اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-24 00:00:00
يطرق الرجل بابي ويسألني عن اشتراك بي بي سي، وهو اشتراك إلزامي لكل شخص مقيم في بريطانيا، رغم أن الكثير من الناس ألغوا هذا الاشتراك أو رفضوا تجديده. وقد أعرض الناس عنها بسبب مواقفها الأخيرة. أناقش معه لفترة طويلة موقف هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) من غزة ومن العديد من القضايا العربية. وفي النهاية يعتذر لي أن هذا ليس موضوعه أو تخصصه، فأقول له أنني أرفض الاشتراك فيها وأكرر له أسبابي، فيستمرون في إرسال رسائل البريد الإلكتروني له ولا أرد عليها. لذا فإن أزمة بي بي سي مع خطاب دونالد ترامب لم تكن مجرد خطأ تحريري في أرشيف مؤسسة عريقة، بل كانت بمثابة زلزال أخلاقي أعاد طرح السؤال الأبدي: أين ينتهي التحرير، وأين تبدأ السياسة؟ ماذا يبقى من مهنة الصحافة عندما تتشابك أصابع السلطة مع خيوط الرواية والحقيقة، وتكشف لماذا ابتعد الناس عن هذه الشبكة التاريخية التي علت صوتها أجيال وتعلم منها معظم من مارس الإعلام؟ وكشف الحدث الذي ضج بتسريبات داخلية، أن مقاطع من خطاب ترامب يوم 6 يناير/كانون الثاني الجاري، أعيد ترتيبها بشكل يوحي بالتحريض المباشر على اقتحام الكونغرس، ولم يكن الأمر مجرد خطأ فني. لقد كانت مرآة لصدع أعمق في بنية الصحافة المعاصرة، حيث يمتزج الصدق بالسرد، والمهنية بالتحيز، والبحث عن الحقيقة بالرغبة في التأثير. وعندما استقال المدير العام تيم ديفي ومديرة الأخبار ديبورا تورنس، بدا المشهد وكأنه اعتراف مؤسسي بأن الخطأ لم يكن في الأفراد بل في الثقافة المهنية نفسها. وفي زمن تكاثرت الفضائيات وتكاثرت المنصات، لم يعد الخطأ يقاس بمدى نية الصحفي، بل بمدى صدى الضجيج الذي يحدثه. إن ما كان يعتبر في السابق خطأً في التحرير أصبح اليوم قضية وطنية تؤثر على الهوية الأخلاقية لبريطانيا. لقد دفعت هيئة الإذاعة البريطانية ثمناً لرمزيتها أكثر من ثمن أخطائها. هذه المؤسسة التي حملت على مدى عقود شعار «تخدم الوطن ولا تنتمي لأحد»، تجد نفسها اليوم متهمة بالانحياز، وأنها لم تعد تخاطب الشعب، بل تخاطب السلطة أو معارضيها. والمفارقة أن هذا الاتهام جاء من جميع الأطراف في وقت واحد: اليمين يرى فيه صوت الليبرالية المتغطرسة، واليسار يتهمه بالاستسلام للضغوط الحكومية. وهكذا تحول الحياد نفسه إلى اتهام. خطورة الأزمة لا تكمن في تفاصيلها الفنية، بل في دلالاتها الفكرية. إنه يجسد اللحظة التي يصبح فيها الصحفي الذي يحمل حرية التعبير محاصرا بين مطرقة السلطة وسندان الرأي العام. وفي عالم تعيد فيه الصورة تشكيل الحقيقة بشكل أسرع من أي خطاب، يصبح السؤال الأهم: هل الصحافة صدى للواقع أم خالق له؟ إن الصحافة الحرة لا تقاس بغياب الأخطاء، بل بقدرتها على الاعتراف بها دون الخضوع للسياسة. وعندما تتحول الاستقالة إلى درع حماية للمؤسسة بدلا من المحاكمة العادلة للأسلوب، نكون قد فقدنا المعنى العميق للمسؤولية. حرية الصحافة ليست امتيازا تمنحه الدولة، بل هو حق تدافع عنه المؤسسات بثبات الشفافية، وليس مرونة التبرير، وعلى المؤسسات الالتزام بأخلاقيات المهنة وقيم الصحافة والانحياز إلى المهنية بغض النظر عن اليمين أو اليسار. أثبتت الفضيحة أن الاحتراف وحده لا يكفي إذا لم يضمن الاستقلال الفعلي. كلما اقتربت المؤسسة الإعلامية من السلطة، كلما فقدت شيئاً من روحها. الصحافة بطبيعتها هي نقيض الراحة. إنها حارسة الحقيقة في عالم يتآمر على طمسها، ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اختزالها في دور الوسيط بين السلطة والجمهور، في حين أنها خلقت لتكون ضمير الأمة وليس صدى خطابها. ومن المحزن أن نرى منظمة بحجم هيئة الإذاعة البريطانية تتلعثم في الدفاع عن نفسها، في حين كانت ذات يوم مدرسة لقول الحقيقة بلا خجل. لكن ما حدث يذكرنا بأن الإعلام، مهما علت مكانته، يظل كيانا هشا عندما ينحرف عن مبدأه الأول: أن الحقيقة هي البوصلة، وليس المصلحة. والدرس الأعمق هنا ليس لبريطانيا وحدها، بل للعالم أجمع. عندما ينهار الجدار بين الصحافة والسياسة، تضيع الحدود بين الأخبار والدعاية، وتصبح كل منصة أداة في معركة لا تنتهي بين القوى المتنافسة على الرأي العام. والنتيجة هي: تآكل الثقة، ويصبح الصحفي متهماً حتى يثبت العكس. وفي عصر الذكاء الاصطناعي و”التزييف العميق” وتزييف الصور، لم يعد الدفاع عن حرية الصحافة ترفاً أخلاقياً، بل أصبح ضرورة وجودية، لأن فقدان الثقة لا يضعف المؤسسة فحسب، بل يهدم أسس الديمقراطية نفسها أيضاً. إن الصحافة الحرة هي خط الدفاع الأول عن الحقيقة، ولكنها أيضاً أول من يتلقى الضربة عندما تشتد العاصفة السياسية. ولذلك فإن أزمة البي بي سي ليست نهاية مؤسسة، بل هي تحذير لمهنة بأكملها. فالصحفي الحقيقي هو من يجرؤ على الوقوف على الحد الفاصل بين المهنية والسياسة، فلا يميل إلى هذا أو ذاك. لأن ولاءه الوحيد يجب أن يكون للحقيقة، فالكلمة عندما تُباع تموت. وعندما يقال بحرية فإنه يعيد وعي الأمم المفقود. صحافي مصري




