اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-07 09:18:00
خاص للمركز الفلسطيني للإعلام: عندما ينجو طفل من قصف إسرائيلي على غزة، فهذا لا يعني أنه خرج سالماً. ربما يظل على قيد الحياة، لكن العالم الذي يعرفه: المنزل، والمدرسة، والحي، وصوت الأم في الصباح، ووقت اللعب، قد تحطم مرة واحدة. هذا هو تأثير الحرب على أطفال غزة: ليس حدثاً عابراً في الأخبار، بل مسار يومي من الألم والخوف والاقتلاع والتوقع القاسي لمجهول لا يرحم. إن تأثير الحرب على أطفال غزة يتجاوز لحظة القصف. إن القراءة السطحية تختصر معاناة الطفل إلى مجرد رؤية الدم والركام، لكن الحقيقة أوسع وأشد قسوة. فالعدوان الإسرائيلي لا يضرب الجسد فحسب، بل يضرب أيضا الشعور الأساسي بالأمن. الطفل الذي ينام على صوت طائرات الاحتلال لم يعد يعتبر الليل وقت راحة، بل وقت موت محتمل. فالطفل الذي يرى منزله يتحول إلى ركام لا يفقد الجدران فحسب، بل يفقد أيضًا معنى الاستقرار نفسه. وفي غزة، لا يعتبر الأطفال العدوان الإسرائيلي استثناءً. الكثير منهم ولدوا تحت الحصار، ونشأوا بين جولات العدوان المتكررة، وانقطاع التيار الكهربائي، ونقص المياه، وأزمات العلاج، والتهديد المستمر. ولذلك فإن تأثير العدوان هنا معقد. إن تأثير الحدث المباشر، وتأثير التراكم الطويل هو الذي يجعل الطفولة نفسها محاصرة. ومن بين أكثر من 72 ألف شهيد في حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، استشهد أكثر من 21500 طفل، وأصيب أكثر من 41 ألف آخرين، فيما لا يزال أكثر من 8100 مواطن، بينهم أطفال ونساء، مفقودين تحت الأنقاض وعلى الطرق. الصدمة النفسية – إصابة غير مرئية بالعين. وأخطر ما في العدوان على الأطفال هو أن جراحه النفسية لا يمكن اكتشافها بسهولة مثل الجروح الجسدية. قد يبدو الطفل صامتاً، لكنه في الداخل يرتجف باستمرار. قد ينجو من إحدى الغارات، ثم بعد بضعة أيام يبدأ يعاني من التبول اللاإرادي، أو فقدان مؤقت للنطق، أو نوبات هلع، أو خوف من الانفصال عن أمه، أو عدم القدرة على النوم. هذه ليست ردود فعل هامشية. إنها علامات الصدمة العميقة. يفقد الطفل في ظروف الحرب القدرة على توقع ما سيحدث، وعندما ينخفض التوقع يسقط معه الإحساس بالسيطرة. وينعكس ذلك في السلوك والعاطفة والتركيز والعلاقات داخل الأسرة. يصبح بعض الأطفال أكثر عدوانية، وبعضهم ينسحب إلى الداخل تمامًا، وبعضهم يبدو أكبر من عمره لأنه أُجبر على النضوج قبل الأوان تحت النار. كشفت دراسة أجراها مركز متخصص في الصحة النفسية في قطاع غزة، أن 96% من أطفال القطاع يشعرون بأن الموت بات وشيكاً، بينما يظهر 87% من الأطفال خوفاً شديداً، فيما يعاني 79% منهم من الكوابيس. وأظهرت الدراسة، التي أعدها المركز الفلسطيني للتدريب المجتمعي وإدارة الأزمات، بدعم من “ائتلاف أطفال الحرب”، أن أكثر من عام من التهجير والقصف المستمر، ترك الأطفال الأكثر