وطن نيوز
صورة عامة لطهران تسفي باريل عدم التوصل إلى اتفاق على الإطلاق أفضل من التوقيع على اتفاق سيئ – هذا هو الشعار الذي رافق المفاوضات بين أميركا وإيران منذ البداية. ولا يخفى على أحد أن تصريحات أكثر صراحة وقسوة صدرت أيضا بشأن الاتفاق النووي الأصلي الذي تم التوقيع عليه عام 2015، والذي انسحب منه الرئيس ترامب عام 2018. ويبدو أن ترامب اليوم مستعد لدفع مبالغ ضخمة من المال من أجل التوصل إلى اتفاق مماثل للاتفاق الذي وقع عليه خصمه باراك أوباما. لكن، قبل الخوض في تفاصيل مذكرة التفاهم التي لم يتم الانتهاء من بنودها بعد، من المهم أن نتذكر أنها ليست اتفاقاً نهائياً، بل مجرد ورقة عمل تقترح عدداً من المبادئ والإجراءات التي ستبنى عليها المفاوضات، والتي ستستمر (نظرياً) ستين يوماً في إطار وقف إطلاق النار. وفي نهاية المطاف، إذا نجحت هذه المفاوضات، فسيتم التوقيع على الاتفاقية. حالياً، لم يتم الاتفاق بعد على موعد توقيع المذكرة، أو على طريقة التوقيع عن بعد، من خلال التوقيع الإلكتروني أو بشكل مباشر. ولا يوجد اتفاق على مكان التوقيع أو هوية الموقع من الطرفين. ويبدو أن القاسم المشترك البارز هو سعي الجانبين إلى نفي التقارير الإعلامية حول مضمونه، خاصة الأجزاء التي تظهر التنازلات التي يزعم أن كل طرف قدمها للوصول إلى النص النهائي. لا خلاف حول التغيرات الجذرية التي طرأت بين وثيقة الـ15 بنداً التي أرسلها ترامب إلى إيران في مارس/آذار الماضي بوساطة باكستانية -وهي وثيقة قدمها كإنذار نهائي- وبين ما هو معروف عن مذكرة التفاهم الجديدة. وبحسب ما نشر حتى الآن، لم يبق الكثير من هذه البنود بعد أن رفضتها إيران. وخلافاً للطلب الأميركي الأصلي، فمن المتوقع ألا تتم مناقشة المشروع النووي الإيراني إلا بعد فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأميركي عن الملاحة الإيرانية، والإفراج عن جزء من مليارات الدولارات المجمدة في بنوك مختلف دول العالم. أما برنامج الصواريخ الباليستية، وهو الموضوع الذي كان محور وعود ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، فمن المؤكد أنه لن يتم مناقشته في أي مرحلة. الأمر نفسه ينطبق على مسألة دعم إيران لوكلائها في العراق ولبنان واليمن. وفي هذا الصدد، فرضت إيران سلسلة من الشروط، أولها عندما هددت بتجميد المفاوضات إذا لم يتوقف إطلاق النار في لبنان، وهو التهديد الذي اعتبرته الولايات المتحدة إملاءً على إسرائيل. وبعد ذلك قررت أن يشمل وقف إطلاق النار بينها وبين الولايات المتحدة في الخليج وقف إطلاق النار في المنطقة بأكملها، بما في ذلك لبنان. ولم تنف الإدارة الأميركية هذا البند، ولم يتضح بعد ما إذا كان يشمل الانسحاب من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل في لبنان. ويبدو أن مسألة «العملاء» ستحل بإدارة الضغوط الأميركية على كل دولة على حدة، كما هو الحال في العراق ولبنان. دخلت إيران المفاوضات باستراتيجية قوية فاجأت الولايات المتحدة والعديد من المحللين. لقد حلت محل سياسة “لا مشاكل مع الجيران” التي كانت تهدف إلى تزويدها بغطاء دبلوماسي من أجل استغلال نفوذ دول الخليج على ترامب، من خلال شن هجمات واسعة النطاق عليه، وسيطرت على مضيق هرمز