اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-23 12:20:00
محمد مصطفى شاهين في الضجة الإعلامية التي أثارتها تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، عندما يعتمد على سفر التكوين لجعل أرض الميعاد الممتدة من النيل إلى الفرات مشروعة لتهجير الشعوب وتصفية الأوطان، يقف العقل الناقد حائرا بين أمرين. فإما أن نأخذ هذه التصريحات على محمل الجد وننزلق في مستنقع الأساطير التي يريدون لنا أن نغرق فيها، أو نتعامل معها كظاهرة ثقافية وسياسية تستحق التفكيك والتحليل في ضوء التاريخ والنقد. عاقِل. متى يصبح النص الديني وثيقة سياسية؟ إن ما فعله هوكابي لم يكن مجرد اقتباس ديني بريء، بل كان عملية تأطير للتاريخ، أي تحويل حدث أو نص ذي طبيعة دينية إلى أداة لتبرير السياسات المعاصرة. وهي صيغة ثقافية تعبر عن وعي جماعة ما في مرحلة معينة من تطورها. وعندما يتحدث سفر التكوين عن وعد لإبراهيم بنسل يرث الأرض، فإن هذا النص يعبر عن وعي المجتمع اليهودي القديم في مرحلة تكوينه وله دلالات دينية وروحية في سياقه التاريخي. لكن تحويل هذا النص إلى عنوان سياسي في القرن الحادي والعشرين هو نوع من التلفيق الفكري وتمديد غير قانوني للنص خارج سياقه. وإذا طبقنا المنهج التاريخي في فهم النصوص في سياقاتها اللغوية والاجتماعية والتاريخية، فسيتبين لنا أن أرض الميعاد كمفهوم ديني تطورت على مدى قرون عديدة وشهدت تحولات جذرية في التفسير ولم تكن أبدا أساسا لإقامة الدولة الوطنية بالمعنى الحديث. وتقوم الدولة القومية الحديثة على المواطنة والقانون الدولي وحقوق الإنسان، وليس على النصوص الدينية التي تخضع لتفسيرات لا نهاية لها. وهنا يجب تفكيك الخطاب من الشعب المختار إلى الأمة المهيمنة. في السياق اليهودي، بل في كل الأنماط الثقافية التي تنتج وعيًا استثنائيًا. ورأى أن فكرة الاختيار الإلهي غالبا ما تتحول إلى أداة للهيمنة عندما تلتقي بالقوة السياسية والعسكرية. وفي حالة الخطاب المسيحي الصهيوني الذي يمثله هوكابي، نرى التقارب الغريب بين الأصولية اليهودية والأصولية المسيحية الأمريكية لينتجا معًا شرعية دينية لمشروع سياسي استعماري. وهذا التقارب يفسر لنا سبب إصرار هوكابي على استخدام الاسم التوراتي يهودا والسامرة بدلا من الضفة الغربية، ولماذا يتحدث عن أرض إسرائيل الكبرى وكأنها حقيقة مقبولة. وهو نقل الصراع من ميدان السياسة والقانون إلى ميدان العقيدة، الذي لا يقبل التنازل أو التفاوض. فإذا كانت الأرض وعداً من الله، فما قيمة قرارات الأمم المتحدة، وما معنى حدود 1967، وما وزن مبدأ الأرض مقابل السلام؟ وما يهمنا هنا ليس الجدل اللاهوتي حول صحة أو عدم صحة تفسير هوكابي للنصوص، بل التبعات السياسية الناجمة عن هذا التفسير. هذه التصريحات لم تصدر عن كاهن في كنيسة نائية، بل عن سفير دولة عظمى في تل أبيب يتحدث في مقابلة تلفزيونية واسعة الانتشار. فهو يرسخ عملياً شرعية ضم الضفة الغربية، بل وحتى ضم أجزاء من مصر والأردن وسوريا والعراق والسعودية إذا سنحت الفرصة. وهنا يطرح سؤال منهجي آخر: كيف نقرأ هذه التصريحات في سياق صفقة القرن؟ يجب أن ترتبط الأفكار بالواقع المادي. وتأتي هذه التصريحات في وقت دقيق، يتزامن مع استمرار النشاط الاستيطاني غير المسبوق، ومع تحول الإدارة الأميركية نحو الدعم غير المشروط لإسرائيل. إنها ليست كلمات عابرة، بل هي جزء من أيديولوجية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقا لأسطورة إسرائيل الكبرى. ومن التناقضات الصارخة في خطاب هوكابي الازدواجية في تطبيق المنطق. وحين يستشهدون بالكتاب المقدس لإثبات حق اليهود في فلسطين، يتجاهلون أن الكتاب نفسه يتحدث عن وجود شعوب أخرى على الأرض وعن عمليات عنف وإباحة دموية لا يمكن قبولها اليوم بأي معيار أخلاقي. كما أنهم يطبقون منطق الوعد الإلهي على اليهود وليس على الشعوب الأخرى التي سكنت المنطقة منذ آلاف السنين. الفلسطينيون الحاليون على الأرض لديهم تاريخ ممتد وجذور عميقة، وهم ليسوا جديدين عليه. يرفض النقد التاريخي فكرة الفراغ أو الأرض بلا شعب والتي تقوم عليها الصهيونية. وأخطر ما في تصريحات مثل تصريح هاكابي هو أنها تسعى إلى تجميد التاريخ، أي تحويله إلى لحظة أبدية لا تتغير، تمنح مجموعة حقوقا أبدية، وتحرم أخرى من أي وجود. ومن ناحية أخرى، يدعونا المنهج النقدي إلى تأريخ الخطاب الديني، أي وضعه في سياقه وتمييز الثابت عن المتغير. والمطلوب أيضاً هو الدفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني المبني على الحقوق التاريخية والقانونية والإنسانية ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. عندما ننتقل بالنقاش من أرض الميعاد إلى حق العودة، ومن لغة الأسطورة إلى لغة التاريخ، ومن خطاب الهيمنة إلى خطاب العدالة. وهذا بالضبط ما يحتاجه شعبنا الفلسطيني اليوم في مواجهة مشروع يريد تصفية قضيته تحت غطاء ديني لا يعترف إلا بمنطق القوة.