ضعفا في قطاع غزة يعانون من أزمات نفسية حادة، واقتربت أسرهم من الانهيار. وشملت الدراسة مقابلات مع 504 عائلات، من بينهم أطفال من ذوي الإعاقة أو الإصابات أو المنفصلين عن ذويهم، وتوصلت إلى نتائج مروعة فيما يتعلق بالصحة النفسية للأطفال في القطاع. وبحسب الخبراء، فإن الدعم النفسي في غزة يعمل تحت ضغط هائل، موضحين أنه عندما تكون الأسر نفسها مبتلاة، ويتم استهداف المراكز الصحية أو إرهاقها، يصبح الوصول إلى الرعاية النفسية محدودا. وحتى عندما تكون مبادرات الدعم متاحة، فإن استمرار القصف أو النزوح يبدد تأثيرها. لا يمكن علاج الصدمة بينما لا يزال مصدر الصدمة موجودا. والجسد أيضاً يدفع الثمن. الحرب على أطفال غزة ليست مجرد قضية نفسية. هناك أطفال يستشهدون بشكل مباشر، وأطفال يصابون بإعاقة دائمة، وأطفال تتفاقم أمراضهم بسبب انقطاع العلاج، أو نفاذ الأدوية، أو استحالة الوصول إلى المستشفى. وهنا يظهر وجه آخر للعدوان: ليس فقط ما تفعله القذيفة عندما تسقط، بل ما يفعله الحصار عندما يخنق أبسط شروط البقاء. وبحسب التقارير الرسمية، يتم يوميا تشخيص 15 طفلا بإعاقات دائمة بسبب استخدام الاحتلال للأسلحة المتفجرة المحرمة دوليا، كما بلغ عدد حالات الأطفال المبتورة 864، فيما بلغت حالات إصابات الدماغ والنخاع الشوكي 1268 طفلا، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي. وسوء التغذية مثال واضح على ذلك. إن الطفل الذي لا يحصل على تغذية كافية ومتوازنة لا يتعرض للجوع اللحظي فحسب، بل يتعرض أيضًا لتأخر النمو وضعف المناعة ومشاكل في التركيز والتعلم. وفي بيئة تكثر فيها موجات النزوح، يصبح تأمين الحليب والدواء والمياه النظيفة مسألة يومية صعبة، خاصة بالنسبة للرضع والشباب. كما أن الإعاقة في ظروف الحرب لا تنتهي عند الإصابة نفسها. يحتاج الطفل الذي يفقد أحد أطرافه أو يعاني من حروق أو إصابة في العمود الفقري إلى إعادة تأهيل طويلة وأجهزة مساعدة ومتابعة طبية وبيئة مناسبة. وفي غزة، غالباً ما تتحول هذه الاحتياجات إلى معركة إضافية بسبب الدمار ونقص الإمكانيات واستمرار الإغلاق. المدرسة ليست مجرد مبنى. عندما يتم قصف المدارس أو إغلاقها أو تحويلها إلى ملاجئ، فإن الخسارة لا تقتصر على توقف الدروس. المدرسة بالنسبة للطفل مكان نظام، ومكان اجتماع، وإطار يقلل من الفوضى. ولذلك فإن تدمير العملية التعليمية يضرب أحد أهم العوائق التي تحول دون انهيار الحياة اليومية بشكل كامل. تؤدي الانقطاعات المتكررة للتعليم في غزة إلى خلق فجوة عميقة. يفقد بعض الأطفال شهورًا أو سنوات من التعلم، والبعض الآخر يتراجع بشدة بسبب الخوف والجوع والنزوح، ويتم دفع بعضهم مبكرًا إلى العمل أو تولي أدوار تتجاوز سنواتهم. وفي هذه الحالة فإن الحديث عن «التعويض التعليمي» ليس بالأمر السهل، لأن المشكلة ليست في المناهج الدراسية وحدها، بل في البيئة التي تجعل التركيز في حد ذاته