اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-19 19:39:00
عنب بلدي- شعبان شامية: خروج الأطفال من المنزل بغرض الزواج أو السفر والاستقلال لا يقتصر على كونه مجرد مرحلة انتقالية عابرة في حياة الأهل، بل يفرض نفسه كنقطة تحول نفسية واجتماعية تؤثر بشكل مباشر على استقرار هويتهم الشخصية. هذه المرحلة، المعروفة في علم النفس بـ “متلازمة العش الفارغ”، تتجاوز مشاعر الشوق الطبيعية، ويواجه الآباء والأمهات فراغا مفاجئا يغير طبيعة الدور المحوري الذي شكل تفاصيل حياتهم لعقود من الزمن، مما يجبرهم على إعادة تعريف أنفسهم والبحث عن اهتمامات وأهداف بديلة تملأ هذا الفراغ الجديد. في هذا السياق، تشخص استشارية علم النفس الأسري، الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، واقع الأمهات والآباء، موضحة أن الكثير منهم يعتمدون تفاصيل حياتهم اليومية على احتياجات أبنائهم، فأوقات النوم والاستيقاظ، والقرارات، والإجازات، والأولويات، وحتى شبكة العلاقات الاجتماعية تتمحور حول عملية التربية. وقالت المستشارة إن دور الأبوة أو الأمومة يتجذر مع مرور الوقت ويتجاوز مجرد المسؤولية الروتينية، ويصبح المعرف الأساسي للذات، مشيرة إلى أن خروج الأطفال من المنزل يضع الوالدين في منعطف نفسي يعرف بـ”إعادة تنظيم الهوية”، حيث يصطدم الإنسان مرة أخرى بأسئلة وجودية غابت منذ سنوات، مثل: “كيف أقضي وقتي الآن؟” “ما الذي يعطي حياتي معناها؟” و”من أنا خارج إطار دوري الأبوي؟” بين المرونة واختزال الهوية. وفي محاولة لتفسير التباين في استجابة الأسر لهذه المرحلة، يعزو العرنوس اختلاف مواقف الأسر، بين انتقال هادئ وأزمة نفسية حادة، إلى طبيعة الحياة الأسرية السابقة، وليس إلى حدث الانفصال نفسه. وترى المستشارة أن الأسر التي تتميز بالمرونة تمر بهذه المرحلة بهدوء بفضل الحفاظ على توازن سليم ومصالح شخصية ومهنية واجتماعية مستقلة للزوجين، في حين تواجه الأسر التي تختزل هويتها بالكامل إلى الدور الوظيفي للتربية أزمة هوية وفراغ عميق. تداعيات الفراغ العائلي وفي تفصيل أبرز المظاهر النفسية المصاحبة لهذه المرحلة، أكد العرنوس أن الحزن يمثل الشعور الأكثر وضوحاً، لكنه ليس الوحيد، حيث يواجه الأهل حزمة من التحديات النفسية والسلوكية التي تشمل تراجع العاطفة، واضطرابات النوم، والشعور الحاد بالوحدة رغم وجود الشريك، إضافة إلى حالة من الهدوء المؤلم داخل المنزل، حيث يتحول الصمت الذي كان أمنية في الماضي إلى تذكير دائم بغياب أبنائهم. وأشار المستشار إلى أن القلق الأكبر يكمن في تغلغل الشعور بالتفاهة في نفوس الوالدين. وعندما ترتبط قيمة الفرد كليا بدوره في رعاية الآخرين، فإن نهاية هذا الدور تهدد بشكل مباشر احترامه لذاته، مما قد يدفع بعضهم إلى التدخل المفرط في حياة أبنائه، كأساس لاستعادة الشعور بالجدوى والضرورة. المواجهة الزوجية الصادمة لفت العرنوس إلى أن غياب الأبناء واستقلالهم يرفع الغطاء عن الأزمات الزوجية المتراكمة خلف جدار المسؤوليات الأبوية، إذ يواجه الزوجان واقعاً مفاجئاً بعد سنوات من «الزواج الوظيفي» الذي استمر في تأمين الالتزامات المشتركة على حساب العاطفة. وأوضح المستشار أن