اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-27 19:11:28
بقلم : وليد عبد الحي
ولعل القراءة المتأنية لقرارات محكمة العدل الدولية بشأن الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل متهمة إياها بارتكاب أعمال غير إنسانية تندرج تحت فئة “الإبادة الجماعية” تتطلب النظر في الملاحظات التالية:
أولاً: إن قبول الدعوى يعني الإقرار ضمناً بقيام إسرائيل بإجراءات تعطي المحكمة حق الرد للنظر في دعوى جنوب أفريقيا. ويكفي النظر بعناية في النص التالي من ديباجة المقررات. يقول النص حرفياً: “فيما يتعلق بما إذا كانت الأفعال وأوجه القصور التي اشتكى منها المدعي تبدو وكأنها يمكن أن تندرج ضمن أحكام اتفاقية الإبادة الجماعية، تلاحظ المحكمة أن جنوب أفريقيا تحمل إسرائيل مسؤولية ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة و لفشلها في منع الإبادة الجماعية والمعاقبة على الأفعال التي تقع ضمنها، وتدعي جنوب أفريقيا أن إسرائيل انتهكت أيضًا التزامات أخرى بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، بما في ذلك تلك المتعلقة بـ “التآمر لارتكاب الإبادة الجماعية، والتحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية، ومحاولة الإبادة الجماعية”. والتواطؤ في الإبادة الجماعية”. ومن وجهة نظر المحكمة، فإن بعض الأفعال والتقصيرات التي زعمت جنوب أفريقيا أن إسرائيل ارتكبتها في غزة يمكن أن تقع ضمن أحكام الاتفاق.
ويشير النص أعلاه لقرار المحكمة إلى أن ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية له أسباب كافية لتأخذها المحكمة بعين الاعتبار، وسيظل هذا الأمر، من وجهة نظر المحكمة، ذا صلة بإسرائيل، لأن المحكمة خلصت، بحسب إلى ديباجة قرارها، “أن لجنوب أفريقيا الحق في أن تعرض عليها النزاع مع إسرائيل بشأن الانتهاكات المزعومة للالتزامات بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية. وترى المحكمة أن الحقائق والظروف المذكورة أعلاه كافية للتوصل إلى أن بعض الحقوق التي تطالب بها جنوب أفريقيا على الأقل والتي تسعى إلى حمايتها هي حقوق معقولة، كما هو الحال فيما يتعلق بحق الفلسطينيين في غزة في الحماية. ضد أعمال الإبادة الجماعية والأفعال المحظورة ذات الصلة المنصوص عليها في المادة الثالثة، وحق جنوب أفريقيا في مطالبة إسرائيل بالامتثال لأحكام الاتفاقية.
وبناء على هذه المقدمة فإن المحكمة تطالب إسرائيل بالقيام بما يلي (النص الحرفي):
1 – ستتخذ دولة إسرائيل – وفقا لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها فيما يتعلق بالفلسطينيين في غزة – جميع التدابير التي في وسعها لمنع ارتكاب جميع الأعمال التي تدخل في نطاق هذه الاتفاقية. المادة 2 من هذه الاتفاقية، وعلى الأخص:
(أ) قتل أفراد المجتمع
(ب) التسبب في ضرر جسدي أو عقلي خطير
(ج) فرض الظروف المعيشية عمدا على سكان غزة من أجل القيام بأعمال التدمير المادي، كليا أو جزئيا.
(د) فرض التدابير الرامية إلى منع الولادات.
ويجب على دولة إسرائيل أن تتأكد فورا من أن جيشها لا يرتكب أي أعمال موصوفة في النقطة 1 أعلاه.
ما سبق يتطلب سؤالاً محدداً: كيف ستدير إسرائيل عملياتها العسكرية في ظل «القيود المنصوص عليها في القرار رقم 1؟». صحيح أن القرار تجنب النص الواضح على “وقف إطلاق النار”، لكن تنفيذ ما ورد أعلاه يجعل العمليات العسكرية أكثر تعقيدا، وقد يقول البعض إن إسرائيل لا تلتفت إلى ذلك، وهنا نتساءل: هل كانت ستلتزم به لو كانت إسرائيل تلتزم به؟ هل نص القرار على وقف إطلاق النار؟ أرى أن النص أقرب إلى ضبط العمليات العسكرية، فإذا التزمت إسرائيل به (وهو أمر مشكوك فيه للغاية)، فإن ذلك من شأنه أن يضعف آلية الضغط على مجتمع غزة. وبالتالي فهو يخفف بعض العبء عن المقاومة، وإذا لم تمتثل إسرائيل فإن موقفها القانوني سيصبح أكثر تعقيداً أمام المجتمع الدولي.
