تخطّت بيئة الأسد نفسه لتطال شرائح أوسع متهمين إياها بالتفاعل مع النظام السابق والتماهي معه في إطار المصلحة أو الطائفة.
نزوح عائلات سورية بعد أحداث متفرقة في الساحل وحمص – إنترنت
في شباط/فبراير الماضي هرب أحمد عبدو الطالب الجامعي في كلية التربية مع عائلته من حمص قاصدين مدينة جرمانا في ريف دمشق بعد أن اختطف والده وعثر على جثته لاحقاً، يقول لـ “الحل نت”: “والدي موظف عادي، والانتقام لم يكن محمولاً على دوافع منطقية أكثر منها ترهيبية، وفي الأثناء ولا زال كان يقتل الناس وتحرق منازلهم وتسلب ممتلكاتهم، خفت على أمي وأختاي الصغيرتان فكان لا بدّ من ترك المدينة والانتقال إلى مكان يبدو أكثر أماناً وانضباطاً بمعزل عمّا حصل في جرمانا لاحقاً، لكن سرعان ما تم ضبط الأمور فيها، تبقى العاصمة أفضل من كل النواحي”.
وفي حمص أيضاً يؤكد المهندس المعماري سليمان صالح، أنّ المدينة كانت بدأت تتعافى بعد سنين طويلة من نهاية الحرب فيها، لكنّ سقوط النظام أعاد شحن الأحقاد وجعل منها مدينة أشباح وقتل وخطف وموت يومي وبشكل مجاني، ويضيف: “طوال سنوات ماضية بعد انتهاء الحرب في حمص لم يكن المجتمع متوتراً، ولم يكن هناك أحداث أمنية تذكر، ولكن فجأة انتفضت المدينة على بعضها خارج إطار الدولة واحتكمت لعرف العشيرة وأمراء الحرب والمجموعات غير المنضبطة”.
ويسرد صالح لـ”الحل نت”، “لا زلنا نجهل تبعيتها وعاثت في الانتقام والثأر، قتلت بائع الفلافل، سائق التكسي، الموظف المدني، الطفل، الطالب الجامعي، النسوة، لم يعد هناك أهداف محددة، الجميع هدف، أصوات الرصاص بالكاد تتوقف، يحاول الأمن العام طمأنتنا ولكن ثمّة عصابات منفلتة تقوض جهوده وترعبنا، حتّى أنّها لا تبالي بمهاجمة أحياء بأسرها كما حصل حين هاجم الشهر الماضي عشرات المسلحين الملثمين الذين يرتدون اللباس المدني حي كرم الزيتون وقاموا بتكسير الممتلكات الخاصة وإطلاق الرصاص على المنازل”.
ويكمل صالح، “فجأة صار جار الأمس خصماً وعدواً، آلاف العائلات في أحياء حمص الشرقية والجنوبية تعيش قلقاً وفوضى عارمة كالزهراء وما تضمه من أحياء وعكرمة وما تضمها من أحياء وهي للأسف ينظر إليها على أنّها كانت الخزان البشري لنظام بشّار في الحرب علماً أنّ كبار الضباط والقادة والأمنيين هربوا مع سقوط النظام”.
الساحل المستباح
وإلى الشمال الغربي من حمص نحو الساحل بدءاً من مدن حديدة وتل كلخ والدريكيش وطرطوس وبانياس وجبلة واللاذقية وعشرات القرى لم تتوقف حتى اليوم بحسب الأهالي حالات الانتهاكات والقتل، فقبل بضعة أيام قُتل أربعة مدنيين بينهم طفل في قرية زاما بقضاء جبلة على أيدي متطرفين أدعى الأهالي أنّهم من العناصر الأجنبية، وبعد ذلك حاول الأمن العام تطويق المنطقة للعثور عليهم لكن دون نتيجة.
