من الرويس إلى الخليج العربي.. تأملات في زمن الأزمات

اخبار قطر17 مارس 2026آخر تحديث :
من الرويس إلى الخليج العربي.. تأملات في زمن الأزمات

اخبار قطر اليوم – وطن نيوز

اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-17 00:00:00

في لحظات الأزمات الكبرى، يعود الإنسان دائمًا إلى جذوره الأولى. يعود إلى المكان الذي شكل وعيه، وإلى الذاكرة التي شكلت نظرته للعالم. بالنسبة لي، يبدأ هذا المكان في شمال قطر، في الرويس، حيث يقف بحر الخليج العربي شاهداً على تاريخ طويل من الصبر والعمل والتضامن. وهناك أيضاً تمتد جذور عائلتي إلى قرية المفجر، إحدى القرى العريقة التي عاشت على إيقاع البحر وقسوته، وتعلم أهلها أن البقاء لا يتحقق إلا بالتكاتف. وعندما ينشأ الإنسان في مثل هذه البيئات، يتعلم مبكرا أن الخليج العربي ليس مجرد حدود سياسية مرسومة على الخريطة، بل هو نسيج اجتماعي وثقافي متشابك. ولم تكن السواحل البحرية والحدود البرية التي تربط قطر بالمملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت وعمان مجرد خطوط فاصلة. بل كانت طرقًا مفتوحة للتجارة والمصاهرة والرحلات البحرية. ولذلك فإن أي حدث يمر بهذه المنطقة لا يمكن فهمه على أنه شأن محلي لبلد واحد، بل هو قضية تمس الذاكرة المشتركة لجميع شعوب الخليج العربي. في سنوات دراستي الثانوية، عشت حرب الخليج في التسعينيات، وكانت تلك الفترة لحظة محورية في تشكيل وعي جيل كامل. لم تكن الحرب بالنسبة لنا مجرد تحليل سياسي، بل هي واقع يومي يفرض نفسه على النقاشات في البيوت والمدارس والمجالس. لقد علمتنا تلك الأيام درساً عميقاً أن الاستقرار في الخليج العربي ليس حالة دائمة، بل هو مسؤولية جماعية تتطلب… إلى الحكمة والوعي والتضامن. اليوم، ونحن نعيش أيام شهر رمضان المبارك في مارس 2026، تمر منطقتنا بمرحلة جديدة من التوتر نتيجة الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج العربي، ورمضان في ضمير المسلمين ليس شهرا عاديا؛ إنه وقت الهدوء والتأمل والعودة إلى القيم العظيمة مثل الصبر والرحمة وضبط النفس. ولذلك فإن أي تصعيد هذا الشهر لا يحمل بعداً سياسياً فحسب، بل يؤثر أيضاً على شعور الناس بالأمن الروحي والاجتماعي. لكن من يقرأ تاريخ الخليج العربي يدرك أن هذه المنطقة عرفت، على مدى قرون طويلة، كيفية التعامل مع العواصف. لقد كان الخليج دائمًا مساحة للمنافسة الإقليمية والدولية، إلا أن مجتمعاته الخليجية تمكنت من الحفاظ على هويتها وتماسكها الداخلي. كان البحر هائجاً في بعض الأحيان، لكنه لقن شعوب المنطقة درساً أساسياً: أن البقاء يتطلب الشجاعة والتكيف مع الظروف القاسية، ولكنه يتطلب أيضاً الحكمة. لقد قامت قطر، مثل بقية دول الخليج العربي، ببناء قوتها من خلال هذا التوازن بين المرونة والتكيف والوعي. فمنذ أيام الغوص على اللؤلؤ إلى بناء الدولة الحديثة، ظل المجتمع القطري قائما على قيم التكافل الاجتماعي والوعي والحكمة. وهذه القيم ليست مجرد ذكريات من الماضي، بل هي أساس القوة المجتمعية التي تحافظ على الاستقرار في أوقات التحدي. وكما