اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-22 08:10:00
ومن المؤشرات الأولية في مجال الأسلحة النووية أنها تنتشر عالمياً. ومنذ عام 1945 (حيازة الولايات المتحدة لها واستخدامها) حتى الآن (نحو ثمانين عاما)، ارتفع العدد المؤكد إلى 9 دول تتوزع في أمريكا الشمالية وآسيا وأوروبا، فيما كانت جنوب أفريقيا من بين مالكيها (ست قنابل) حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنها فككت مشروعها النووي عام 1991 وانضمت إلى معاهدة حظر الانتشار النووي. وهذا يعني أن الاتجاه الأقوى هو زيادة أعضاء النادي الدولي بمعدل افتراضي، وهو أن هناك دولة جديدة تنضم كل عقد تقريبًا. ومن خلال تتبع استراتيجيات تحقيق الطاقة النووية نجد أن هناك عدداً من الاستراتيجيات فيما يتعلق بمسألة الأسلحة النووية: أ – استراتيجية الردع الصريح: امتلاكها والإعلان عنها (كما هو الحال مع الدول التسع). ب- استراتيجية الردع الكامن: الوصول إلى مرحلة القدرة على إنتاج الأسلحة النووية بسرعة دون الإعلان صراحة عن حيازتها، وهو النموذج الأقرب للحالة الإيرانية واليابانية والألمانية وغيرها. ت – الردع الممتد، ويعني الاطمئنان بمظلة نووية تمتلكها إحدى الدول والتعهد بحماية الدولة غير النووية، كما هو الحال في كوريا الجنوبية التي تعمل ضمن الحماية الأميركية من تهديد كوريا الشمالية. د – الغموض الاستراتيجي: امتلاك السلاح النووي وعدم الاعتراف به كما في إسرائيل، بل تكريس قناعة العالم بأنها نووية دون الاعتراف بها. ويتمثل المشهد الإيراني الحالي في المجال النووي ببيانات شبه متفق عليها بين الباحثين، وهي: أ – وجود قاعدة علمية بشرية تضم آلاف العاملين في المجال النووي “المدني”، سواء التخصيب أو الهندسة أو البحث العلمي وغيرها، وهناك المئات من هؤلاء العلماء الذين وصلوا إلى مستويات علمية متقدمة للغاية، ومن بينهم العشرات ممن لهم علاقة بالدوائر الاستراتيجية النووية الإيرانية. ويكفي الإشارة إلى ما نقله العالم الفرنسي إيمانويل تود عن أن 66% من الإيرانيين يحصلون على الدكتوراه من الجامعات الأمريكية في مجال العلوم والهندسة. ب- هناك تعاون مؤكد بين إيران وكوريا الشمالية. انسحبت كوريا الشمالية من معاهدة منع الانتشار النووي عام 2003، وبدأت تجاربها النووية المعلنة عام 2006. وهي تتعاون مع إيران في تبادل الخبرات واستنساخ تصميمات الصواريخ الكورية الشمالية، كما هو الحال مع صاروخ شهاب (نسخة من صاروخ نودونج الكوري)، ناهيك عن تداول تقارير في مجال تطوير الوقود الصلب ومدى الصواريخ، واختبارات تفجير عالية الدقة تتعلق بتصميم الرؤوس النووية. ت – يقترب البلدان من منظور «عدو عدوي صديقي». فهما دولتان خاضعتان لعقوبات أميركية أو دولية، ولديهما وجهة نظر مشتركة تجاه الولايات المتحدة، وهي تشبه من الناحية النظرية التعاون التقليدي الذي كان قائماً بين إسرائيل وجنوب أفريقيا في زمن الفصل العنصري. والتعاون العلمي مؤكد بين إيران وكوريا الشمالية، لكن لا يمكننا أن نستبعد تماما احتمال وجود “سلاح نووي إيراني مخزن في كوريا الشمالية”، رغم صعوبة إخفاء مثل هذا البعد، أو أن هناك