نزوح عائلات سورية بعد أحداث متفرقة في الساحل وحمص – إنترنت
يوسف وسوف شاب يعمل في الزراعة في قريته عين الشرقية القريبة من مدينة جبلة الساحلية، يروي لـ “الحل نت” عن ممارسات قاسية تعدّت القتل نحو التهجير والسرقة وحرق المنازل والأراضي في القرى القريبة منهم، مؤكداً أنّ التهمة طائفية ولا زالت ترتبط بقضية فلول النظام التي أشعلت الساحل السوري في وقت سابق، مبيّناً أنّ كثيراً من سكان قرى تلك المنطقة هربوا ليلاً في الأحراش والبساتين بعد أن قتل منهم من قتل.
بحسب تقرير لقناة “بي بي سي” البريطانية، والتي تمكنت من الوصول إلى أحد الأشخاص الذين كانوا ضمن ما تسمى “الفزعة” التي هاجمت الساحل ويدعى أبو خالد، استخلصت منه رواية مفادها إنه سافر كمقاتل مدني إلى قرية صنوبر الساحلية في السابع من آذار/مارس الفائت، للمساعدة في قتال المتمردين من النظام السابق.
“كان معي ثمانية رجال، لكنها كانت مجموعة كبيرة، وكانت إدارة الأمن العام تشرف على الأمور حتى لا يقوم أحد بتخريب القرية أو إيذاء السكان”.
ولكنّه قام بعد ذلك بتصوير نفسه وهو يطلق النار على أحد سكان القرية البالغ من العمر 64 عامًا، ويدعى محمود يوسف محمد، عند مدخل منزله. وأصر أبو خالد، الذي تم القبض عليه الآن، على أن محمود كان أحد المتمردين المسلحين – ولكن الفيديو الذي صوره للحادث لا يدعم روايته. وقالت الشرطة العسكرية لـ “بي بي سي” إنه لم يكن هناك تنسيق بين قوات الأمن وأبو خالد.
تطورات الاعتداء
في ظلّ كل تلك الأحداث لم يكن القتل وحده بارزاً على الساحة، بل صارت حالات الاختطاف هي المقلقة، نسوة ورجالاً وأطفالا، وفي واحدةٍ من أحداث الخطف تلك كانت قد داهمت قبل عشرة أيام مجموعات مجهولة حيّ الأهرام في حمص واختطفت عدداً من رجاله.
كان من بينهم هؤلاء، مؤنس منصور، الذي يعمل في مكتب للسيارات، شقيقته نوارة قالت لـ “الحل نت” إنهم فعلياً يجهلون تبعية تلك الجماعات، فليست من الأمن العام ولا وزارة الدفاع، إنها ميليشيات محلية وعشائرية، “اختطفوا أخي أمام أعين عائلتنا، لم نستطع المقاومة ولا فعل أيّ شيء، لقد دخلوا منزلنا بعد أن خلعوا بابه بطريقة همجية مخيفة، أختي الصغرى ارتمت على الأرض من خوفها، حتى اليوم لم نعثر على جثة له”.
وتضيف نوارة، “لم يتواصل أحد معنا لطلب فدية، الأمن العام نفى وجوده لديهم، تقدمنا بشكوى رسمية، لكنّ الشكاوي لا تأتي بنتيجة عادةً، نحن الآن في حالة رعب وقلق حقيقي، نخشى على مصير أخي، ونخشى أن تتم مداهمتنا مجدداً، وبالمناسبة قبل يومين شهدت حمص ذات أسلوب المداهمات والاعتقالات في أحياء المهاجرين والسبيل والزهراء وكرم اللوز والنزهة وعكرمة، ذات الوحشية، ذات الأسلوب، ولا هدف واضح، الفلول ليسوا بيننا، ولم يعد أحد في أحيائنا مطلوب أو لم يسوي وضعه”.
