اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-25 12:27:00
لم يدخل داعش قرى الخابور الآشورية في فبراير/شباط 2015 فجأة، ولم يكن اجتياحه السريع نتيجة قوة مفاجئة أو اختراق عسكري معقد. بل جاء بعد سلسلة من الخطوات المحسوبة التي جردت الأهالي من أي قدرة على الدفاع عن أنفسهم، ووضعتهم في مواجهة مصيرهم منعزلين، مجتمعين، ومنسيين. وفي صباح اليوم نفسه، تجمع المدنيون الآشوريون من قرى الخابور في ساحة بلدة تل تمر (تل تمر، تل نصري، تل شميرم، تل هرمز)، ليس كمقاتلين، بل كسكان خائفين أُمروا بالامتثال، وأجبروا على تسليم أي سلاح فردي بحوزتهم، وهو سلاح لم يكن جزءاً من تشكيل عسكري أو مشروع تمرد، بل حصلت عليه مجموعة محدودة من الشباب لحماية القرى وتأمين انسحاب النساء والأطفال إذا ضرورياً بحسب شهادات الياس ناصر الموثقة في التحقيق الصحفي للمراسل داود ناصر عام 2015. ولم يكن وجود هذا السلاح مقبولاً؛ لأن أي قوة محلية مستقلة لم تكن مرغوبة في المقام الأول. وقيل للأهالي أن الخطر قادم وأن وحدات حماية الشعب ستدافع عنهم، وطُلب منهم الانتظار دون أسلحة ودون تحرك، فيما كانت القوات التي وعدت بالحماية تنسحب تدريجياً وتبتعد دون اشتباكات ودون تمركز دفاعي، تاركة الساحة مكشوفة. ولم يتم إطلاق رصاصة واحدة باتجاه التنظيم، لا في تل تمر ولا على مداخل القرى، رغم أن وحدات حماية الشعب الكردية مدججة بالسلاح ومتواجدة في المنطقة، وفي الوقت نفسه كانت قوات الجيش السوري متمركزة في جبل عبد العزيز (مرجع الجيش السوري – أرشيف وزارة الدفاع، 2015) ترى وتراقب دون أن تتحرك. وبعد ساعات قليلة دخل داعش إلى القرى، ووجد الأهالي متجمعين بلا أسلحة، بلا حماية، ودون أي مقاومة تذكر. لقد تم طردهم بعيدًا مثل قطيع من الأغنام، بينما كان الجميع يراقبون. وشهد جنوب الرد، حيث تقع القرى العربية المجاورة، فيما بعد عمليات قتل وتهجير وهدم منازل وحرق، فيما بقيت القوات المتمركزة في جبل عبد العزيز على حالها، تراقب المشهد من الأعلى، ما يؤكد وجود تنسيق مسبق بين الطرفين. ولا يمكن فهم هذه السيطرة دون العودة إلى الجذور التاريخية، إلى جبال طوروس وهكاري وطور عابدين، حيث عاش القطيع الكردي المتنقل على البداوة والرعي، فيما استقرت الطوائف المسيحية الآشورية والأرمنية في القرى والأديرة القديمة (وثائق). القنصلية الفرنسية والأرمنية، 1894-1915)، وهو التناقض بين الاستقرار الزراعي والحراك المسلح الذي استغلته الدولة العثمانية من خلال فرق الحميدية التي أنشئت عام 1891 بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني، لتكون قوة شبه نظامية من العشائر الكردية المسلحة العاملة باسم الدولة. وكانت مهمتها الرسمية حماية الحدود وقمع التمرد، لكنها في الواقع استخدمت لاستهداف الأرمن والآشوريين، ونفذت مجازر الحميدية بين عامي 1894 و1896، وقتلت عشرات الآلاف، وصادرت الأراضي، ودمرت القرى (تقرير القنصل الألماني في فان، 1896)، وخلقت ثقافة الإفلات من العقاب التي امتدت فيما بعد لتصبح نواة للعنف المحلي والارتزاق السياسي، مما أدى إلى ظهور الإبادة الجماعية عام 1915، ثم تحول جزء من هذا الهيكل إلى تنظيم حزب العمال الكردستاني في السبعينيات، حاملاً نفس الإرث الجغرافي والنمطي في جبال قنديل وطوروس وهكاري، فيما لا تزال المجتمعات المسيحية هي الضحايا. تكرار تلك القوة المسلحة، حتى لو تغير الاسم والكلام. وبعد أسابيع من غزو داعش، تم اغتيال داود جندو، قائد قوات الدفاع في القرى الآشورية (شهادة إلياس ناصر، 2015)؛ لأنه رفض إخضاع قوة محلية مستقلة لأي أجندة حزبية، ونجا