سوريا – من «أنا لست شجرة» إلى منطق الانتقام.. كيف نعيد إنتاج الكارثة بأيدينا؟

اخبار سوريامنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
سوريا – من «أنا لست شجرة» إلى منطق الانتقام.. كيف نعيد إنتاج الكارثة بأيدينا؟

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-04 18:21:00

حازم دقل منذ سنوات، رفع السوريون في كفرنبل لافتة صغيرة الحجم كبيرة المعنى: “لسنا طائفيين ولسنا إقصائيين.. لأنهم ساحات الحرية وتحت سقف الوطن مرحبا بالجميع”. ولم تكن مجرد عبارة بسيطة بين عشرات اللافتات التي خرجت من تلك البلدة. لقد كان ملخصاً لفكرة أراد السوريون الدفاع عنها ضد نظام بنى جزءاً كبيراً من سلطته على تقسيم الناس وتصنيفهم ومعاقبتهم على أساس هوياتهم وانتماءاتهم، وليس على أفعالهم. ولهذا السبب بالتحديد، شعرت بقلق كبير وأنا أتابع ما رافق حملة “أنا لست شجرة” خلال الأيام القليلة الماضية. أنا لا أتحدث عن الألم هنا. الألم مفهوم. ليس من باب الغضب. الغضب أمر مفهوم أيضا. ولا عن حق الضحايا وأسرهم في المطالبة بالحقيقة والعدالة والمساءلة. وهذا حق لا جدال فيه. لم يكن الكثير من الخطاب الذي صاحب الحملة موجهًا ضد مجرمين محددين، أو جناة معروفين، أو مسؤولين يجب تقديمهم إلى العدالة. بل كانت موجهة ضد العلويين كمجموعة كاملة. وهنا تبدأ المشكلة. ومن حق أي سوري أن يطالب بمحاسبة القتلة. وله الحق في رفض الإفلات من العقاب. ومن حقه أن يبحث عن الحقيقة مهما كانت مؤلمة أو محرجة. لكن لا يحق لأحد أن يحول الملايين من الناس إلى متهمين لمجرد أنهم ينتمون إلى طائفة أو منطقة أو خلفية اجتماعية معينة. وأكثر ما يقلقني هو أن هذا الخطاب لا يأتي من الفراغ. منذ أشهر، نشهد تصاعداً واضحاً في مستوى التحريض داخل المجال العام السوري. شخصيات تبني حضورها على الخيانة، ومنابر تحقق انتشارها من خلال شيطنة المختلف، وأصوات تصبح أعلى وأكثر قدرة على إثارة الغضب والانقسام. وكأن الطريق الأسرع إلى الشهرة أو النفوذ أو القرب من دوائر صنع القرار لم يعد يمر عبر الكفاءة أو المعرفة أو القدرة على تقديم الحلول، بل عبر التحريض والمزايدة والصراخ الأعلى. والأخطر من ذلك أن بعضهم لا يحاسب. وفي بعض الأحيان يصبحون وجوهًا عامة ومتحدثين رسميين للمرحلة الجديدة. نراهم في الاجتماعات الرسمية، وعلى الشاشات، وفي الصفوف الأمامية للمناسبات العامة. وعندما يحدث ذلك، فإن التحريض لا يعود مجرد سلوك فردي، بل يتحول تدريجيا إلى ثقافة يتم التسامح فيها، وربما حتى مكافأته. حملة “أنا لست شجرة” ليست المشكلة في حد ذاتها. إنه مجرد عرض لمرض أعمق. ما يثير القلق في الواقع ليس الهاشتاج نفسه، بل ما يكشفه عن المزاج العام الذي يتشكل أمامنا. التحريض لا يزال موجوداً، ويبدو أحياناً أنه يُكافأ أكثر مما يُحاسب. لقد أصبحت العدالة في كثير من الأحيان قضية موسمية. يرتفع مع الاتجاه ثم يختفي معه. أما الحقيقة، وهي الشيء الذي من المفترض أن نبني عليه أي مصالحة أو تعايش مستقبلي، فإنها تبدو أحياناً آخر ما نفكر فيه. وهذه القضايا ليست منفصلة عن بعضها البعض. وعندما ينتشر التحريض دون مساءلة، ينشأ شعور بالإفلات من العقاب. فعندما يشعر الناس أن العدالة