اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-04 16:20:00
تقرير / شهاب في مشهد يعكس سباق مع الزمن، يعمل المتطوعون يوميا منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية على غزة في قلب مبنى مقصف في البلدة القديمة بمدينة غزة في مهمة شاقة، تتمثل في استرجاع ما تبقى من الكتب والمخطوطات من مكتبة المسجد العمري الكبير، التي تضررت بشدة نتيجة الحرب. يقع المسجد العمري الكبير في قلب مدينة غزة القديمة، بالقرب من سوق “فراس” القديم. ويعتبر من أقدم المساجد في المدينة. وتضم مكتبتها التي تأسست قبل أكثر من سبعة قرون نحو 20 ألف كتاب، مما يجعلها ثالث أكبر مكتبة في فلسطين بمساحة 4100 متر مربع، بالإضافة إلى فناء مساحته 1190 مترا مربعا. وتحتوي المكتبة على مخطوطات تتنوع بين المؤلفات الكبيرة والرسائل الصغيرة، يعود أقدمها إلى عام 920هـ، ومن أبرز محتوياتها مخطوطة “شرح الألغاز في علم الواجبات” لبدر الدين المارديني، ويبلغ عمرها نحو 500 عام، بحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية. إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وتعرض المسجد العمري لقصف إسرائيلي في 8 ديسمبر 2023 خلال الحرب على قطاع غزة، مما أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بمبانيه التاريخية، بما في ذلك المكتبة الأثرية التي تضم مخطوطات وكتب. وبحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية استهدفت نحو 208 مواقع أثرية وتاريخية في القطاع منذ بداية الإبادة الجماعية. ووسط الركام والغبار وبقايا الرفوف المحترقة، يتحرك المتطوعون بحذر شديد، ويقلبون الحجارة ويزيلون الغبار بحثا عن أي آثار للملفات أو الأوراق التي نجت من الدمار. بين الحين والآخر تظهر صفحات قديمة أو كتب مفخخة، فيسارعون إلى التقاطها بعناية وتنظيفها قبل وضعها في صناديق من الورق المقوى تمهيدا لنقلها إلى أماكن أكثر أمانا. ويؤكد المشرفون على هذه المبادرة أن هدفهم هو حفظ أكبر قدر ممكن من محتويات هذه المكتبة العريقة، والتي تعد من أقدم المكتبات الدينية في قطاع غزة، وتضم في داخلها تراثاً معرفياً يمتد عبر القرون. من جانبها، قالت حنين العمسي المدير التنفيذي لمؤسسة عيون على التراث التي تشرف على مشروع إنقاذ المخطوطات في غزة، إن مكتبة المسجد العمري الكبير من أقدم وأعرق دور الكتب في فلسطين، حيث تحتوي على مخطوطات يتراوح عمرها ما بين 500 و700 عام، والتي تعرضت لأضرار جسيمة نتيجة القصف الإسرائيلي الأخير. وتشير إلى أن العديد من المخطوطات النادرة والتاريخية، التي تحتوي على علوم مختلفة مثل العلوم الإسلامية والشريعة والطب والأدب والقرآن والفقه، تضررت أو دمرت تحت الركام، مما جعل مهمة الإغاثة والترميم ملحة وضرورية لإنقاذ ما تبقى من هذا الإرث. وأكد العمسي أن الفريق المختص بترميم الكتب وإنقاذ ما تبقى من المكتبة يعمل وسط الركام والغبار والدمار لاستخراج أي مادة قابلة للإصلاح من المكتبة. وتضيف أن جهودهم تمكنت حتى الآن من إنقاذ عدد من المخطوطات التي كانت محفوظة في قسم المخطوطات و”قبة دار السعادة” قبل العدوان، فيما فقدت أجزاء كبيرة منها نتيجة الدمار الشديد الذي لحق بالمكان. ووصفت بعثة محلية حالة المخطوطات المتبقية