رفيقه ليكشف في شهادته عن الجهة الحقيقية التي استدرجتهم وأطلقت النار عليهم، مما يزيل أي غموض عن المتورطين، ويثبت أن الاغتيال لم يكن عشوائيا، بل جريمة مدبرة لإزالة أي مقاومة للسيطرة. إن اغتيال جندو لم يكن مجرد قتل رجل، بل كان قطع رأس بنية دفاعية ناشئة وإيصال رسالة لكل من يفكر في الاستقلال: لا مكان لأي قوة آشورية مستقلة خارج الإطار المسموح به. وبعده، تحولت القرى إلى نقاط تماس، واستخدم سكانها كورقة سياسية، واستمرت الضغوط المتراكمة، ما يجعل أي محاولة للمحاسبة خطراً حقيقياً. ومع مرور الوقت، اتسع نمط السيطرة إلى 35 قرية آشورية على طول نهر الخابور بين عامي 2016 و2024 (تقرير ICAD المصور، 2025)، حيث تحولت القرى عمليا إلى جيوب محاصرة، لا يوجد فيها قرار للسكان في أي شؤون داخلية، ولا يسمح بأي حركة مسلحة، فيما تم استخدام وجودهم كورقة سياسية جاهزة؛ عند التفاوض يتم تربيتهم كأقليات بحاجة إلى الحماية، وعند التصعيد يتركون في خط النار. أُغلقت المدارس المسيحية بالقوة وطردت إداراتها وطلابها، وتحولت الكنائس إلى مقرات عسكرية ونقاط لوجستية، وأصبحت التهديدات النفسية والجسدية جزءاً من الواقع اليومي، فيما ادعى الخطاب الإعلامي حماية الأقليات، بينما الواقع على الأرض يقول أن السكان يُستخدمون دروعاً بشرية، ويُجبرون على حمل السلاح، ويُنتهك دينهم وتعليمهم وممتلكاتهم. وفي الأعوام 2025-2026، جاء تقرير ICAD المصور ليؤكد بوضوح هذا الواقع: تحويل 35 قرية آشورية إلى سجن مفتوح، وإجبار السكان على حمل السلاح ضمن التعبئة ضد الحكومة السورية، وأي رفض يعرضهم للضغوط والمضايقات، كما أن ادعاءات الانسحاب إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية لا تعكس الواقع على الأرض. وأكدت النداءات العامة التي نقلتها الصحيفة الآشورية، أن الشعب المسيحي اضطر إلى الانضمام إلى تشكيلات مسلحة بالقوة، وأن أي خيار آخر مستحيل، وأن حياتهم اليومية أصبحت رهينة لهذا الوضع، في حين أكدت شخصيات بارزة في المنظمة السريانية الديمقراطية بقيادة غابرييل موشيه، أن المسيحيين والآشوريين السريان يؤيدون سيادة الدولة السورية ويرفضون استغلال مناطقهم لأهداف حزبية أو عسكرية، مشددين على حق الأهالي في الأمن والبقاء داخل قراهم. بسلام. ومن الناحية التاريخية، فإن هذه السيطرة ليست جديدة أو ملحة، بل هي امتداد لمسار طويل بدأ مع العثمانيين، عندما استخدمت العشائر المسلحة في طوروس وهكاري ضد المجتمعات المسيحية المستقرة، وانتقلت أساليب النهب والضغط والإرهاب المحلي إلى مجازر عام 1915 ومن ثم تهجير الآشوريين إلى الجزيرة السورية وإلى وادي الخابور، حيث أنشئت قرى رسمياً ضمن إطار السيادة السورية، ومُنحت الملكية الرسمية، و واجهت المجتمعات الاستبدادية قوة مسلحة خارج إطار الدولة، بينما لم يكن الاستقلال المحلي والسيادة الفعلية مسموحاً دائماً، حتى وصل الأمر إلى أحداث 2015-2026، حيث تحولت شعارات الحماية إلى واجهة، وأصبح الضغط النفسي والجسدي والاقتصادي وسيلة لإفراغ السكان من إرادتهم، مؤكداً أن الأرض التي كانت سورية منذ البداية لم تتغير، لكن من يسيطر عليها ويتخذ القرارات باسمها تغير على مر القرون؛ من طائفة الحميدية العثمانية (الوثائق القنصلية الفرنسية والألمانية، 1891-1896) إلى تنظيم حزب العمال الكردستاني، وصولاً إلى قوات سوريا الديمقراطية اليوم، تاركين الآشوريين المسيحيين ضحايا مستمرين على هذه الأرض منذ قرن وأكثر، محاصرين بين إرث العنف التاريخي والواقع الحالي لأدوات السيطرة الأجنبية على سيادتهم وحقهم في البقاء داخل قراهم.