مواد إيرانية معينة مخزنة في كوريا الشمالية. وكان نظام الفصل العنصري وإسرائيل خلال فترة التعاون بينهما في حالة من العزلة الدولية، تشبه تلك التي عاشتها إيران وكوريا الشمالية، على الرغم من الاختلاف الكبير في توجهات المجموعتين دوليا. وهناك بعد آخر لا ينبغي الاستهانة به، ونعني بذلك وجود فتوى شرعية “تحريم امتلاك إيران للأسلحة النووية”، وهي فتوى ولي الأمر الفقيه بكل ما للولي الفقيه من ثقل في القرارات الاستراتيجية للدولة، لكن لا بد من الانتباه إلى أمرين هنا: أ- التحريم غير منصوص عليه في الدستور الإيراني، ومع التسليم بالثقل الكبير للفتوى، فإنها لا تشكل قيداً دستورياً، مما يوفر مخرجًا يمكن استغلاله. ب – إمكانية تجاوز الفتوى عبر ثلاث طرق: 1 – إعادة تفسير الفتوى بالتمييز بين الحيازة من جهة والاستخدام من جهة أخرى، وتبرير ذلك بالقول إن الحيازة للردع وليس للاستخدام. 2- الظروف المتغيرة توفر مساحة جديدة لتفعيل القاعدة الفقهية “الضرورات تبيح المحظورات”. 3- اللجوء إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو الجهة المسؤولة عن تحديد “مصلحة النظام” في القضايا الاستراتيجية، ما يعني أن المجلس يستطيع توفير الغطاء المؤسسي للولي الفقيه لتغيير الاتجاه الاستراتيجي في المجال النووي على أساس “مصلحة النظام”. وسبق أن حسم مجمع تشخيص مصلحة النظام الخلاف بين مؤسسات الدولة المركزية حول العديد من القضايا (مثل قوانين العمل والضرائب وغيرها). ولا يلغي المجلس الفتوى، ولكن يجوز له تقديمها تفسيراً ليوصي بها الولي الفقيه، وهو ما يمكن للولي الفقيه أن يبني عليه قراراً جديداً. الخلاصة: إن كافة التقارير والأبحاث العلمية حول موضوعنا تشير إلى أن إيران وصلت إلى مرحلة “العتبة النووية”. تمتلك معرفة متقدمة في التخصيب العالي وتمتلك بنية صاروخية متقدمة، وهو ما يجعلها توظف الملف النووي ضمن عدة سيناريوهات أهمها: 1- الردع السلبي: القدرة على إقناع العالم بأن تطويرها النووي لا يهدف إلى تحقيق التسلح النووي، لكنه لا يمنعها من التطور في المجال التقني النووي، مما يجعلها قادرة في أي لحظة على التوجه نحو التسلح. 2- غموض مدروس: خلق انطباع في العالم بأن زيادة القيود على إيران قد تدفعها إلى اتباع النموذج الكوري الشمالي أو الباكستاني أو الهندي، وهو ما سيغري العالم بتضييق مساحة الضغط عليها. 3- استخدام الفتوى الدينية بتحريم الأسلحة النووية كأداة تفاوضية، أي أننا ملتزمون بها ما دام العالم يعاملنا باحترام، لكن لدينا آليات للتخلي عنها بناء على نفس الاجتهاد. 4- التشبث بالردع الكامن لأنه يوفر قدراً من الردع، ويتجنب عواقب إعلان الحيازة الصريح، ويوفر مرونة تفاوضية إيرانية، ولا يضيق المسارات على إيران، ويتمتع بالمرونة إلى درجة الابتعاد عنه بسرعة. وعليه فإن السلوك الإسرائيلي أولاً والسلوك الأميركي ثانياً هو الذي يحدد الاستراتيجية الأنسب لإيران. ويبدو أن إسرائيل تسعى إلى كبح البرنامج الإيراني على حساب أميركي بالدرجة الأولى، لكن ذلك يحمل في طياته خطر إضافة كوريا الشمالية إلى الشرق الأوسط، وهنا سنقف على عتبة «صندوق باندورا»… ربما.