2- تدعو المحكمة في قراراتها “إسرائيل إلى الالتزام باتخاذ كافة التدابير التي في وسعها لمنع ومعاقبة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية ضد أفراد المجموعة الفلسطينية في قطاع غزة”. ولعل تصريحات بعض الوزراء الإسرائيليين في اللحظات الأولى لإعلان قرارات المحكمة تندرج تحت هذا البند، وهو بداية مخالفة القرارات.
3- تدعو المحكمة إسرائيل إلى اتخاذ “إجراءات فورية وفعالة لتمكين توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية اللازمة بشكل عاجل لمعالجة الظروف المعيشية غير المواتية التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة”. وأعتقد أن هذا النص ملزم لإسرائيل، لكنه يفتح الباب أمام مصر -إذا أرادت- لفتح معبر رفح على مصراعيه انطلاقا من أن ذلك تنفيذ لقرارات المحكمة الدولية، سواء وافقت إسرائيل أم لا. حيث يمثل قرار المحكمة أساسًا قانونيًا لمصر.
4- تدعو المحكمة إسرائيل إلى اتخاذ “تدابير فعالة لمنع تدمير وضمان الحفاظ على الأدلة المتعلقة بالادعاءات المتعلقة بالأفعال التي تقع ضمن نطاق المادتين 2 و3 من اتفاقية منع الجريمة والمعاقبة عليها”، أي وأنه لا يجوز لإسرائيل أن تخفي الأعمال التي قامت بها. ويندرج ضمن جريمة الإبادة الجماعية التهرب من عواقب ذلك، ويعني ضمناً إقرار المحكمة بوجود أدلة مادية على فعل الإبادة الجماعية، وبالتالي تريد المحكمة الحفاظ على هذه الأدلة.
5- طلبت المحكمة من إسرائيل تقديم تقرير إلى المحكمة بشأن كافة الإجراءات المتخذة، على أن يتضمن الدليل على قيام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها في هذا الشأن. وحددت المحكمة مدة تنفيذ ذلك خلال شهر من تاريخ صدور قرارها (أي 26 فبراير المقبل). وهذا يعني أن استمرار القتال بالطريقة التي مارستها إسرائيل في الأشهر السابقة سيضيف إلى قائمة اتهاماتها، ما يزيد من تعقيد موقفها القانوني.
6- أعربت المحكمة عن “قلقها العميق بشأن مصير الرهائن الذين اختطفوا خلال الهجوم على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، واحتجزتهم منذ ذلك الحين لدى حماس والجماعات المسلحة الأخرى، وتدعو إلى إطلاق سراحهم فورًا وغير مشروط”. ومن الواضح أن هذا الطلب يمثل «هدية لنتنياهو»، ويمكنه أن يتذرع بأن عدم الرد عليه من قبل المقاومة يبرر له اتخاذ إجراءات تفسر على أنها «تنفيذ لقرار المحكمة» بهذا الخصوص.
خاتمة:
لا أرى أن قرارات المحكمة سيئة كما تبدو للوهلة الأولى، لكنها بلا شك أدنى من «الطموح» الذي رافق إجراءات المحكمة قبل التوصل إلى القرارات. ولا يساورني شك في أن المناقشات المغلقة كان لها دور في ذلك، وبالتالي فإن التقرير الذي يجب على إسرائيل تقديمه خلال شهر، قد يدفع حكومة نتنياهو إلى اتخاذ خطوتين (إذا قدمت التقرير الذي تطلبه المحكمة):
أ – محاولة الظهور بمظهر أقل قسوة في عملياتها العسكرية بهدف إغراء المحكمة بعدم اتخاذ قرارات تتضمن انتهاكات جديدة ضد إسرائيل.
ب – ستعمل إسرائيل على استغلال قرار المحكمة بالإفراج عن الرهائن، وهو ما يتطلب من المقاومة وجنوب أفريقيا (ومن انضم إليهم) إثارة قضية الرهائن الذين اعتقلتهم إسرائيل في غزة خلال الحرب، على أقل تقدير ( ناهيك عن المعتقلين قبل الحرب).
وقد يصبح المشهد أكثر تعقيداً، إلى درجة تدفع إلى التوجه نحو مجلس الأمن، وهناك يبدأ مشهد آخر قد يدفع نحو مزيد من التصعيد لاحتمالات توسيع ساحة المعركة إقليمياً… ربما.