انتقائية أو متأخرة أو خاضعة للتوازنات، تبدأ ثقتهم في الدولة ومؤسساتها في التآكل. المشكلة هي أن الناس لا يعودون إلى الطائفية لأنهم بالضرورة يحبون الطائفية. ويعود الناس إلى الطائفة عندما يفقدون الثقة بالدولة. تعود إلى العشيرة عندما تشك في أن القانون لن يحميها. يبحث عن النفوذ أو السلاح عندما يشعر أن العدالة لم تعد متاحة للجميع. وهكذا تبدأ الدول في الانحدار. ليس بقرار واحد، وليس بانقلاب كبير، ولكن بسحب بطيء للثقة من المجال العام. الخطر الأكبر برأيي ليس وجود المحرضين وحدهم، بل فقدان السوريين الثقة بإمكانية الحصول على حقوقهم عبر القانون. وعندما يشعر المواطن أن الحقيقة يمكن دفنها إذا كانت محرجة، وأن بعض الناس فوق المحاسبة، وأن العدالة لا تطبق على الجميع بنفس المعايير، يبدأ منطق آخر في الظهور: منطق الانتقام. الانتقام لا يبدأ دائمًا بالسلاح. في بعض الأحيان يبدأ بكلمة. مع وظيفة. إهانة جماعية بخطاب الكراهية. مع رغبة عميقة في الانتقام. أو بفكرة بسيطة تقول أن المجموعة بأكملها يجب أن تدفع ثمن ما فعله بعض أعضائها. ولذلك، فإن أخطر ما في حملة «أنا لست شجرة» ليس فقط ما قيل فيها، بل الرسالة التي يمكن أن تنقلها: أن الانتماء الطائفي يمكن أن يصبح ذريعة للاتهام، وأن المسؤولية الجماعية يمكن أن تحل محل المسؤولية الفردية. وهذا ليس عدالة، بل هو عكس العدالة. سوريا اليوم ليست دولة مستقرة يمكنها تحمل هذا النوع من الخطابات. لقد خرجنا للتو من حرب طويلة، وذاكرة الضحايا لا تزال مفتوحة، والسلاح لا يزال منتشرا، والثقة بين السوريين لا تزال هشة وجريحة. في مثل هذا الواقع، الكلمات ليست مجرد كلمات. الكلمة قد تتحول إلى تحريض، والتحريض قد يتحول إلى مناخ عام، وهذا المناخ قد يتحول إلى عنف في أي لحظة. إذا أردنا حقاً بناء سوريا الجديدة، علينا أن نرفض هذا المنطق، بغض النظر عمن يستهدفه. لأن المعيار الأخلاقي لا يختبر عندما ندافع عمن يشبهنا، بل عندما ندافع عن نفس المبدأ حتى مع من نختلف معهم أو من نكن تجاههم مشاعر الغضب والألم. المطلوب اليوم ليس حماية العلويين فقط، ولا حماية أي فئة أخرى. والمطلوب هو حماية فكرة المواطنة نفسها. حماية فكرة أن الإنسان مسؤول عما يفعله، وليس عما ولد ليكون عليه. وعلى الدولة أن تنظر إلى مواطنيها كأفراد متساوين أمام القانون، وليس كطوائف متعارضة تتبادل الاتهامات والانتقام. والمطلوب أيضاً أن تحاسب الدولة من يشوه ويخون ويدعو إلى الإقصاء والتحريض، وليس التسامح معهم أو منحهم شرعية إضافية. إن أكثر ما أخشاه اليوم ليس المحرضين أنفسهم. فالمحرض موجود في كل المجتمعات. ما أخافه هو أن نعتاد على وجوده. ليتوقف عن الاعتراض عليه. أن يصبح حديثه جزءاً عادياً من المشهد اليومي. وعندها فقط تبدأ الكارثة الحقيقية. تنهار الدول ليس فقط عندما تنتشر الأسلحة، بل أيضا عندما يصبح خطاب الكراهية مقبولا، وعندما يصبح الانتقام بديلا للقانون. متعلق ب

سوريا عاجل

من «أنا لست شجرة» إلى منطق الانتقام.. كيف نعيد إنتاج الكارثة بأيدينا؟

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#من #أنا #لست #شجرة #إلى #منطق #الانتقام. #كيف #نعيد #إنتاج #الكارثة #بأيدينا

المصدر – عنب بلدي