اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-12 02:00:00
كان ذلك في صباح أحد أيام ديسمبر من عام 1969هـ عندما أقلعت بنا طائرة الخطوط الجوية السودانية “كوميت” من مطار الخرطوم باتجاه مطار طرابلس الدولي. استغرقت الرحلة حوالي ثلاث ساعات ونصف – كنا مجموعة من الطلاب المبتعثين لدراسة الهندسة والأدب والقانون والاقتصاد – كان الطقس غائماً وممطراً عندما وصلنا إلى مطار طرابلس ذلك المساء، حيث تم استقبالنا، وتخليص إجراءاتنا الجمركية، ونقلنا في حافلة إلى مكان الإقامة. خصصت لنا. وكانت هذه بداية تجربة مثيرة امتدت لسنوات. ودعنا الزملاء الذين سيقيمون في طرابلس حيث تقع الكليات العلمية، وتوجهنا في رحلة داخلية إلى مدينة بنغازي الجميلة… كنا أربعة طلاب ندرس الآداب والقانون وزميل يدرس الاقتصاد… وجدنا كل الترتيبات على ما يرام، واتجهنا نحو سكن الطلاب، حيث تم تخصيص غرف لنا وتم إعلامنا بمواعيد الوجبات في المطعم الرئيسي وترتيبات غسيل الملابس. وفي اليوم التالي ذهبنا إلى مسجل كلية الحقوق الذي بدوره رحب بنا ووجهنا بصرف الكتب والمراجع… أما بالنسبة لطلبة المنح فقد تم تخصيص عشرين دينار ليبي شهرياً، وهو مبلغ مقدر في ذلك الوقت، حيث كان الدينار الليبي يساوي ثلاثة دولارات… ذهبنا إلى “سوق الظلام” وهو سوق شعبي “الأشهر في بنغازي”، واشترينا مستلزمات الشتاء… وكانت الأسعار منخفضة والمنتجات من أشهر الماركات… عدنا للصعود تسعد المدارس ببدء رحلة أكاديمية استمرت لمدة أربع سنوات حتى تخرجنا من كلية الحقوق عام 1974هـ. ووقتها كانت كليات الحقوق والاقتصاد والآداب في وسط بنغازي حتى اكتملت المدينة التعليمية الحديثة وانتقلنا للدراسة فيها. وكانت سنوات الدراسة “رائعة” كما يقول الليبيون، وتدرّسنا على يد أساتذة جليلة من كل أنحاء الوطن العربي ومن فرنسا، حيث الدكتور مأمون سلامة والدكتور محمد عوض، والشيخ القرنشاوي، والشيخ زكي الدين شعبان (من مصر)، والدكتور محسن الشيشكلي والدكتور خالد الشاوي (من سوريا) والدكتور عبد الرضا الطعان (من العراق) وأستاذ الفلسفة في الفلسفة. اللغة الفرنسية (من فرنسا). وكانت المحاضرات بانوراما مفتوحة للعلم والتعلم، وكانت شهيتنا للمعرفة مفتوحة… كما أن دراسة القانون كانت تتطلب جهدا مضاعفا ومتابعة حثيثة لما تضمنته المراجع الكبيرة والضخمة… لقد انغمسنا في ذلك العالم العميق لنستمد من أفضل وأوفر المعرفة، وكان أساتذتنا الأجلاء منارات للوعي والتنوير والمعرفة، وتعلمنا منهم الكثير. على المستوى الشخصي، كنت نشيطا للغاية وشاركت في فريق الكلية لكرة القدم. ساهمت في الكتابة عبر الصحف الجدارية التي كانت تصدر في كليتي الآداب والحقوق. كما كان لي حضور بارز في المحاضرات والندوات والمناقشات العامة. ولعل هذا الشهرة المبكرة سببت لي مشاكل كثيرة مع السلطات الأمنية الليبية في عهد معمر القذافي. وأذكر أنني نشرت في إحدى الصحف الليبية الصادرة في بنغازي مقالا بعنوان “متكئا على حد السكين” تحدثت فيه بجرأة عن واقع حال الأمة العربية والإسلامية. وفي ذلك المقال استلهمت قصة “الراعي والذئب”، وفهمت المقال في ظل أجواء سياسية نارية كإسقاط للواقع الليبي. تم استدعائي إلى النيابة العامة وتم التحقيق معي وسؤالي عن هدفي من التذكير بقصة “الراعي والذئب” في ذلك المقال… وكانت تلك الحادثة أول مواجهة لي مع السلطات الأمنية الليبية، خاصة أنه خلال تلك الفترة كانت هناك تحركات مناهضة لسلطة معمر القذافي. حتى أن بعض الطلاب كتبوا على جدران الجامعة عبارة اعتبرت تشهيرًا بـ”ثورة سبتمبر”، حيث كتبوا “ليت إدريس يعود”. وفي أحد الأيام، أخبرته بما فعله العقيد. جرت حملة اعتقالات واسعة النطاق في صفوف الطلاب، وكان لي نصيب منها. الزميلة الوحيدة التي كانت معنا من بين المبتعثين والتي كانت تدرس الاقتصاد كانت تدعى “نعمات إبراهيم”. أصبحت فيما بعد زوجتي وأم أطفالي نشوى وعيسى ونزار ونسرين ونهلة وإبراهيم.. عانت معي خلال فترات سجني المتكررة، حتى بعد تعييني «مدققا قانونيا» في المصرف العقاري الصناعي الليبي في مدينة أجدابيا التي تبعد نحو 30 ميلا عن بنغازي. كيلومترات. خرجت من ليبيا «مرحلاً» بعد اعتقالي نحو شهر ونصف في «سجن البركة» ورجعت إلى السودان حيث عملت في وكالة السودان للأنباء (سونا)، وكانت بحق مدرسة تعلمت منها الكثير. ثم انتقلت للعمل في صحيفة الأيام السودانية – وكانت فترة مليئة بالنشاط والحيوية – حتى قدمت إلى قطر للعمل في صحيفة الراية مطلع الثمانينات لأكثر من نصف قرن، ولا أزال أقيم في دوحة الخير والعطاء. “””””””رحمها الله””””” كل هذه الرحلات الطويلة رافقتني بكل معاناتهم حتى انتقلت إلى الرفيق الأعلى في 22 فبراير 1998 ودفنت في الدوحة في مقبرة مسيمير… رحمها الله وجعل قبرها روضة من رياض الجنة.




