اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-15 16:12:00
في كل عام، ومع اقتراب الخامس عشر من مايو/أيار، تعود فلسطين إلى واجهة الذاكرة العالمية كجرح مفتوح منذ عام 1948. وتتجدد صور التهجير والمجازر وتدمير القرى الفلسطينية واقتلاع الأهالي من أرضهم، تحت عنوان بات راسخا في الخطاب السياسي والإعلامي: “النكبة”. لكن السؤال الذي يستحق النقاش اليوم هو: هل ما زال هذا التعبير وحده قادراً على التعبير عن طبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها الشعب الفلسطيني؟ هل يخدم الوعي التحرري الفلسطيني والعربي والدولي، أم أنه حصر القضية الفلسطينية في إطار المأساة والضحية والكارثة الإنسانية؟ ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل المفهوم السياسي والنضالي الذي تبنته القوى الثورية الفلسطينية بعد انطلاق العمل الفدائي المعاصر في ستينيات القرن الماضي، والذي سمي بـ”يوم النضال الفلسطيني”، إلى جانب شعار “أسبوع التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني وحقوقه غير القابلة للتصرف”. ولم تكن هذه التسميات مجرد استبدال لغوي، بل كانت تعبيرا عن تحول تاريخي في الوعي الذاتي للشعب الفلسطيني، من موقف الضحية المنكوبة إلى موقف الشعب المكافح الذي يخوض حرب الشعب الطويلة ومعركة التحرير والعودة. وهنا يمكن أن نتوقف عند الجذور الفكرية لمصطلح “النكبة” نفسه. عندما صاغ المفكر العربي السوري قسطنطين زريق هذا المصطلح في كتابه الشهير “معنى النكبة” عام 1948، لم يقصد فقط ما حدث للشعب الفلسطيني، بل كان يتحدث عن “نكبة العرب في فلسطين”، أي عن الهزيمة التاريخية والسياسية والحضارية التي مني بها النظام العربي الرسمي والنخب العربية آنذاك أمام المشروع الصهيوني والاستعمار الغربي. ومن هذه الزاوية فقد كان زريق على حق وصواب في وصفه. ولم تكن النكبة مجرد خسارة للأرض، بل كانت تعبيرا عن عجز عربي شامل سمح بقيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وتشريد أهلها. لكن الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، سعت إلى تجاوز حالة “النكبة” كرمز للهزيمة، نحو إعادة تعريف الفلسطيني كحامل لمشروع المقاومة والتحرير، وليس مجرد ضحية لكارثة تاريخية. ومن هنا تم التركيز على مفهوم “يوم النضال الفلسطيني” كتعبير عن الانتقال من زمن الهزيمة إلى زمن العمل النضالي والمبادرة التاريخية. أدركت الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة في نهضتها الثورية بعد هزيمة 1967، أن تحويل فلسطين إلى “النكبة” وحده يحمل في طياته خطرا سياسيا وأخلاقيا. النكبة هي وصف لحدث تاريخي وقع عام 1948، في حين أن فلسطين قضية مستمرة وصراع مفتوح مع المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. ولذلك كان التركيز على تحويل 15 أيار/مايو إلى مناسبة للحراك السياسي والشعبي والثوري، بما يؤكد أن الشعب الفلسطيني لم ينهزم ولم ينهزم، بل أعاد تنظيم نفسه في مخيمات اللاجئين، وفي ساحات المقاومة، وفي الحركات الطلابية والعمالية والفدائية، ليصبح فاعلاً تاريخياً يناضل من أجل التحرر. ومن يقرأ الأدب الثوري، والفكر السياسي الفلسطيني، وأدب تنظيمات العمل الفدائي خلال نشوء الثورة الفلسطينية المعاصرة، يجد أن يوم 15 أيار/مايو لم يكن مجرد “ذكرى النكبة”، بل مناسبة عالمية تسمى “أسبوع التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني وحقوقه غير القابلة للتصرف”. وقد ارتبط هذا المفهوم برؤية فلسطينية وعربية ودولية تعتبر فلسطين قضية تحرر وطني وإنساني شامل، وليست مجرد قضية إنسانية مرتبطة باللاجئين أو نتائج الحرب. لكن هذا المفهوم بدأ يتراجع تدريجيا مع صعود مشروع التسوية السياسية، والانتقال من خطاب التحرير الشامل إلى خطاب “الدولة الفلسطينية” ضمن شروط النظام