اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-25 00:00:00
عندما يفقد المجتمع عقله قبل أن يفقد موظفيه، في الوقت الذي يُنظر فيه إلى التقاعد المهني باعتباره نهاية طبيعية لمسار وظيفي طويل، تتسلل إلى مجتمعاتنا الخليجية ظاهرة أخطر وأعمق، يمكن أن نطلق عليها «التقاعد الفكري». إنها لحظة الانسحاب غير المعلن من الشأن العام، حيث يتحول الفرد -رغم امتلاكه لثروة هائلة من الخبرة والمعرفة والثقافة- إلى كائن منشغل بذاته، بعيد عن القضايا الحيوية لمجتمعه. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تمثل خسارة فردية، بل هي نزف جماعي لرأس المال البشري. ويشكل المتقاعدون، الذين لديهم خبرات متراكمة في الاقتصاد والإدارة والسياسة وعلم الاجتماع والتعليم وغيرها، مخزونا استراتيجيا من المعرفة التطبيقية التي لا يمكن استبدالها بسهولة. إلا أننا نجد أن الكثير منها يتفرغ لهامش الحياة الاجتماعية، مثل الصحة الشخصية والهوايات والسفر، وهي اهتمامات مشروعة، لكنها تصبح إشكالية عندما تتحول إلى بديل للدور المجتمعي. وتتفاقم هذه الظاهرة في المجتمعات الخليجية التقليدية التي تفتقر إلى قنوات مؤسسية فعالة للمشاركة العامة، إذ لا يجد المتقاعد إطارا واضحا لمواصلة مساهمته من خلاله. وفي غياب المجالس الاستشارية ومراكز الأبحاث وبرامج الاستفادة من الخبرات، يصبح الانسحاب خياراً تلقائياً، بل ومريحاً نفسياً بالنسبة له. لكن معالجة ظاهرة «التقاعد الفكري» لا تحتاج إلى حلول معقدة بقدر ما تتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع بعد التقاعد. على سبيل المثال، يجب إعادة تعريف التقاعد في حد ذاته على أنه مرحلة انتقالية من العمل التنفيذي إلى العطاء الفكري والاستشاري. ومن ثم يجب على المؤسسات الحكومية والخاصة إنشاء منصات منظمة لاستيعاب تجارب المتقاعدين، سواء من خلال المجالس الاستشارية أو العقود المرنة أو برامج التوجيه والتدريب للأجيال الشابة المجهزة بأحدث التقنيات المعاصرة. كما أن للحوافز دور مهم، ليس فقط المادي، بل المعنوي أيضا، من خلال تكريم النماذج الفعالة وإبرازها إعلاميا. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للتكنولوجيا أن تلعب دوراً محورياً في ربط الخبرات المتقاعدة بمن يحتاجون إليها، من خلال المنصات الرقمية التي تسمح بالمشاركة في النقاش العام وتشكيل الرأي. والأهم من ذلك كله هو البعد الثقافي، فالمجتمع الذي يقدر الخبرة ويمنحها مساحة للتأثير هو مجتمع يحصن نفسه ضد التدهور المعرفي. أما المجتمع الذي يدفع بخبراته إلى الهامش، فهو يهمل أحد أهم مصادر قوته المعرفية والتنموية، خاصة ذلك الذي يجمع بين الخبرة والتكنولوجيا، والأصالة المعرفية والحداثة. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اعتزال الأفراد العمل، بل في اعتزالهم التفكير والمشاركة. وبينما يمكن استبدال الموظف بآخر، فمن الصعب استبدال العقل عندما يختار الصمت والسكون. ومن هنا فإن إحياء الدور الفكري للمتقاعدين لا يصبح ترفاً اجتماعياً، بل ضرورة تنموية تفرضها طبيعة العصر وتعقيداته. خبير اقتصادي