رحيل الأطفال الذين شكلوا جسراً للتواصل، يضع الطرفين أمام أسئلة مصيرية، مما يجعل بعضهم يواجه واقع العيش مع شريك غريب توقفوا معه عن مشاركة أحلامهم ومخاوفهم واهتماماتهم منذ فترة طويلة. ومن الوصاية إلى الشراكة، يرى العرنوس أن تدخل الوالدين المفرط في حياة أبنائهم بعد الاستقلال يعود إلى آلية دفاع نفسية تقاوم فقدان الأدوار الأساسية، إذ يحاولون استعادتها عبر الاتصالات المتكررة، والأسئلة اليومية، وإبداء الرأي في كل صغيرة وكبيرة، والشعور بالضيق المفرط إذا لم يتم اتباع هذه التوجيهات. وهذا السلوك لا ينبع في أغلب الأحيان من رغبة في السيطرة، بحسب الاستشاري، بل من خوف غير واعي من فقدان المكانة، حيث يصعب على الأم قبول نقل منصب اتخاذ القرار إلى زوجة الابن، كما يواجه الأب تحدي التحول من قائد ومرشد إلى مستشار. وقال العرنوس إن النضج النفسي في هذه المرحلة يتطلب تحويل العلاقة من الوصاية الكاملة إلى الشراكة المبنية على الثقة والاحترام. يحتاج الأطفال هنا إلى آباء أكثر قدرة على فهم استقلاليتهم ودعمهم فقط عند الحاجة. إعادة بناء الهوية الفردية وفيما يتعلق بكيفية إعادة اكتشاف الزوجين لحياتهم بعد انتهاء مرحلة التربية، ينصح استشاري علم النفس الأسري بالتوقف تماماً عن النظر إلى هذه المحطة على أنها النهاية، بل التعامل معها كبداية متجددة، مشيراً إلى أن هناك فرقاً جوهرياً بين «الفراغ» و«الفضاء». وفي حين أن الفراغ يولد الإحباط، فإن الفضاء يفتح آفاقا واسعة للإمكانات والفرص. وتعد هذه المحطة أول فرصة حقيقية منذ عقود للزوجين لاستعادة علاقتهما كشريكين، وليس كأهل فقط، وهو ما يتطلب منهما إعادة التعرف على نفسيهما من جديد لاستيعاب التغيرات التي طرأت على الشخصية والاهتمامات والأحلام التي نضجت وتغيرت مع مرور الوقت. وفي الوقت نفسه، شجع العرنوس على إعادة بناء الهوية الفردية لكل من الزوجين، بغض النظر عن أدوارهما العائلية السابقة، من خلال الانخراط في تعلم مهارات جديدة، أو ممارسة الأنشطة التطوعية، أو العودة إلى الهوايات القديمة، بالإضافة إلى الاهتمام بالصحة وتوسيع الدائرة الاجتماعية. سلوكيات تطمئن الوالدين نفسياً حول الدور المنوط بالأبناء للتخفيف من أعباء هذه المرحلة الانتقالية. وشددت المستشارة على أهمية أن يفهم الأطفال أن استقلالهم وبناء حياتهم الخاصة لا يعني القطيعة بأي حال من الأحوال، لافتة إلى أن الأهل في هذه المرحلة لا ينتظرون بقاء الأطفال جسديا داخل المنزل بقدر ما يتطلعون إلى الاطمئنان إلى أن وضعهم العاطفي والروحي لا يزال محفوظا. ويتم الشعور بهذا الدعم النفسي من خلال سلوكيات بسيطة تترك أثراً عميقاً، مثل الحفاظ على الاتصال المنتظم والزيارات المستمرة والمشاركة الفعالة في المناسبات، بالإضافة إلى استشارتهم وأخذ آرائهم. وهذه كلها رسائل نفسية تؤكد للأهل أن دورهم لم ينته، بل تغير شكله. في المقابل، دعا العرنوس الأطفال إلى التغلب على أي شعور بالذنب تجاه ممارسة حقهم الطبيعي في إقامة حياة مستقلة، معتبراً أن هذا الاستقلال يمثل في جوهره ثمرة ناضجة للتربية السليمة التي يقدمها الوالدان أنفسهم، وليس خيانة أو إنكاراً لتلك الجهود الطويلة. متعلق ب