وحولته إلى سلاح استراتيجي قوي، وفهمت جيدا شبكة الضغوط السياسية والإقليمية التي وقع فيها ترامب. وفي الوقت نفسه، قوضت إيران الافتراضات الأمريكية بأن العمل العسكري والحصار البحري سيكونان كافيين لإسقاط النظام، وأن دول الخليج ستوافق على المشاركة المباشرة فيه. الحرب وتشكيل تحالف عسكري فعال إلى جانب الولايات المتحدة، وأن الصين ستنضم إلى الضغوط الأمريكية. وترى إيران أنها دخلت طاولة المفاوضات من موقع قوة، تمتلك أدوات ضغط استراتيجية تؤثر على الاقتصاد الإقليمي والعالمي، وهو ما اضطر الولايات المتحدة إلى اختراع تحركات تكتيكية لم تترجم إلى استراتيجية فعالة تحسم الحرب. ومن أهم النتائج التي حققتها طهران، برأيها، نجاحها في إجبار الولايات المتحدة على فصل مناقشة الملف النووي عن مناقشة مضيق هرمز. وبالتالي تحييد مخاطر الضغوط الاقتصادية المباشرة. وإذا تم الإفراج عن بعض الأموال المجمدة قبل المفاوضات النووية، فسوف يكون ذلك نجاحاً آخر، حتى لو كان أقل أهمية من فتح المضيق. إن الإدارة الحكيمة، بتحركاتها العسكرية واستغلالها الأمثل لموقعها الجيوسياسي، أنقذت إيران من معادلة «البقاء انتصار»، التي تنص على أن «إيران لا تحتاج إلا إلى عدم الخسارة حتى تنتصر»، ونقلتها إلى المرحلة الحاسمة التالية. هذه هي المرحلة التي تنوي فيها إيران أن تصبح قوة اقتصادية كبرى وقوة مؤثرة في السياسة الإقليمية. وهنا تكمن قوة الملف النووي، إذ من المفترض أن يكون بمثابة رافعة قوية. وحلها سيؤدي إلى تحرر إيران من نظام العقوبات الأميركية والدولية، وعودتها إلى سوق النفط العالمية وتدفق استثمارات بمئات المليارات من الدولارات. إن المبادئ الأساسية التي أملت المفاوضات تظل ثابتة. وبحسب البيان فإن إيران لا تنوي التخلي بشكل كامل عن المشروع النووي أو تخصيب اليورانيوم على أراضيها. وقد تجري مفاوضات صعبة حول كل بند، بدءاً بمنح الإذن بعودة مراقبي الوكالة الدولية للطاقة النووية، وتخفيض أو إزالة اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60 في المئة من أراضيها، وتفكيك أجهزة الطرد المركزي، ومستوى التخصيب المسموح لها، و”مدة” الاتفاق المعروفة بتاريخ “انتهاء الصلاحية”، وبعدها سيتم رفع القيود على التخصيب. ولكن إيران أوضحت بالفعل، ثلاث مرات على الأقل، أن القضية النووية قابلة للتفاوض وأنها ليست بالأمر الذي يمكن رفضه أو تجاهله. وجمدت إيران مشروعها النووي في عام 2003، ودخلت في مفاوضات بشأن الاتفاق النووي في عام 2009، وعرقلتها بشكل منهجي. ثم وقعت اتفاقا نوويا في عام 2015، مما حد من قدرتها بشكل كبير. ومن المهم أن نتذكر أن إيران التزمت بها لمدة عام قبل أن تبدأ تدريجياً في انتهاك بنودها. وحتى في جولات المفاوضات التي جرت قبل الحرب، وافقت إيران على عدة مبادئ، بما في ذلك استئناف عملية التفتيش، وخفض اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60 في المائة، وتجميد تخصيب اليورانيوم لمدة 3-5 سنوات (مقارنة بالـ 15-20 سنة التي طلبتها الولايات المتحدة). لكن إيران تسعى الآن بنشاط إلى تحقيق ما هو أكثر من اتفاق 2015، ومع وجود رئيس أميركي مرن بشكل استثنائي، يبدو أنها مقتنعة بقدرتها على صياغة اتفاق جديد. هآرتس 14/06/2026




