اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-21 23:28:00
وليس بالضرورة أن يكون احتلال إسرائيل للدول العربية ماديا، كما حدث مع بقية أراضي فلسطين والجولان السوري وسيناء المصرية ومزارع شبعا وتلال كفر شوبا اللبنانية في الماضي. بل قد يكون الاحتلال عبر وسائل أخرى مختلفة، كما خطط له لاحقاً. واستطاعت إسرائيل، بعد ذلك الاحتلال، التغلغل في الدول العربية عبر سياسة التطبيع التي لم تتوقف عند الحدود السياسية أو الأمنية فحسب، بل امتدت إلى المجال الاقتصادي، ولا تزال إسرائيل مستمرة في جهود توسيعها أو ترسيمها مع دول عربية أخرى، رغم استمرارها في تشديد سيطرتها على فلسطين وإنكار الحق الفلسطيني المشروع. تتقاطع استراتيجيات إسرائيل في التعامل مع قضايا إيران وغزة ولبنان في إطار متكامل لا يتوقف عن تحديد أهدافها السابقة، تستكمل من خلاله تحييد أي معارضة أو تمرد في المنطقة. وتتشابه استراتيجيات الولايات المتحدة وإسرائيل في التعامل مع الجبهات الثلاث، الإيرانية، والفلسطينية، واللبنانية، لتحقيق هدف واحد، وهو القضاء على أي معارضة سياسية متبقية لإسرائيل في المنطقة، وأي قوة مادية قد تواجهها في المستقبل. وبينما تعقد هدنة مع إيران، فإنها تواصل الضغوط الاقتصادية والسياسية، وتسعى إلى تحقيق تقدم في المفاوضات لصالحها تحت ضغوط تتعلق بشكل أساسي بسلاح إيران وقوتها المستقبلية. وبينما تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، فإن استهداف أهل غزة وقتلهم وحصارهم مستمر من قبل الاحتلال، الذي يواصل الضغط على حماس في المفاوضات لنزع سلاحها بالكامل. وعلى الرغم من الاتفاق الإسرائيلي اللبناني على وقف إطلاق النار، إلا أن هذا الاتفاق ظل شكلياً، تماماً كما يحدث في غزة. ويواصل جيش الاحتلال استهداف المدنيين والقرى والمدن في جنوب لبنان، ويستخدم المفاوضات مع الحكومة اللبنانية للضغط عليها لنزع سلاح حزب الله. إن أهداف إسرائيل في المنطقة ليست جديدة، رغم أن استراتيجيات تحقيقها تغيرت تبعاً للظروف والتطورات على الأرض. وعندما احتلت إسرائيل بقية الأراضي الفلسطينية عام 1967، وبدأت في وضع خطط لإحكام سيطرتها على أرض الفلسطينيين وإخضاعهم، عملت في وقت واحد على القضاء على قوة ومقاومة الفلسطينيين لأهدافها في الخارج، واحتواء المعارضة والرفض العربي لاحتلالها وسيطرتها على فلسطين. وحاولت إسرائيل بعد احتلال عام 1967 تجريد الضفة الغربية وقطاع غزة من صفة السيادة، بحجة أن المنطقتين كانتا خاضعتين لسلطة أردنية ومصرية قبل الاحتلال، ولم تكن فلسطينية، وأن حدود 1949 كانت مجرد خطوط هدنة وليست حدودا نهائية، ولم تعترف باحتلالها لفلسطين. وفي ظل حالة الاحتلال العسكري المعترف بها قانونيا ودوليا، وضعت إسرائيل عمليا خططا متكاملة للتوسع الاستيطاني تؤدي إلى التغيير الجغرافي، ونقل المستوطنين اليهود إلى المستوطنات، لخلق حالة من التغيير الديمغرافي. ففي مفاوضات كامب ديفيد الأولى في عام 1978، اقترحت إنشاء ترتيب للحكم الذاتي الفلسطيني المحدود، من دون سيادة، من خلال إنشاء سلطة حكم ذاتي منتخبة في الضفة الغربية وغزة ضمن مرحلة انتقالية. تكشف هذه المعطيات السابقة رؤية إسرائيل وأهدافها وخططها في الأراضي الفلسطينية، وتجسد تصرفاتها واستراتيجياتها وسياساتها ذلك. ولم تخرج اتفاقات أوسلو عام 1993 عن تلك الرؤية، التي أفرزت سلطة فلسطينية انتقالية تدير شؤون الضفة الغربية وغزة، مع تأجيل كافة قضايا الحل النهائي، ودون تراجع عن سياسة الاحتلال بتغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي. ولم يتبع انسحاب إسرائيل من غزة وبعض المناطق في شمال الضفة الغربية عام 2005 هذا النهج، إذ اعتبرته الحكومة الإسرائيلية “تقليل الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين”. وفي مفاوضات كامب ديفيد الثانية 1999-2000، والتي جاءت كاستحقاق بموجب اتفاقيات أوسلو للبت في قضايا