وطن نيوز
وعقدت يوم الثلاثاء الماضي قمة خليجية في جدة بالمملكة العربية السعودية، وكان من المفترض أن يكون الاجتماع اجتماعا يدعى إليه قادة الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، حيث يأملون في صياغة استراتيجية جديدة وتحديد أساليب العمل والسياسة المطلوبة للتعامل مع التهديد الإيراني. لكن كان من الصعب التوصل إلى أرضية مشتركة في هذا الاجتماع وتحديد مبادرات استراتيجية جديدة. وأوضح المتحدثون أن «سياسة الاحتواء» التي اتبعتها دول الخليج في مواجهة وابل الصواريخ والطائرات المسيرة التي تعرضت لها، لم تعد فعالة. لكن المقترحات الرئيسية للتعامل مع هذا التهديد تتلخص مرة أخرى في «جهود مشتركة تشمل أنشطة دبلوماسية إلى جانب التفوق العسكري»، ناهيك عن إنشاء نظام مشترك للإنذار المبكر لكل الدول، وإنشاء خط أنابيب مياه يربط بين الدول لمواجهة خطر الأضرار بمحطات تحلية المياه التي توفر نحو 90% من المياه الصالحة للشرب في هذه الدول. وحتى أبسط القواسم المشتركة خيم عليها غياب حاكم الإمارات محمد بن زايد الذي اكتفى بإرسال وزير خارجيته عبد الله بن زايد. أما سلطنة عمان التي سبق أن رفع علمها على مدخل قاعة المؤتمر، فلم تشارك في القمة على الإطلاق، ولم تكلف وسائل إعلامها عناء تغطية هذا اللقاء. وتساءل متصفحو شبكات التواصل الاجتماعي: هل هذه نهاية مجلس التعاون الخليجي؟ ولم يكن هناك داعي للانتظار حتى انعقاد مؤتمر جدة لنلاحظ التصدعات العميقة التي أصابت هذا الكيان الذي تأسس عام 1981 من أجل ترسيخ إطار اقتصادي مشترك، والذي يطمح أيضا إلى التطور إلى إطار عسكري وسياسي موحد. اتسمت ملامح المجلس منذ تأسيسه بالانقسامات العميقة والمنافسات الشخصية والسياسية الشديدة بين أعضائه. لكن إذا كان يُعتقد في البداية أن الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، ومن ثم فرض الحصار الأميركي، ستوحد الصفوف وتشكل تحالفاً عسكرياً، أو على الأقل إطاراً للتعاون السياسي، فإن السمة الأساسية للاستراتيجية الجديدة الآن هي أن العمل المستقل لكل دولة هو السمة الأبرز. وتقود أبو ظبي هذا الاتجاه، إذ ترسم، من خلال خطوات مدروسة، الخطوط العريضة التي من المرجح أن تحدد طريقة تعامل دول الخليج الأخرى مع إيران. ويعتبر انسحابها في الأول من مايو/أيار من “أوبك” و”أوبك+” – اللتين تصدر دولهما الأعضاء ما بين 40 في المائة إلى أوبك و60 في المائة إلى أوبك + من إجمالي النفط العالمي، وتمتلك نحو 80 في المائة من احتياطيات النفط العالمية، خطوة اقتصادية في المقام الأول، لا تضعف أوبك فحسب، بل سوق النفط العالمية بأكملها. ورغم أن أوبك لا تحتكر تسويق النفط، وتأثيرها محدود مقارنة بما كانت عليه في السبعينيات، إلا أنها لا تزال المنظمة التي تحدد أسعار النفط العالمية. بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فإن الانسحاب من منظمة التعاون الاقتصادي يعني التحرر من قيود حصص الإنتاج التي تفرضها على كل دولة عضو. وتحدد الحصة التي تلتزم أبوظبي بإنتاجها عند 3.4 مليون برميل يوميا، في حين تبلغ طاقتها الإنتاجية 4.8 مليون برميل يوميا. وأرادت الإمارات استغلال هذه الطاقة الإنتاجية مباشرة بعد انتهاء عضويتها في أوبك. لكن تجاوز الحصص قد يشعل «حرب نفطية» موجهة مباشرة إلى السعودية، التي تسيطر أصلاً على قرارات أوبك، وبالتالي هي من يحدد سعر السوق. ورغم أن المنافسة السعرية تعتبر خبرا جيدا للمستهلكين والدول المتعطشة للطاقة الرخيصة، بالنسبة لمنتجي النفط، وخاصة المملكة العربية السعودية (التي تحافظ على حصة إنتاج تبلغ 9.3 مليون برميل يوميا)، فإنها قد تؤدي إلى تراجع قيمة إيراداتها، وعجز كبير في الميزانية، وإلغاء خطط التنمية، وأبرزها رؤية محمد بن سلمان “2030”، التي تعاني بالفعل من تجميد جزئي. وفي حين لا يزال مصير أزمة مضيق هرمز مجهولا، حيث أن الحصار المزدوج المفروض عليه حاليا يمنع أي من هذه الدول من تسويق كل إنتاجها