بـ”المؤسفة”، مؤكدة الحاجة الملحة لتكثيف الجهود الدولية المتخصصة لحماية التراث الثقافي في قطاع غزة. ويقول العمسي إن المؤسسة تعمل حاليا على تنفيذ مشروع شامل يهدف إلى ترميم وإعادة رقمنة هذه المخطوطات وضمان توثيقها والحفاظ عليها من الاندثار الكامل. وأكدت أن هذه المخطوطات تمثل “الذاكرة التاريخية والثقافية” لأهل غزة والفلسطينيين بشكل عام، وتشكل جزءا لا يتجزأ من الهوية والتراث العربي الإسلامي في المنطقة. وشدد العمسي على أن عملية إحصاء ما تبقى من التراث القديم وإعادة عرضه على الساحة العالمية ليست مهمة محلية فحسب، بل هي جزء من تعزيز الحضور التاريخي الفلسطيني، خاصة في مواجهة محاولات التدمير الممنهجة التي استهدفت كافة عناصر الحياة الثقافية في غزة. وأوضحت أن حفظ هذه الوثائق العلمية والفقهية والمكتوبة يمثل حماية للتراث الفلسطيني وضمانة لاستمرارية البحث العلمي مستقبلا. كما أكد العمسي أن المشروع الذي تديره المؤسسة يتضمن خطوات عملية لمرحلة “الاسترداد” الفورية للمخطوطات، بما في ذلك الترميم الحرفي الدقيق والتوثيق الرقمي، مشدداً على ضرورة مساهمة المؤسسات الدولية في توفير الموارد والخبرات اللازمة لهذا العمل الحساس. ويشير العمسي إلى أن دعم المجتمع الدولي مهم جداً لضمان الحفاظ على هذه المخطوطات وحمايتها من الضياع، مشيراً إلى أن كل جهد دولي سيكون له أثر مباشر في الحفاظ على الذاكرة التاريخية والثقافية للقطاع، والحفاظ على تراث فلسطين للأجيال القادمة. وفي السياق نفسه، يصف المتطوع أحمد الكردي اللحظة الأولى لدخول الفريق إلى المكتبة بالصادمة، حيث وجدوا مخطوطات متناثرة في كل مكان، ممزوجة بشظايا قذائف وقطع حجرية انهارت من الرفوف والسقف، في مشهد يعكس حجم الدمار الذي حل بهذا الصرح الثقافي العريق. ويؤكد الكردي أن عملية حفظ الكتاب الواحد قد تستغرق ساعات طويلة من العمل المتواصل، نظرا لحالته الهشة للغاية، التي لا تتحمل أي لمس عنيف أو إهمال. ويشير إلى أن كل مخطوطة وكل كتاب يعالجونه يعتبر كنزاً وطنياً فريداً، يحمل إرثاً ثقافياً وتاريخياً لا يمكن الاستعاضة عنه أو التعويض عنه بأي قيمة مادية، مؤكداً أن هذه الأعمال ليست مجرد جهود للحفاظ على الورق، بل هي محاولة لحماية ذاكرة شعب بأكمله. ويشير بالصبر والجهد المضاعف إلى أن الفريق يفتقر إلى المعدات المتخصصة لترميم المخطوطات والكتب القديمة، ما يزيد من صعوبة المهمة بشكل كبير. ويعمل المتطوعون بأدوات بسيطة وبدائية، مثل الفرش والعصي الخشبية، لتحريك الأوراق وإزالة الغبار والحطام دون إتلافها. ويضيف الكردي أن هذه الظروف تجعل العمل شاقا، إذ يتطلب الصبر وجهدا مضاعفا من الجميع، في بيئة غير مستقرة، مع الغبار والرطوبة وانقطاع التيار الكهربائي، ما يزيد من التحدي الذي يواجههم. ويؤكد الكردي أن كل دقيقة يقضيها الفريق في التعامل مع هذه المخطوطات لها أهميتها، فكل لحظة يمكن أن تكون الفارق بين الحفاظ على قطعة أثرية تاريخية أو فقدانها نهائيا. ويختتم بالتأكيد على أن ما يقومون به ليس مجرد عمل تطوعي، بل هو رسالة للحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية لغزة والفلسطينيين، وإرث يمتد للأجيال، يحاول الفريق من خلاله إعطاء هذه المخطوطات فرصة للبقاء رغم كل الصعوبات.