الوضع النهائي، أكد صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، أن ما عرضته إسرائيل لا يفي بالحد الأدنى من متطلبات إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. ومنذ العام 2000، بدأت إسرائيل بوضع شروط مستحيلة على الفلسطينيين لقبول مواصلة المفاوضات معهم، وأهمها الاعتراف بالدولة اليهودية. بعد الانتفاضة الثانية، جاءت تحفظات إسرائيل الأربعة عشر على خريطة الطريق لعام 2003 لإعادة السيطرة الأمنية ورؤية لدولة فلسطينية مؤقتة منزوعة السلاح ذات سيادة محدودة، مع سيطرة إسرائيلية كاملة على الحدود والمعابر والمجال الجوي والبحر. وبعد الانقسام عام 2007، استخدمته إسرائيل للتشكيك في التمثيل الفلسطيني وتقويض رؤية التفاوض برمتها، لترسيخ الواقع الانتقالي الفلسطيني وتحويله إلى وضع دائم. وهو الوضع الذي تسعى بكل إصرار إلى الحفاظ عليه، حتى بعد حربها الأخيرة وتدمير قطاع غزة، من خلال تعيين حكومة فلسطينية لا تنتمي إلى السلطة الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، سعت إسرائيل إلى إبعاد الدول المحيطة بفلسطين عن الانخراط في القضية الفلسطينية، وتحويل التعامل مع تلك الدول إلى ملفات منفصلة. اختارت إسرائيل شن الحرب على لبنان عام 1982 بهدف القضاء على الهجمات الفلسطينية والوجود الفلسطيني المسلح على الحدود الجنوبية للبنان. وبعد انسحابها، حافظت على سيطرتها على شريط أمني حدودي من داخل لبنان. بينما ترسخت حالة من الهدوء على مدى عقود على الجبهة السورية عام 1974، من خلال اتفاق فصل القوات وفرض مناطق عازلة تحت إشراف دولي، رغم احتلالها لمرتفعات الجولان منذ عام 1967، وضمها لاحقاً. في المقابل، حققت إسرائيل مكاسب استراتيجية كبرى من السلام مع مصر عام 1979، بإخراج أكبر جيش عربي من دائرة الحرب معها، مقابل إنهاء احتلالها لسيناء، والسيطرة على قواعد أمنية على حدودها، وترسيخ أولى مظاهر التطبيع السياسي والاقتصادي العربي الرسمي، رغم استمرار احتلال فلسطين. فالسلام المعلن مع الأردن عام 1994، والذي جاء في أعقاب اتفاق أوسلو للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أضعف تأثير المقاطعة العربية، وعزز الشراكة الأمنية العامة والاقتصادية الرسمية مع الأردن، وحقق استقرارا أكبر على الجبهة الشرقية التي تمثل أطول شريط حدودي لها. وفي عام 2020، عملت الإدارة الأميركية، بقيادة دونالد ترامب، على توسيع قاعدة التطبيع والتعاون العربي الرسمي المعلن مع إسرائيل، عبر اتفاقيات إبراهيم، بالجزرة أو الترهيب، والمكافآت الاقتصادية والسياسية. فالاستراتيجية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر، بعد نجاحها في مرحلة سابقة في تحييد دول الطوق وتوسيع حالة التطبيع، تجاوزت حدود تلك الدول. وهي تسعى اليوم إلى تحييد محاور التهديد في إيران وغزة ولبنان وسوريا، التي تشكل آخر عائق أمامها إقليميا، خاصة بعد أن حققت تقدما هائلا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي إيران، لا تسعى إسرائيل إلى تدمير قدرات إيران النووية فحسب، بل تسعى أيضاً إلى إبقاء طهران تحت ضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية طويلة الأمد، أو تغيير النظام. وتعتبر إسرائيل إيران مركزا لإنتاج التهديدات. منذ الثورة الإيرانية، اعتمدت طهران خطاب “تصدير الثورة” ودعم “المظلومين”، وهو ما تُرجم إلى دعم عملي لحلفائها في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن. ولذلك ترى إسرائيل أن التهديد الإيراني لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يشمل البنية الإقليمية التي أسست فيها إيران قوتها، وهدفها تحييد التهديد الوجودي والوشيك، على حد تعبيرها، والمتمثل في البرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وقدرة إيران على الهجوم عبر وكلائها. وفي غزة، تعمل إسرائيل على تحويل استراتيجيتها من الاحتواء