على ضوء تلك المجريات كان يمكن اللحظ بسهولة كميّة حالات الفرار الجماعي والفردي للعائلات والأفراد على حدٍّ سواء، وأبرز موجات الهجرة كانت من الساحل السوري وحمص وريف حماه، بعد أن فقدوا الأمل بإمكانية حمايتهم بصورة مستديمة، وبعد أن باتوا قلقين من تكرار مجازر أخرى أكثر دموية، أو استمرار حالات فردية لا تضمن لهم العيش الآمن والحر.
تلك العائلات تنوعت مصادر توجهها، بعضهم اختار البقاء في الداخل السوري، اختاروا المناطق الأكثر أمنا، كدمشق العاصمة بالدرجة الأولى، وآخرون اختاروا مغادرة البلاد تماماً، وللدقة في التوصيف فإنّ تلك العائلات كانت تنتمي للطائفة العلوية، لذا اختارت المناطق المحمية أكثر بالنسبة إليها، كالمزة 86 بدمشق، وكمناطق الدروز المحيطة بدمشق، وآخرون اتجهوا إلى المناطق المسيحية التي لم تشهد أحداثاً تذكر، كبلدات وادي النصارى غرب حمص، وأحياء القصاع وباب توما في دمشق.
والملفت أنّ ليس الجميع اختار المغادرة نحو وجهات أبعد، فالبعض فضّل البقاء في محيطه القريب، مع تغيير قريته فقط، نحو قرى قريبة أكثر أمناً ولم تشهد أحداثاً أمنية، فصحيح أنّ الساحل السوري تعرض لمجازر، لكنّها لم تشمل كلّ القرى والمناطق، فثمة قرى كثيرة لم تدخلها أي قوات عسكرية، وهؤلاء إما استأجروا منازل قديمة أو سكنوا لدى أقاربهم.
مصطفى طه أحد موظفي الاتصالات والذي كان يسكن بانياس ونجى بأعجوبة من أحداثها الأخيرة قرر التوجه إلى أقربائه في منطقة القدموس في جبال الساحل والتي لم تشهد مواجهات عسكرية، يقول: “أعنف أحداث المواجهات كانت في بانياس، أحياء بأكملها تمّت تصفيتها، نجونا حين خبأتنا عائلات سنية في المدينة تربطنا بها سنين من العيش والمحبة، وما أن اتيحت لنا الفرصة حتى هربنا إلى القدموس، لم نكن نريد أن نعيش التجربة مرّة أخرى، أنا وزوجتي فقط، فما حصل يمكن أن يتكرر يوماً ما، ونحن لا نريد أن ندفع ثمن بطش بشار وبطانته، ولا أن نعيش في خوف لحظي مستمر”.
الطريق الأصعب
بعد فرار آلاف العائلات تلك، بدأ فصل جديد بالمطلق في حياتها، ولكنّه ليس الفصل الأجمل بل الأعقد، والذي يتمثل في كيفية التأقلم وكيفية تعامل أبناء الطائفة أنفسهم مع بعضهم، فثمة محاذير ارتبطت بالقلق والتحفظ وبعض الخوف لكنّها كلّها استترت تحت عباءة التضامن والدعم المعنوي والإنساني.
نزوح عائلات سورية بعد أحداث متفرقة في الساحل وحمص – إنترنت
في الداخل السوري كانت المعاناة أقلّ بقليل، فالتعاطف فيما بينهم على أشدّه، الجميع يحاول أن يساعد الجميع، بالمسكن واللباس والطعام والمساعدات، ولكن في بعض الأحيان قد ينظر إليهم على أنّهم هربوا من المواجهة، لكنّ ذلك لا يلغي الالتفاف الشعبي ضمن الحاضنة الواحدة جرّاء تلقي ذاك المكون ضربةً قاسمةً أزهقت أرواح من أزهقت في شيبه وشبانه وفتياته.
