اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-27 17:38:00
ولم يتوقع أحد من المتابعين أن تصل الأمور في المسجد الأقصى المبارك إلى ما وصلت إليه مع بداية شهر رمضان الحالي. وذلك لأن التهديدات الإسرائيلية التي سبقت بداية شهر رمضان، تركزت كلها على تقليل أعداد المصلين في المسجد – خاصة سكان الضفة الغربية – ومنع الاعتكاف فيه، والسماح باستمرار المداهمات خلال الشهر. لكن ما لم يعلنه الاحتلال هو نيته مهاجمة البنية الإدارية والإعلامية الفلسطينية في المسجد بشكل كامل خلال شهر رمضان، باعتباره أصعب الشهور على الاحتلال، وبالتالي فإن ما يستطيع إنجازه فيه ينطبق بسهولة أكبر على بقية أشهر العام. ولذلك بدأ الاحتلال إجراءاته التصعيدية ضد دائرة الأوقاف الإسلامية، فاستدعت شرطة الاحتلال مدير دائرة الأوقاف عزام الخطيب إلى مركز الشرطة الرئيسي في البلدة القديمة والمعروف بالقشلة. وأثار هذا الأمر حفيظة الدائرة، باعتباره سابقة سياسية ستؤدي بالضرورة إلى تبعية الدائرة لحكومة الاحتلال وبسط سيادتها على المسجد. ولذلك كان من الطبيعي أن يرفض الداعية هذه الدعوة. ومن الواضح أن شرطة الاحتلال استبقت هذا الرفض المتوقع، وعرفت أبعاد طلبها، فبدأت باتخاذ إجراءات عقابية ضد الدائرة، من بينها منع دخول المظلات وتجهيز ساحات المسجد لاستقبال الشهر الفضيل، ومنع تجهيز عيادة المسجد الوحيدة لخدمة المصلين، أو إدخال وجبات إفطار للمصلين ووجبات سحور للحراس. وهو ما اضطر عامة الناس إلى تقديم بعض الوجبات بشكل محدود وفردي، واستخدام العيادات المتنقلة المؤقتة كبديل للعيادة الرسمية. وتضاف هذه الإجراءات إلى الأعمال العدائية التي نفذتها قوات الاحتلال قبيل بداية شهر رمضان، عندما اقتحمت مكاتب الأوقاف في المسجد الأقصى ليلاً قبل بداية شهر رمضان، وكسرت قفل دار الحديث قرب باب الرحمة، ومنعت تغييره، ووزعت أوامر بمنع الدخول إلى الأقصى بالجملة، بينهم ما يقارب ألف مقدسي. إن إصرار شرطة الاحتلال على مثول مدير دائرة الأوقاف أمامها – سواء في مركز شرطة البلدة القديمة أو في مركز شرطة خلوة الجنبلاطي المحتل داخل الأقصى، أو في أي مكان آخر – لا يمكن أن يفهم إلا على أنه سحب للاعتراف – من الدائرة التي تمثل الأردن – بالسلطات الإسرائيلية باعتبارها السلطة الوحيدة في المسجد الأقصى. وهذا يعني فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى، والتي لا يمكن للاحتلال أن يحصل عليها بالقوة فقط دون الحصول على شرعية ممارستها على الأرض، من خلال اعتراف الإدارة الإسلامية للمسجد الأقصى بهذه السيادة. ومن خلال كل هذه الإجراءات يعمل الاحتلال على مهاجمة البنية الإدارية الفلسطينية والإسلامية في الأقصى، المتمثلة في دائرة الأوقاف، وتجريد هذه البنية من نفوذها أولا، ومن وجودها لاحقا. وهذا هو الهدف الأسمى الذي ظلت تطالب به جماعات الهيكل المتطرفة والجماعات الصهيونية الدينية في المسجد الأقصى منذ سنوات. ولا نستبعد هنا أن يكون الهدف الأساسي من هذه الإجراءات التصعيدية غير المسبوقة ضد دائرة الأوقاف الإسلامية هو إلغاء الدائرة بشكل كامل خلال الفترة المقبلة. ولم تكن هذه المحاولة الأولى. وسبق أن حاولت إسرائيل إلغاء الدائرة عند احتلالها القدس الشرقية عام 1967، عندما أرسلت الحكومة الإسرائيلية