النفطي، إلا أنه في حال توقيع اتفاق مع إيران بشأن رفع العقوبات، سيتم ضخ 2-3 ملايين برميل إضافية يوميا إلى السوق في المرحلة الأولى. أبوظبي تستعد للمرحلة المقبلة. ربما تكون الإمارات العربية المتحدة قد قررت الانسحاب من أوبك حتى قبل اندلاع الحرب، إذ كانت تعتبر نفسها دائما دولة “مستضعفة” لا يسمح لها، بحكم عضويتها في المنظمة وسيطرة السعودية عليها، باستغلال كامل طاقتها الإنتاجية النفطية. لكن الحرب عززت موقفها بقوة ودفعتها إلى اتخاذ هذا القرار الآن. لدى أبو ظبي تاريخ طويل من الخلافات الحادة مع المملكة العربية السعودية قبل الحرب. أزمة العلاقة بين البلدين بسبب إدارة الأزمة في اليمن والسودان وضعت البلدين “الشقيقين” على طرفي نقيض، ووصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق عندما شن سلاح الجو السعودي هجوما في ديسمبر/كانون الأول الماضي على قوات “المجلس الانتقالي الجنوبي”، وهو التنظيم الذي يعمل برعاية وتمويل أبو ظبي، ويعمل على إعادة جنوب اليمن كدولة مستقلة. وعلى إثر الهجوم السعودي المذكور، انسحبت القوات اليمنية من المواقع الاستراتيجية التي كانت تحتلها، وكذلك القوات الإماراتية التي كانت مساندة لها. وبحسب تقارير على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن بن سلمان وابن زايد لم يتحدثا منذ ذلك الحين، حتى 28 فبراير/شباط، تاريخ بدء الحرب مع إيران. لكن حتى هذه الدعوة لم تنهي الخلافات أو توحد الصفوف. أبوظبي، التي كانت ثاني أهم شريك تجاري لإيران واستضافت نحو 8 آلاف شركة إيرانية على أراضيها، وانتهكت العقوبات الأميركية عندما كانت بمثابة «ميناء رئيسي» للبضائع القادمة إلى إيران، كانت في طليعة الدول التي دعت إلى عمل عسكري حاسم ضد إيران في بداية الحرب. وطلب بن زايد، سواء بشكل مباشر أو عبر السفير في واشنطن يوسف العتيبة، المقرب من البيت الأبيض، من ترامب «إكمال المهمة» في إيران. وفي المقال الذي نشره العتيبة في صحيفة وول ستريت جورنال في مارس/آذار الماضي، كتب: “هذه الحرب تتطلب نتيجة حاسمة تعالج كامل نطاق التهديدات الإيرانية”. لكن بن زايد الذي تعهد باستثمار ما يقارب تريليون دولار في الولايات المتحدة، يجد أن الدعم الاقتصادي الذي يقدمه ترامب لن يحقق النتيجة المرجوة. في هذه الأثناء، لم تقطع السعودية، التي تعرضت هي الأخرى لضربات قاسية من إيران، علاقاتها مع طهران، وتواصل أبوظبي محادثاتها مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وتدعم جهود الوساطة الباكستانية، وتلتزم بما تعتبره “سياسة الاحتواء” تجاه إيران. لكن أبوظبي تستهدف الآن باكستان، وليس الرياض. وتستخدم أبو ظبي نفوذها الإعلامي لتصفية حساباتها مع الدول العربية التي لم تقف إلى جانبها واكتفت بالتنديد بها، ولم تقف قواتها ضد إيران، ولها حساب منفصل مع باكستان. وباكستان ليست حليفاً عسكرياً للسعودية فحسب بحسب الاتفاق الموقع بينهما العام الماضي، لكنها أظهرت أيضاً موقفاً محايداً في حرب إيران ولم تجند للمساعدة في الدفاع ضد الهجمات الإيرانية، بل لعبت دور الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران. لوحت أبوظبي بسيفها الاقتصادي، وطالبت باكستان بسداد قرض بقيمة 3.5 مليار دولار على الفور، وهو جزء من المساعدات المستمرة التي تقدمها الإمارات لباكستان. وكان هدفها تحقيق التوازن في الميزانية وتمويل الأنشطة الجارية. وسرعان ما أودعت المملكة العربية السعودية 3 مليارات دولار في البنك المركزي الباكستاني، مما مكن باكستان من سداد الديون. لكن هذه الخطوة مثلت تصعيدا سياسيا آخر بين الرياض وأبو ظبي. ورغم أن تبادل الضربات بين السعودية والإمارات يشير إلى أن توقع تشكيل «محور» أو «تحالف» عسكري إقليمي ضد إيران لا يزال بعيد المنال، إلا أن ذلك لا يحل محل استراتيجية فعالة للتعامل مع إيران، خاصة في ظل غموض نهج ترامب تجاهها وأيضا تجاه العالم أجمع. تسفي باريل هآرتس 30/04/2026