الدولي القائم. وفي هذا السياق، تم تحديد يوم 29 نوفمبر، الذكرى السنوية لقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، باعتباره “اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني”. والمفارقة هنا أن هذا التاريخ لا يرتبط بإرادة الشعب الفلسطيني أو كفاحه، بل بقرار دولي شرّع تقسيم فلسطين، ومنح الحركة الصهيونية الاعتراف الدولي بإقامة كيان استعماري على أرض فلسطين التاريخية. ولذلك فإن إعادة يوم 15 أيار/مايو “يوم النضال الفلسطيني” يعني أيضاً استعادة البوصلة السياسية التي تربط التضامن العالمي بفكرة التحرير والعودة، وليس بمنطق الفرقة والاستيطان. الفرق بين التعبيرين ليس شكليا. “النكبة” تشير إلى الكارثة والانكسار، بينما “يوم النضال الفلسطيني” يشير إلى المقاومة والاستمرارية والإرادة الشعبية. يركز الأول على ما فعله الاستعمار بالشعب الفلسطيني، بينما يركز الثاني على ما يفعله الفلسطينيون في مواجهة الاستعمار واقتلاع جذوره. هناك فرق عميق بين الخطابين في بناء الوعي السياسي، خاصة لدى الأجيال الجديدة في فلسطين والشتات. وهذا لا يعني إلغاء وصف النكبة أو التقليل من أهميتها التاريخية، بل إعادتها إلى سياقها الصحيح. النكبة ليست ذاكرة ثابتة انتهت عام 1948، بل هي عملية استعمارية مستمرة منذ أكثر من سبعة عقود. لكن مواجهة هذه الكارثة المستمرة لا تكون فقط من خلال البكاء على الماضي أو تذكر مشاهد اللجوء، بل من خلال تسليط الضوء على مسيرة المقاومة الشعبية والمسلحة، وصمود الأسرى، وانتفاضات الشعب، وتمسك اللاجئين بحق العودة، وتصاعد التضامن الدولي مع فلسطين. كما أن إعادة استخدام اسم “يوم النضال الفلسطيني” يحمل اليوم أهمية سياسية مهمة في مواجهة محاولات تصفية القضية الفلسطينية وتحويلها إلى مجرد قضية إنسانية أو إغاثية. القضية الفلسطينية ليست أزمة لاجئين تحتاج إلى مساعدات، بل هي قضية شعب يخوض معركة تحرير وطني ضد مشروع استعماري بديل تدعمه القوى الإمبريالية الغربية. ولذلك فإن اللغة المستخدمة لوصف القضية ليست قضية ثانوية؛ إنها جزء من معركة الوعي والسرد التاريخي. كما أن استعادة مفهوم “أسبوع التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني وحقوقه غير القابلة للتصرف” تؤكد من جديد البعد الدولي للقضية الفلسطينية. ولم تكن فلسطين قط قضية محلية أو إنسانية معزولة، بل كانت دائما رمزا عالميا لمواجهة الاستعمار والعنصرية والهيمنة. ارتبطت الثورة الفلسطينية تاريخيا بحركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وبنضالات الشعوب ضد الفصل العنصري والاستعمار والاحتلال. في ظل التحولات التي تشهدها اليوم، وصعود حركات التضامن الشعبية العالمية مع فلسطين، واستعادة شعار “من النهر إلى البحر”، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقديم يوم 15 مايو/أيار باعتباره يوم النضال والمواجهة والتعبئة الشعبية العالمية، وليس مجرد مناسبة للبكاء على المأساة. إن الشعب الفلسطيني، رغم المجازر والحصار والإبادة والتهجير، ما زال يقاوم، وما زالت فلسطين تنتج أشكالاً جديدة من الصمود والنضال. إن استعادة اسم “يوم النضال الفلسطيني” و”تحرير فلسطين من النهر إلى البحر” ليس مجرد حنين إلى أدبيات الثورة الفلسطينية في السبعينيات، بل هو محاولة لإعادة ربط الحاضر بجذور مشروع التحرير الفلسطيني، وإعادة تأهيل فكرة أن فلسطين ليست قضية ذاكرة فحسب، بل قضية مستقبل أيضا. مستقبل يصنعه النضال الشعبي والمقاومة والتنظيم والإرادة الجماعية، وليس الاستسلام لمنطق الهزيمة الدائمة. ولذلك ينبغي تقديم يوم 15 مايو/أيار باعتباره يوماً لتجديد العهد مع فلسطين والعودة والتحرير، ويوماً للتأكيد على أن النكبة لم تنه الشعب الفلسطيني، بل أطلقت واحدة من أطول حركات التحرر الوطني في العصر الحديث.