أما في لبنان فكان الوضع أكثر اختلافاً، إلى هناك نزح 30 ألف علوي، توزعوا بين البقاع وعكار ونحو 20 قرية وبالطبع باتجاه جبل محسن في طرابلس والذي يمثل العمق العلوي في لبنان، صحيحٌ بحسب روايات الواصلين أنّ الاستقبال كان حسناً، لكنّ الناس هناك غير مهيأة لاستقبال هذا العدد في ظلّ الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية مع الأخذ بعين الاعتبار عدم توافر الموارد والدعم وفرص العمل والتمويل المطلوب، ما قاد تلك الأسر لحالة أشبه بالتهميش لقاء كونهم عبئاً مضافاً على المجتمع المستضيف، في بلد أساساً تتقاذفه رياح الحرب ومآسي الاقتصاد الحاد.
رويدة محمد آنسة مدرسية نزحت مع عائلتها من بانياس إلى جبل محسن، وقالت لـ “الحل نت”: “بعد أن وصلنا أدركنا أن الانتماء الطائفي لا يعني شيئاً إذا كان محفوفاً بالقهر الاقتصادي وبأن تزيد على مضيفك ضغوطه اليومية والمعيشية، في لحظات معينة نشعر أننا حمل ثقيل وبأنّه لا مبرر لوجودنا”.
بين كل رحلات الهروب يعتبر الهروب إلى لبنان الأكثر صعوبةً ومأساوية بسبب الظروف المتشابكة هناك أساساً وغياب الدور الفاعل لمنظمات الأمم المتحدة، أولئك الهاربون لم يحظوا بنعيم الهجرة الآمنة، بل سلكوا جبالاً وعرة، وطرقات خطرة، ومرّوا من النهر الشمالي الكبير شمال لبنان، ساروا لمسافات طويلة للغاية، في برد الشتاء، وفي صقيع الليل، وكلّ ذلك ليكونوا بعيدين عن الطرق الرسمية والحواجز الأمنية والدروب التي تسيطر عليها العصابات.
يختصر ماجد عبارة خريج كليّة السياحة من اللاذقية في رحلته الفردية تلك بأنّها كان يجب أن تتم ليلاً من جنوب طرطوس إلى شمال لبنان، لأنّه في الصباح مخاطرة، ومع ذلك كانت ساعات الليل مخيفة له أيضاً، “كان المجهول أمامنا والخوف خلفنا، لكن بكل الأحوال أيّاً كان ما ينتظرنا فهو أبعد من الموت في المنزل”.
شبكات التهريب
عانى أولئك الهاربون من مشكلة حقيقية تمثلت في إغلاق الحدود الرسمية اللبنانية، ما اضطرهم للتعامل مع مهربين خبيرين بتلك الطرقات، كانوا يتقاضون على الفرد الواحد ثلاثة آلاف دولار أميركي، وفي حال كانت عائلة فإنّ الرقم يكون أكثر مراعاةً، ولا يخلو الأمر من وجود مهربين تقاضوا أرقاماً أقلّ من ذلك، كان يتبع الأمر لنوعية المهربين وطرق التواصل معهم، فالتهريب الذي تم إبان مجازر الساحل ارتبط بأرقام عالية، وفي الفترات التي تلته ارتبط بأرقام أقل، بحسب معلومات حصل عليها “الحل نت” من واصلين إلى لبنان.
يشترك أولئك الواصلون إلى لبنان بعمومهم بمشكلات تتعلق بعدم امتلاكهم أوراقاً رسمية، ولا فرص عمل، ولا مجتمعات جاهزة بالفعل لاحتضانهم معيشيا، وهو ما تؤكده اللاجئة سمّية عبّاس والتي كانت تعمل في شركة للخدمات الإعلامية في طرطوس، مبيّنة أنّ الجموع التي وصلت بحاجة لدعم جدي من الأمم المتحدة على سبيل المساعدات التي لا تزال قاصرة حتّى الآن، ما يضعهم في خانة الضغط والتهميش.