والردع إلى إعادة هندسة القطاع. ومن خلال الإبقاء على وقف إطلاق نار خامل لا يؤدي إلى استئناف حرب شاملة، فهو يحافظ على حالة الحصار، ويضعف البنية الأمنية والإدارية لحماس، ويؤخر إعادة الإعمار، ويربط مستقبل القطاع بترتيبات وإدارة مفروضة، تحت إشراف أمني إسرائيلي. وذكر نتنياهو أن إسرائيل ستحافظ على “المسؤولية الأمنية العامة” في غزة “لفترة غير محددة”، وارتبطت خطته “لليوم التالي” بإقامة إدارة محلية غير مرتبطة بالسلطة الفلسطينية أو حماس. ويفسر ذلك إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية للقطاع، بما لا يسمح بالعودة المسلحة لحماس أو أي جهة أخرى، والتبعية الأمنية الكاملة للقطاع. وفي لبنان، تواصل إسرائيل استهداف حزب الله، وتسير في الوقت نفسه على مسار تفاوضي يهدف إلى نزع سلاح الحزب، ومن ثم ترتيب العلاقة مع لبنان. واعتبر نتنياهو أن إسرائيل لن تقبل العودة إلى واقع ما قبل الحرب، وأن المطلوب هو إخراج حزب الله بشكل كامل من الحدود، وهو ما يعني إنهاء الوجود العسكري للحزب جنوب نهر الليطاني. وكانت إسرائيل قد فشلت في تحييد الجبهة اللبنانية، بعد القضاء على الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان عام 1982، بعد ظهور حزب الله مسلحا في الجنوب، وظل الحزب يشكل التهديد الأمني الأكبر وربما الوحيد لإسرائيل من بين دول التطويق الأخرى. ولذلك، لا يبدو أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية في لبنان تقتصر على إضعاف حزب الله عسكرياً وضمان جنوب منزوع السلاح. بل إنها تتجه نحو دعم الدولة مركزياً، بحيث تصبح أقل ارتباطاً بإيران وأكثر قدرة على الاندماج في ترتيبات إقليمية أوسع. وهذان عنصران متكاملان من وجهة النظر الإسرائيلية. وفي سوريا، بعد سقوط نظام الأسد، لم تتعامل إسرائيل معه باعتباره عدواً تقليدياً فحسب، بل أيضاً باعتباره فراغاً استراتيجياً، فافرضت منع إعادة تشكيله كجبهة شمالية مرتبطة بإيران أو حزب الله. ودمرت القدرات العسكرية الهجومية والدفاعية النظامية، وأنشأت مواقع في عمق سوريا، وأنشأت مناطق عازلة دون تحديد مدة هذا الوجود أو حدوده. وأوضح نتنياهو ذلك بالقول إن سياسته تقوم على نزع السلاح في المنطقة الممتدة جنوب دمشق، من الجولان إلى جبل الدروز، ولن يسمح بوجود قوات تابعة للحكومة السورية الجديدة أو أي كيان مسلح آخر. وتستخدم إسرائيل حماية الأقليات الدرزية كجزء من إضفاء الشرعية على تدخلها في جنوب سوريا. وعملت إسرائيل منذ عام 2011، في ظل ضعف الدولة السورية، على مكافحة تموضع إيران وحزب الله في سوريا ونقل الأسلحة إلى لبنان، فيما عرف باستراتيجية “المعركة بين الحروب”. وعلى الرغم من ذلك، تتحول سوريا إلى ساحة للتنافس الإسرائيلي التركي غير المباشر، في ظل تضارب المصالح بينهما. تريد تركيا حكومة سورية مركزية قادرة على السيطرة على الأكراد، وإعادة اللاجئين، والحد من الفوضى، بينما تبحث إسرائيل عن حكومة ضعيفة تضمن بقاء جنوب سوريا منزوع السلاح، والقدرة على التدخل عند الحاجة، ومنع عودة إيران وحزب الله. ويبدو أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية هي استمرار معدل لاستراتيجية ما بعد 1967، القائمة على تفكيك الجبهات، ومنع ترابطها، وتحويل كل محور إلى ملف منفصل يمكن استنفاده أو احتواؤه أو إخضاعه، لتحقيق الهدف الأساسي المتمثل في فصل الملف الفلسطيني عن سياقه العربي والإقليمي، وتحييد الجبهات الأخرى، والبقاء القطب الأقوى في المنطقة. لقد أثبتت التجربة التاريخية، على مدى عقود طويلة، أن إسرائيل تشكل مصدر اضطراب لدول وشعوب المنطقة. ورغم ذلك فقد نجحت، تدريجياً وتراكمياً، في إحراز تقدم نحو تحقيق أهدافها، لكنها لم تحققها بعد. وضوح هذه الأهداف الإسرائيلية اليوم قد يكون حافزاً للعمل على ردعها وإفشالها، خاصة في إطار التعاون الإقليمي المتكامل الذي يحقق المصالح والأمن والاستقرار والازدهار.




