اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-25 19:23:00
خاص- شبكة قدس: لم تكن الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الأربعاء، حيث كان المنزل محاطاً بالهدوء والسكينة، وكان الأطفال الخمسة يغطون في نوم عميق. كل ما كان يُسمع في كل أنحاء المكان هو أنفاس الأطفال اللطيفة؛ من الأصغر الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره، إلى الأكبر لامار الذي كان في الرابعة عشرة من عمره. كان صباحًا صيفيًا لطيفًا في بلدة نحالين غرب بيت لحم، وتحديدًا في منطقة الصبيحة، حيث وقفت حنين محمود فنون (39 عامًا) تتأمل منزلها المكون من طابقين، المنزل الذي كان حلم حياتها لمدة 15 عامًا قبل أن تنتقل إليه لتعيش بأمان مع زوجها محمود فنون وأولادهما. لكن هذا الأمن الذي تم اكتسابه على مر السنين تحطم فجأة بسبب أصوات المحركات الثقيلة والتطفل المدجج بالسلاح. واستيقظت لامار وأشقاؤها الصغار مذعورين على أصوات الصراخ والطرق العنيف على الأبواب، لتجد جرافات الاحتلال تحيط بمنزلهم وتبلغهم بإخلائه الفوري تمهيدا لهدمه، ضمن حملة استهدفت ثلاثة منازل مجاورة لأهالي البلدة. رفضت حنين الاستسلام لهذا الكابوس بينما كان أطفالها يُطردون من أهلهم إلى الشارع. لم تفكر في القوة العسكرية التي تقف أمامها، بل تأثرت بغريزة الأمومة وحب الأرض والبيت الذي يحوي أغلى ذكريات أبنائها. وقفت بيديها الفارغتين وصوتها الأجش يدفع الآلة. حاولت بجسدها الأعزل أن تصنع حاجزًا بين الجرافة وحلم العمر، بينما كان زوجها “محمود” يحاول حماية عائلته. وأمام هذا المشهد لم يتمكن الجار المجاور للمنزل، الشاب رزق غيادة، من الوقوف متفرجا على الاعتداء على جاره. اقترب من الجنود محاولًا إقناعهم بالسماح لها بالذهاب وإطلاق سراحها. ولم يرفع يده في وجه أحد، ولم يعتدي على الجنود، لكن قوات الاحتلال قابلت محاولته بالعنف، واعتدت عليه بالضرب المبرح وسحلته على الأرض أمام أعين الأهالي، قبل أن تعتقله وتنقله إلى جهة مجهولة، حيث لا يزال مصيره مجهولا حتى يومنا هذا. وفي مكان آخر من البلدة، واصلت جرافات الاحتلال هدم منازل العائلات المجاورة، فيما تعرض السكان للاعتداءات أثناء محاولتهم حماية منازلهم. كما اعتقلت قوات الاحتلال الشابين فؤاد جميل وصبحي عبد العزيز، بعد محاولتهما الدفاع عن مأواهما، مما أدى إلى اتساع جراح نحالين صباح ذلك اليوم، بين هدم واعتداء واعتقال. قام الجنود بتقييد يدي حنين خلف ظهرها، وعصبوا عينيها، ثم ألقوا بها على أرضية الدورية العسكرية. لأكثر من ثلاث ساعات ونصف، ظلت مستلقية على الحديد البارد تحت وطأة الألم والحرارة، تستمع إلى صوت الجرافات وهي تهدم منزل حياتها، وتدوس أثاث الأسرة وألعاب أطفالها وأسرة نومهم التي استيقظوا منها للتو، وتحول حلم الفتاة البالغة من العمر 15 عامًا إلى كومة من الغبار والركام. ومع انسحاب الآليات، تم نقل الأم حنين إلى جهة مجهولة. مرت أربعة أيام منذ صباح ذلك اليوم، والعائلة تعيش رحلة مرهقة من التضليل والمعلومات المتضاربة. يقال أحياناً إنها في مركز تحقيق “عتصيون”، وأحياناً في شرطة “بيتار عيليت”، ثم في “المسكوبية” بالقدس. ورغم الوعود المتكررة بالإفراج عنها، لا تزال حنين غائبة خلف القضبان، ولا أحد يعرف شيئاً عن حالتها أو آلامها. ويقول زوجها محمود: “كل ما حدث لنا من هدم وخسارة لكل ممتلكاتنا وأثاثنا صعب، لكنه أهون عليّ ألف مرة من اختطاف زوجتي والتعدي عليها وحرمان أطفالنا الخمسة منها”. اليوم، تقف لامار وإخوتها الأربعة فوق أنقاض منزلهم في نحالين. ليس لديهم ألعاب ولا ملابس ولا سقف يحميهم. يبحثون بين الأنقاض عن بقايا طفولتهم التي بترت على يد قوات الاحتلال وجرافاتهم العسكرية. لكن ما هو أسوأ بالنسبة لهم من خسارة المنزل والأسرة التي استيقظوا عليها مرعوبين، هو غياب أثر والدتهم التي انتزعت من أيديهم، وغياب جارهم رزق والشابين فؤاد وصبحي، الذين دفعوا حريتهم مقابل موقفهم الدفاعي. تحول المنزل إلى ركام، وتهجير العائلات المجاورة، لكن صورة تلك الأيادي الفارغة التي قاومت حتى اللحظة الأخيرة تبقى شاهدة على قصة صمود الأم الفلسطينية. اليوم، تنادي لامار وإخوتها كل ضمير حي في هذا العالم: “أرجعوا لنا أمنا.. حريتها أغلى من كل الجدران”. تشهد بلدة نحالين غرب بيت لحم تصعيدا في هدم منازل الفلسطينيين، بعد أن اقتحمت قوات الاحتلال منطقة “الصبيحة” وهدمت عددا من المنازل المأهولة، ضمن حملة طالت عشرات المنازل في الضفة الغربية. وأدت عمليات الهدم إلى تهجير عائلات فلسطينية، تزامنا مع اعتداءات واعتقالات طالت عددا من السكان. يأتي ذلك في ظل التهديد بهدم عشرات المنازل الأخرى، بعد رفض محكمة الاحتلال التماسا تقدم به أهالي البلدة لوقف هدم 14 منزلا. ويقول الأهالي إن هذه الإجراءات لا تستهدف المباني فقط، بل تهدد استقرارهم وتواجدهم في المنطقة. وتتكرر عمليات الهدم في مناطق مختلفة من الضفة الغربية بذرائع تتعلق بالبناء دون تراخيص، في وقت يؤكد الفلسطينيون أن الحصول على تراخيص البناء من سلطات الاحتلال شبه مستحيل، ما يحول هذه الإجراءات إلى أداة ضغط وتهجير تستهدف التجمعات الفلسطينية.