إخطارا إلى دائرة الأوقاف بضرورة إرسال قوائم بأسماء العاملين في المسجد الأقصى إلى وزارة الأديان تمهيدا لوضع المسجد تحت سيطرتها. لكن موقف الشيخ عبد الحميد السايح وعدد من مشايخ القدس الرافضين لذلك، واعتصامهم وتأسيس الهيئة الإسلامية العليا، قطع الطريق على هذه الخطوة، وأجبر إسرائيل على إعادة إدارة المسجد الأقصى إلى دائرة الأوقاف الإسلامية. كل الظروف مهيأة الآن لإعلان إسرائيل إغلاق المسجد الأقصى أمام المسلمين ولو في شهر رمضان، ولم يبق إلا أن تقوم بهذه الخطوة الخطيرة إلا فرصة يغتنمها الاحتلال، وربما تكون لضرب إيران، لكن الأمور مختلفة اليوم، والاحتلال أصبح أكثر اقتناعا بضرورة استغلال حالة الانشغال العالمي بما يحدث في غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار، والاستفادة من التعبئة والاستعداد الدولي لاشتباك الولايات المتحدة المتوقع مع إيران، لضرب قضية القدس والمسجد الأقصى بالقتل وحلها. تماما. وهنا تأتي الخطوة الثانية التي اتخذها الاحتلال قبل أيام، وهي مهاجمة البنية التحتية الإعلامية الفلسطينية في القدس بشكل كامل. وذلك عندما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، منتصف ليل الاثنين 23 فبراير، حظر المنصات الإعلامية المقدسية الكبرى: البوصلة، العاصمة، المعراج، الميدان، وقدس بلس. وتعتبر هذه المنصات من أكثر المنصات المركزية انتشارا التي تنقل أخبار المدينة المقدسة إلى الخارج، وبالتالي فهي العين الإعلامية الأقوى على منصات التواصل الاجتماعي لما يحدث في مدينة القدس وفي المسجد الأقصى. وربط هذا الإعلان هذه المنصات بالمقاومة الفلسطينية في محاولة لوصمها بالإرهاب، حيث اعتبر كاتس في مبرراته لقراره أن هذه المنصات تعتبر أذرع حركة حماس، وأن الأخبار التي تبثها تندرج ضمن بند “التحريض” على إثارة أعمال الشغب في القدس والمسجد الأقصى. ورغم سذاجة هذا الادعاء في الواقع، فإن استخدام اسم حركة حماس وكلمتي “إرهاب” و”تحريض” يكشف مدى قدرة هذه المنصات على إيصال ما يحدث في القدس للعالم، مما أثار حالة من الذعر في صفوف الاحتلال، خوفا من تبعات انتشار أخبار اعتداءاته التصعيدية ضد المسجد الأقصى، ودور ذلك الانتشار في التأثير سلبا على مسار القرار الإسرائيلي بشأن المسجد، خوفا من أي تصعيد فلسطيني محتمل. نظراً لحالة التوتر الشديد التي يعيشها المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس خلال عامين من حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة. وهذا يعني أن الاحتلال يريد فعلاً تغييب الشهود على ما ينوي فعله في المسجد الأقصى خلال الأيام القليلة المقبلة، سواء خلال شهر رمضان أو بعده مباشرة. ويرى الاحتلال في هذه الأيام فرصته الذهبية التاريخية لتحقيق أطماعه في المسجد الأقصى بأكمله، ووضعه تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، كما فعل في الحرم الإبراهيمي في الخليل. خاصة وأن إسرائيل شكلت بالفعل ما يسمى بـ”إدارة جبل الهيكل” المكونة من عدد من أعضاء الحركة الدينية الصهيونية المتطرفة، وتتعامل معها وكأنها أمر واقع. ولذلك يمكن لإسرائيل أن تعلن نقل إدارة المسجد الأقصى إلى ما يسمى بـ”إدارة جبل الهيكل”، كما فعلت عندما نقلت الإدارة الدينية للمسجد الإبراهيمي مطلع العام الجاري إلى المجلس الديني في مستوطنة كريات أربع، وليس حتى إلى وزارة الأديان. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما مدى احتمالية إغلاق إسرائيل المسجد الأقصى ومتى يكون ذلك ممكنا؟ والحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال المشروع في هذا الوقت لا تقل إيلاما عن طرحه، نظرا لحالة الوهن والوهن التي يعاني منها العالم العربي والإسلامي اليوم. إسرائيل اليوم في قمة الغطرسة والغطرسة، ولم تعد تفكر بعقلها كما كانت في فترة حكومات اليمين واليسار القومي قبل حكومة 2022 الحالية ذات النزعات الصهيونية الدينية والمسيحانية. وهذه مسألة حاسمة في فهم تصرفات إسرائيل الحالية. وهو لا يأخذ في الاعتبار الحسابات السياسية على الإطلاق. لم تعد شرطة الاحتلال في القدس تكبح جماح الجنون السياسي للحكومة؛ لأن قائد شرطة منطقة القدس الجديد أفشالوم بيليد، وهو صديق مقرب لإيتمار بن غفير، يحمل نفس الأفكار والأساطير المسيانية التي تعتمد عليها هذه الحركة، وقد اختاره بن غفير في المقام الأول. لأنه مطيع له تماما، ومقتنع بفكرة تمكين المستوطنين من إدخال الطاولات والكراسي والخزائن إلى المسجد الأقصى. وحتى الشاباك الذي كان يمثل دائما صمام الأمان باستقلاليته وبعد نظره، لم يعد كذلك، إذ عمل الثنائي سموتريتش – بن جفير على تغيير قيادة الجهاز إلى قيادة موالية لهما، بدلا من التأكيد على ضرورة بقاء القيادة السابقة التي أثبتت نجاحها في مسألة استشراف المستقبل في القدس بشكل خاص في عدة نقاط. وبذلك يمكننا القول أن كل الظروف مهيأة الآن لإعلان إسرائيل إغلاق المسجد الأقصى المبارك بشكل كامل أمام المسلمين، حتى في شهر رمضان. ولم يبق سوى القيام بهذه الخطوة الخطيرة إلا كفرصة للاحتلال أن يغتنمها، وربما يعمل بشكل حثيث على خلقها. وقد تكون هذه الخطوة لضرب إيران. ومثل هذه الخطوة تعني بالضرورة منح الاحتلال قدرة غير محدودة على فرض سلطته بالقوة بموجب حالة الطوارئ أثناء الحرب. وهناك مؤشرات كثيرة على هذا الأمر داخل المسجد الأقصى وفي محيطه، ومن خلال تصريحات بعض رموز الجماعات الهيكلية المتطرفة والحركة الصهيونية الدينية، والتي أثبتت التجربة أنها لا تأتي من العدم، بل من تفاهمات غير معلنة مع الحكومة. ومثل هذا الإغلاق بحجة الحرب له أيضاً شاهد تاريخي ليس ببعيد عنا. وعندما أغلق الاحتلال المسجد الأقصى فعليا خلال حرب الـ 12 يوما مع إيران في يونيو/حزيران 2025، فقد تم بالفعل وضع السابقة، وإن كان الفارق هو أن الإغلاق المحتمل سيكون في شهر رمضان بكل مكانته ورمزيته. وإذا أقدم الاحتلال على خطوة كهذه، فهذا يعني باختصار إحكام السيطرة على المسجد الأقصى في أخطر وأصعب أيام السنة عليه، وهو شهر رمضان، وهو ما سيسهل عليه العمل على تكريس هذا الإغلاق بعد الشهر الفضيل. نظراً لقلة العنصر البشري الضاغط الذي يتمتع به شهر رمضان، رغم القيود الكثيرة التي يفرضها الاحتلال على الوصول إلى المسجد. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العنصر الوحيد الذي يمكنه بلا شك إفشال هذه الخطة هو الحضور الشعبي داخل المسجد الأقصى، والإرادة الشعبية التي ظن الاحتلال أنه كسرها بحرب الإبادة، وهذا هو العنصر الوحيد القادر على قلب المعادلة رأسا على عقب قبل فوات الأوان.