ترفاً نادراً. علاوة على ذلك، في أجواء الحرب، يتعلم الطفل دروسًا قاسية قبل الأوان. ويتعلم أسماء الأسلحة قبل أسماء الأصناف، ويميز بين أصوات الطائرات بدلا من التركيز على الحروف والأرقام. وهذا في حد ذاته تشويه عنيف للمسار الطبيعي للطفولة. وتسببت الحرب في انقطاع التعليم النظامي منذ عام 2023، ورغم اعتماد وزارة التربية والتعليم مسارات تعليمية بديلة، مثل التعليم الإلكتروني المتزامن وغير المتزامن، والمدارس المؤقتة، إلا أن العديد من هؤلاء الطلاب لم يتمكنوا من تلقي تعليمهم بشكل فعال طوال هذه الفترة، بسبب عدم توفر المناطق الآمنة، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء والإنترنت، وعدم توفر الأجهزة اللازمة، مما ينذر بفجوة تعليمية تهدد مستقبل جيل كامل. الأسرة تحت الضغط – والطفل في قلب العاصفة. الأسرة في غزة ليست محصنة ضد الانهيار. عندما يفقد الأب وظيفته، أو تُقتل الأم، أو تُصاب الأخت، أو تضطر الأسرة إلى التنقل بشكل متكرر، يعيش الطفل ضمن بنية اجتماعية مرهقة ومجروحة. حتى الآباء الذين يحاولون احتواء أنفسهم قد يتعرضون أيضًا للصدمة والخسارة والعجز. وهذا لا يعني ضعف الأسر الفلسطينية، بل يكشف حجم العبء الواقع عليها. يواصل العديد من الآباء في غزة حماية أطفالهم بأدوات محدودة للغاية، وخلق مساحات من الصبر والمرونة من خلال الحد الأدنى. لكن الحقيقة الثابتة تبقى أن الحرب تستهدف النسيج العائلي نفسه. فالطفل الذي يفقد أحد الوالدين أو أكثر لا يواجه حزناً عابراً، بل يواجه تغييراً جذرياً في حياته العاطفية والاجتماعية والاقتصادية. وفي بعض الحالات، يُجبر الأطفال على لعب أدوار الكبار. قد يعتني الأخ الأكبر بإخوته، أو تبحث الطفلة مع والدتها عن الماء والطعام، أو قد يشعر الطفل بشعور دائم بأنه يجب أن يكون قويًا طوال الوقت. وهذا النضج القسري ليس بالضرورة نقطة قوة، ولكنه قد يكون جانبًا آخر من جوانب الحرمان في مرحلة الطفولة. وحرم الاحتلال الأطفال في قطاع غزة من حقهم في الإعالة والبقاء مع أسرهم. وتشير التقديرات إلى أن هناك نحو 18 ألف طفل غير مصحوبين أو منفصلين عن ذويهم في قطاع غزة، فيما بلغ عدد أيتام العدوان الإسرائيلي الأخير 55157 يتيماً، يجسد كل منهم قصة خسارة وحزن مؤثرة. أثر الحرب على أطفال غزة على الذاكرة والهوية. وليس صحيحاً أن الأطفال ينسون بسرعة كما يقال أحياناً. بعضهم يتذكر تفاصيل صغيرة بدقة مرعبة: لون الغبار بعد الانفجار، رائحة النار، الجملة الأخيرة التي قالها شهيد من العائلة، مكان اللعبة التي بقيت تحت الركام. وهذه الذكرى لا تمر مرور الكرام فحسب، بل تدخل في تكوينهم النفسي والعاطفي والسياسي. لا يتشكل الطفل الفلسطيني في غزة تحت وطأة الخوف فحسب، بل أيضاً تحت وطأة الوعي المبكر بالظلم. يرى أن منزله قد تعرض للقصف، وأن مدرسته تعطلت، وأن بقاءه غير مضمون حتى وهو نائم. ومن ثم، لديه أسئلة كبيرة