اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-22 05:46:00
مركز المعلومات الفلسطيني لم يعد الزواج في قطاع غزة مجرد قرار شخصي أو محطة طبيعية في حياة الشباب. بل تحولت إلى معادلة اقتصادية واجتماعية معقدة تسيطر عليها تداعيات الحرب الدائرة والانهيار الواسع الذي طالت مختلف القطاعات. بين أزمة السكن الخانقة وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة وتجهيزات المنزل، يجد آلاف الشباب أنفسهم غير قادرين على تحقيق أبسط المتطلبات الأساسية لتكوين أسرة، ما يجعل حلم الزواج مؤجلاً إلى أجل غير معروف بالنسبة للكثيرين. أزمة السكن: في قلب هذه الأزمة، يواجه الشاب حمزة البيوك واقعاً يزداد قسوة يوماً بعد يوم. وبعد أشهر من خطوبته، لم يعد يطمح إلى أكثر من غرفة صغيرة مع زوجته، لكن هذا المطلب البسيط أصبح من الصعب تحقيقه في ظل أزمة السكن الحادة التي يعاني منها القطاع. يقول البيوك: “لم تعد المشكلة في قلة الإمكانيات، بل في غياب كل شيء، فلا مواد بناء متوفرة ولا خيارات حقيقية للسكن”. وتفاقمت أزمة السكن بشكل غير مسبوق نتيجة تدمير آلاف الوحدات السكنية ومنع دخول مواد البناء، ما أدى إلى اختناق شديد في سوق العقارات وارتفاع قياسي في أسعار الإيجارات. وتتراوح تكلفة استئجار شقة متواضعة بين 1000 و1500 شيكل شهريا، في وقت تراجع دخل الأسرة بشكل كبير أو اختفى تماما. ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند السكن، بل امتدت إلى سوق الأثاث والمستلزمات المنزلية، حيث شهدت أسعار الأثاث المستعمل ارتفاعات كبيرة. ويوضح البيوك أن سعر غرفة النوم المستعملة يتجاوز الـ 10 آلاف شيكل، ما يدفع الكثير من الشباب إلى تخفيض متطلبات الزواج إلى الحد الأدنى الممكن أو تأجيله إلى أجل غير مسمى. وفي محاولة للتكيف مع هذه الظروف القاسية، اضطر البيوم إلى إنشاء مأوى مؤقت مصنوع من البلاستيك والقطران فوق منزل عائلته. كما لجأ إلى شراء المستلزمات الجاهزة بأسعار مرتفعة بسبب غياب المواد الأولية، ومن بينها حوض المنيوم الذي وصل سعره إلى نحو 1200 شيكل. ولا تقتصر الضغوط على السكن والتجهيزات المنزلية فقط، بل تمتد إلى شكل حفل الزواج نفسه. يقول الشاب أشرف أبو عيسى، المقبل على الزواج، إنه اضطر إلى تقليل النفقات والتخلي عن الكثير من المظاهر التقليدية المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية، كالحفلات الكبيرة والولائم. ورغم ذلك، لم يكن بالإمكان الاستغناء عن الحد الأدنى من الاحتفال، حيث أقام أبو عيسى حفل زفاف متواضع في إحدى قاعات الأفراح بكلفة ما يقارب ألفي شيكل، بهدف توفير الظروف المناسبة في ظل انقطاع الكهرباء وغياب الخدمات الأساسية. لكن المفارقة المؤلمة تبدأ بعد انتهاء الحفل، حيث يجد العديد من الأزواج أنفسهم أمام واقع معيشي هش، قد يصل إلى حد الإقامة في خيام أو مساكن مؤقتة تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار، في مشهد يجسد الفجوة بين فرحة البداية وقسوة الحياة اليومية. كما طالت التغييرات العناصر الأساسية المرتبطة بالزواج، مثل المهور والذهب. ويشير أبو عيسى إلى أن قيمة المهور انخفضت في بعض الأحيان إلى نحو 1500 دينار، فيما تراجع الإقبال على شراء الذهب نتيجة ارتفاع أسعاره، في انعكاس واضح للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها الحرب. صدمة اقتصادية متعددة الأبعاد. من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي خالد أبو عامر أن ما تشهده غزة يتجاوز حدود أزمة السكن التقليدية، ويصل إلى مستوى “صدمة اقتصادية متعددة الأبعاد” تضرب المجتمع والسوق في الوقت نفسه. وقال أبو عامر في تصريح صحفي، إن شلل قطاع البناء بسبب منع دخول المواد الأولية أدى إلى تراجع حاد في المعروض من المساكن مقابل زيادة الطلب، ما خلق بيئة تضخمية انعكست بشكل مباشر على أسعار الإيجارات وتكاليف المعيشة بشكل عام. ويضيف أن ارتفاع تكاليف الزواج يعكس تآكل القدرة الشرائية وغياب مصادر الدخل، مما يضطر الشباب إلى اتخاذ خيارات قسرية تتراوح بين تأجيل الزواج أو القبول بظروف معيشية غير مستقرة. وحذر أبو عامر من أن استمرار هذا الواقع قد تكون له آثار اجتماعية بعيدة المدى، منها ارتفاع سن الزواج، وزيادة الضغوط الاجتماعية والنفسية، وتراجع مستويات الاستقرار الأسري، مؤكدا أن معالجة الأزمة تتطلب تدخلات عاجلة لتنشيط الاقتصاد، وفتح مسارات إعادة الإعمار، وتوفير مقومات الحياة الأساسية للسكان. تداعيات اجتماعية ونفسية: بدوره يرى عالم الاجتماع د. عبد الله الخطيب أن أزمة الزواج في قطاع غزة لم تعد مرتبطة بالجانب الاقتصادي فقط، بل أصبحت قضية اجتماعية ونفسية تؤثر بشكل مباشر على بنية المجتمع الفلسطيني. ويؤكد الخطيب لمراسلتنا أن تأجيل الزواج أو إجبار الأزواج على العيش في ظروف غير مستقرة ينعكس سلباً على شعور الشباب بالأمن والاستقرار، ويزيد من مستويات القلق والإحباط لديهم، خاصة في ظل عدم وجود أفق واضح لتحسين الظروف المعيشية. ويضيف أن الحرب وما خلفته من دمار وتهجير وفقدان مصادر الدخل، دفعت العديد من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وهو ما انعكس على عادات وتقاليد الزواج، سواء على مستوى المهور، أو حجم الاحتفالات، أو متطلبات إنشاء المسكن. وينبه الخطيب إلى أن استمرار هذه الأوضاع لفترات طويلة قد يؤدي إلى تغيرات اجتماعية عميقة، أبرزها ارتفاع معدلات تأخر الزواج وتراجع فرص الاستقرار الأسري، وهو ما يتطلب برامج دعم اجتماعي واقتصادي تستهدف فئة الشباب ومساعدتهم على التغلب على هذه التحديات. وفي ظل استمرار الحرب وتعثر جهود إعادة الإعمار، يظل الزواج في غزة أحد الأحلام التي تصطدم بالواقع الاقتصادي والمعيشي القاسي، إذ لا يواجه الشباب تحديات بناء الأسرة فحسب، بل يخوضون معركة يومية من أجل تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة والاستقرار، في وقت تتسع فيه الفجوة بين تطلعاتهم المشروعة وإمكانيات الواقع الذي تفرضه الحرب.