ومع أحداث الساحل بشكل خاص والأحداث السورية بشكل عام وموجة الهجرة الداخلية والهجرة إلى لبنان تحول أيضاً مطار “حميميم” – هو قاعدة عسكرية روسية في ريف مدينة جبلة – إلى ملاذٍ آمن لجأ إليه أكثر من 9 آلاف سوري، أصبح المطار مكاناً آمناً من الفوضى تحت الحماية الروسية، هناك وجد السوريون الأمان، وكغيره لم يكن الوصول إليه بتلك السهولة في خضّم المعارك.
في الخامس عشر من آذار/مارس الفائت، وصل الشاب فارس مهنّا الذي يعمل في مجال الأدوات المنزلية إلى القاعدة الروسية هارباً من مدينة جبلة، تمكن “الحل نت” من التواصل معه وهو لا يزال داخل القاعدة حتى الآن.
أفاد مهنّا، بأنّ خيار التوجه والاحتماء بالقاعدة كان السبيل الوحيد للهرب من عنف المعارك والانتقام والقتل الحاصل، “الخدمات قليلة نسبياً، هناك نقص في الخدمات الصحية، والازدحام كبير جداً، إمكانية التنقل معدومة، خرجنا بملابسنا ودون أوراقنا وثبوتياتنا، ولكن كلّ ذلك يهون أمام الأمان”.
ويفيد مهنّا بأنّ معظم الأهالي هناك رغم كل الوساطات المحلية ومن قبل السلطة لكنّهم يرفضون مغادرة القاعدة إطلاقاً قبل ضمانات فعلية وحقيقية تتجاوز الوعود باستتباب الأمن وهو ما لا يشعرون به في ظلّ استمرار حوادث القتل.
فرصةٌ للنهوض
في الأثناء يجد الأمن العام ومن خلفه السلطات الجديدة أنفسها مكبلة بواقع انتقامي قاسٍ، جلّ ما تستطيع فعله أن تكافح على قدر ما تستطيع بوادر الجريمة المنظمة، لكنّ ذلك يبدو صعباً، فتعداد الأمن قليل عموماً، ولن يكون من الصواب أن يدخل في موجة اشتباكات ومعارك مع تلك الفصائل المحلية التي يتولاها أمراء حرب وخارجون عن القانون.
ورغم ذلك فإنّ أولئك المجرمين يهاجمون أحياناً الأمن العام نفسه، وقد حصل ذلك في منطقة العيادات بحمص قبل نحو أسبوعين، إذ ألقت دراجة نارية قنابل على عناصر من الأمن العام، لتتم ملاحقتهم والقبض عليهم ومن ثمّ تفاعلت الأمور أكثر وتداعت الأطراف لنزاعات جانبية ليست في مكانها ولا زمانها، اجتماعياً وأمنياً وسياسياً ودولياً.
يرى سوريون في مواقع متعددة حادثهم “الحل نت” أنّ مسألة استقرار سوريا واستعادة الأمن فيها أمر شائك يرتبط قطعاً بملف العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الشاملة والحقيقية بعيداً عن الشعارات والمجاملات، ولذلك سبل أخرى يدعمه فيها تفعيل دور القضاء والضابطة العدلية والشرطية وعدم منح العفو عن الجرائم المرتكبة ومحاسبة كل المدانين والمتهمين وعدم السماح لهم بالتفلت من العقاب أيّاً تكن تبعيتهم المدنية أو العسكرية.
ليس ذلك فحسب، بل إضافةً لتفعيل فهم حقيقي للقاء الشرع بترامب وملف رفع العقوبات واستغلاله بأفضل شكل لإعادة بناء المجتمع السوري الممزق وإعادة أواصر اللحمة بين نسيجه المتباين وقد تكفل هذه الأمور منع استدامة دوامة العنف التي تترامى أطرافها وتتسع يوماً تلوَ الآخر، فسوريا اليوم تحتاج استعادة لاجئيها لا تصدير المزيد منهم. وباختصار كما قال ترامب للشرع: “أحثك على إنجاز شيء تاريخي”.