حول العدالة والحقيقة والعالم. وهذا الوعي ليس تفصيلاً جانبياً، بل هو جزء من هوية جيل نشأ وهو يرى العدوان كبنية مستمرة وليس حادثة معزولة. لكن هذا لا يعني أن جميع الأطفال يستجيبون بنفس الطريقة. هناك من ينهار، وهناك من يقاوم، وهناك من يتأرجح بين الدولتين. الفكرة الأساسية هي أن الحرب تترك أثراً طويل الأمد، يتغير شكله من طفل إلى آخر، ومن مرحلة عمرية إلى أخرى. ماذا يعني هذا على المدى الطويل؟ عندما تستهدف الحرب الأطفال، فإنها لا تضرب الحاضر فحسب، بل تضرب المستقبل الاجتماعي برمته. إن الجيل الذي يعاني من الصدمة، والانقطاع التعليمي، وسوء التغذية، وفقدان الأسرة سوف يحتاج إلى سنوات عديدة حتى يستعيد بعض توازنه. وحتى هذه الاستعادة ليست مضمونة إذا استمرت نفس الأسباب. ولا تقاس المجتمعات بعدد المباني التي أعيد بناؤها فحسب، بل بقدرتها على حماية أجيالها. في غزة، يصبح الحديث عن إعادة الإعمار منقوصاً إذا تجاهل ترميم الناس، وخاصة الأطفال. القضية ليست مجرد ترميم مدرسة مدمرة، بل استعادة علاقة الطفل بالمكان، بالمستقبل، وبفكرة أن للحياة نظام ومعنى. هناك أيضًا تأثير سياسي لا يمكن تجاهله. إن الطفل الذي ينشأ في عالم يخذله باستمرار سيحمل معه هذا الإدراك. إن الصمت الدولي والانتقائية الأخلاقية والتأخير في الحماية والمساءلة لا تتجاوز وعي الناس. وحتى لو لم يعبر عنها الطفل من الناحية القانونية، فإنه يشعر بأثرها المباشر على جسده وبيته وأسرته. ما الذي يحتاجه أطفال غزة حقاً؟ إن الحديث الجاد عن أطفال غزة لا ينبغي أن يقتصر على التعبير عن التعاطف. وعليهم أولاً أن يوقفوا آلة العدوان الإسرائيلي التي تخلق المأساة يومياً. وبعد ذلك، يحتاجون إلى حماية مستدامة، ورعاية صحية حقيقية، ودعم نفسي مستمر، وتعليم مستدام، وبيئة تسمح لهم بأن يكونوا أطفالًا وليس مجرد ناجين مؤقتين. كما أنهم بحاجة إلى خطاب إعلامي وإنساني ينظر إليهم على أنهم بشر كاملون، وليس أرقامًا في التقارير الموسمية. وهذه نقطة أساسية، لأن تحويل الأطفال إلى أرقام يقلل من تأثير الجريمة على الوعي العام. أما إعادة أسمائهم وقصصهم وحقوقهم إلى الواجهة، فهو جزء من نفس المعركة من أجل الحقيقة التي خاضتها المنصات الفلسطينية، بما في ذلك مركز المعلومات الفلسطيني، على مدى سنوات عديدة من التغطية والشهادات. إن ما يحدث في غزة ليس قدراً طبيعياً، كما أنه ليس أزمة إنسانية معزولة عن الفاعل السياسي والعسكري الذي يخلقها. عندما يكون الطفل هو الهدف الأضعف والأكثر وضوحا، فإن أي محادثة صادقة تبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها: هناك طفولة تنتهك، وذاكرة تجرح، ومستقبل يعاقب لأنه فلسطيني. ويظل الأمل معقوداً على قدرة الفلسطينيين أنفسهم على التشبث بالحياة رغم الدمار، وأن تتحول مشاهدة معاناة الأطفال إلى عمل من أعمال الحماية والمساءلة، وليس مجرد أرشيف جديد للألم.




