اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-10 00:00:00
يا غافلاً وله في الزمان موعظة.. إن كنت في سنة فالزمان يقظة. لا شك أن تجاهل الحقائق لا يعني عدم وجودها. وها هي الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط على مدار ما يقرب من ثلاث سنوات، تعيد للعالم الإسلامي حقيقة كبرى، كثيرا ما تم تجاهلها، وهي أن الأمن لا يشترى بسلاح الآخرين. في أوقات الأزمات، الأنظمة الأمنية المستوردة لا تعني حماية حقيقية، بل تؤدي إلى التبعية. ومن هنا، فإن الطفرة التي حققتها تركيا في صناعاتها الدفاعية تكتسب معناها التاريخي، إذ لم تعد القضية مرتبطة بأمن تركيا القومي فقط، بل بمستقبل العالم الإسلامي وقدرته على الصمود بإرادته. إن التحول الذي شهدته تركيا في المجال الدفاعي جاء بعد تاريخ طويل من التبعية، إذ كانت تركيا خلال الحرب الباردة قاعدة أمامية ضمن منظومة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وكان نشر صواريخ “جوبيتر” الأميركية على الأراضي التركية عام 1961، أحد أبرز رموز تلك الحقبة. وظنت أنقرة حينها أن لديها قوة ردع استراتيجية، لكن أزمة الصواريخ الكوبية كشفت الحقيقة، بعد التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وموسكو على سحب تلك الصواريخ من تركيا دون استشارة الأتراك أنفسهم. وهكذا أدركت تركيا أن الردع الذي ظنته خاصاً بها لم يكن سوى أداة في أيدي الآخرين. أما اليوم فقد اختلفت الصورة تماما، فتركيا لم تعد دولة تشتري الأسلحة فحسب، بل تنتج قدراتها الاستراتيجية الخاصة. وحققت في السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في الطائرات بدون طيار، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وتقنيات الدفاع الجوي، والصواريخ بعيدة المدى. ويمثل مشروع “يلدريم خان” انتقالا إلى مستوى جديد كليا، كما كشفت عنه تركيا في معرض “SAHA 2026” للصناعات الدفاعية، كأول صاروخ باليستي عابر للقارات تطوره البلاد، ويبلغ مداه نحو 6 آلاف كيلومتر، وله القدرة على حمل رؤوس حربية ثقيلة. ولا تكمن أهمية هذا المشروع في مواصفاته الفنية فحسب، بل في أهميته الإستراتيجية أيضًا. فالمسألة لم تعد مجرد امتلاك صاروخ بعيد المدى، بل الدخول في معادلة الردع العالمية. وهذه التكنولوجيا لا يمتلكها اليوم سوى عدد قليل من القوى الكبرى، وأهم ما يميزها هو قدرتها على اختراق أنظمة الدفاع التقليدية بسبب سرعتها الهائلة وقدرتها على المناورة. ولذلك فإن ظهور «يلدريم خان» يعني الانتقال من مستوى «القوة التكتيكية» إلى مستوى «الردع الاستراتيجي». ويكتسب هذا التطور أيضًا أهمية كبيرة بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، إذ تعاني المجتمعات الإسلامية منذ ما يقرب من قرن من معضلة الأمن المجزأ والتبعي. وعلى الرغم من وفرة الموارد الطبيعية والقدرات البشرية، إلا أن الضعف التكنولوجي جعل قراراتها الاستراتيجية مرهونة بالخارج الروسي أو الأوروبي أو الأمريكي، لعدم وجود قوة ردع مشتركة في مواجهة التهديدات الإقليمية والتحديات العالمية، وما ذلك إلا نتيجة مباشرة. من التبعية التكنولوجية. ومن هنا فإن صاروخ “يلدريم خان” ليس مجرد مشروع تركي داخلي، بل يحمل بعداً نفسياً وحضارياً أوسع. ولأول مرة تقترب دولة مسلمة خارج النظام الغربي من امتلاك قدرة تكنولوجية يمكن أخذها بعين الاعتبار في المعادلات الاستراتيجية العالمية، وهذا يعني الانتقال من زاوية التبعية الهامشية إلى مجال الفعالية الاستراتيجية المستقلة. أما في الداخل التركي، فاللافت أيضاً أن بعض الأوساط داخل تركيا نفسها تعاملت مع هذا الإنجاز ببرود أو تحفظ، في مفارقة تكشف عن أزمة نفسية عميقة؛ بعض الذين كانوا يحتفلون في الماضي بصواريخ «جوبيتر» الأميركية يصمتون اليوم في وجه مشروع وطني بحت. لأن التبعية لا تكون دائماً عسكرية أو اقتصادية فقط، بل قد تتحول أحياناً إلى تبعية عقلية. إن ما تفعله تركيا اليوم لا يقتصر على تصنيع الأسلحة فحسب، بل على بناء قدرة مستقلة على اتخاذ القرار. فكلما ارتفعت نسبة التصنيع المحلي في قطاع الدفاع في أي دولة، زادت قدرتها على مقاومة الضغوط الخارجية وصياغة سياساتها بحرية أكبر. صحيح أن التكنولوجيا العسكرية وحدها لا تبني حضارة، ولكن من المؤكد أيضا أن أمة لا تملك قدرة دفاعية مستقلة لا تستطيع الحفاظ على استقلالها. والرسالة التي تبعث بها هذه الخطوة اليوم واضحة، وهي أنه لا استقلال دون إنتاج التكنولوجيا، ولا سيادة سياسية دون قدرة ردع استراتيجية. واليوم، لا بد من الاتفاق على إرادة جغرافية كاملة والوقوف جنبا إلى جنب، مؤمنين بوحدة الهدف والمصير بعد عقود طويلة من العيش تحت مظلات دخيلة على ثقافتنا وعقيدتنا، والتي جاءت لتحقيق خمس ضروريات: الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسب والمال، ولا تهدف إلى الإقصاء والتنافس، بل التقارب والرحمة. أكاديمي وسياسي وكاتب تركي @yaktay