كتب الرحالة ويلفريد ثيسيجر في كتابه “الرمال العربية”، لم تكن الصحراء مجرد مساحة قاسية، بل كانت مدرسة للصبر والمرونة، خرج منها سكان شبه الجزيرة العربية قادرين على التكيف مع الشح ومواجهة الشدائد بالصمود. وهذا المعنى لم يكن غائبا عن الأدب العربي أيضا؛ وقد صور الروائي عبد الرحمن منيف هذه العلاقة العميقة بين الإنسان وبيئته في روايته الشهيرة “مدن الملح”، حيث صور المجتمعات الخليجية التي عاشت طويلا بين الصحراء وقسوة البحر، وكيف شكلت تلك البيئة الإنسان الصبور القادر على مواجهة التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة. ونظرًا لعملي في مجال التعليم والبحث التربوي وإعداد قادة المستقبل، فأنا أيضًا أرى هذه الأحداث من زاوية مختلفة. والتعليم في جوهره ليس مجرد عملية نقل للمعرفة، بل هو بناء وعي وخلق إنسان قادر على فهم العالم المعقد الذي يعيش فيه. في تجربتي البحثية والأكاديمية، كنت أطرح دائمًا سؤالًا أساسيًا: كيف يمكن للتعليم أن يعد الإنسان للتعامل مع عالم يسوده عدم اليقين؟ كيف نستعد للمستقبل ونستعد للحوادث والأزمات قبل وقوعها؟ لم يعد هذا السؤال مجرد إطار نظري بالنسبة لي. واليوم، وأنا أدرس في برامج إعداد قادة المستقبل، وتحديداً في مجال القيادة في ظروف عدم اليقين وعدم الوضوح، أجد أن ما نعيشه في منطقتنا يقدم مثالاً واقعياً لهذه التحديات. إن القيادة الحقيقية لا تظهر عندما تستقر الأوضاع، بل عندما تتداخل الأزمات وتصبح الصورة ضبابية. في مثل هذه اللحظات، يحتاج الإنسان إلى أكثر من مجرد القوة أو القرار السريع. إنهم بحاجة إلى فهم التاريخ، وقراءة المجتمع، والقدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة في مواجهة المعلومات غير الكاملة والضغوط المتزايدة. ولا يتم بناء هذه المهارات في لحظة الأزمات، بل يتم إنشاؤها من خلال التعليم العميق والخبرة والوعي واستشراف المستقبل بطريقة تعتمد على البحث العلمي. ومن هنا أعتقد أن التعليم في الخليج العربي ليس مجرد قطاع تنموي، بل هو ركيزة أساسية للأمن والاستقرار. إن المجتمعات التي تستثمر في تعليم أبنائها وتعزيز وعيهم بتاريخهم وهويتهم هي المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحديات الخارجية دون أن تفقد توازنها الداخلي. يذكرنا رمضان دائمًا أن القوة الحقيقية ليست في الضجيج، بل في الصبر والحكمة. وهذه القيم ليست شعارات دينية فحسب، بل هي أيضا أدوات ثقافية تساعد المجتمعات على تجاوز الأزمات دون أن تفقد إنسانيتها. وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها كمحلل سياسي أو مراقب للأحداث من بعيد، بل كإبنة لهذه المنطقة، امرأة نشأت في شمال قطر، وعاشت في ذاكرة جيل شهد حرب الخليج، وتعمل اليوم في التعليم والبحث وإعداد قادة المستقبل، وتسعى من خلال عملها إلى إعداد أجيال قادرة على فهم عالم معقد ومتغير. وربما لهذا السبب أعتقد أن القوة العظمى يملكها الخليج العربي. ليس فقط في مواردها أو موقعها الجغرافي، بل في إنسانها. في إنسان يعرف تاريخه، ويحافظ على قيمه، ويؤمن أن الأزمات مهما بلغت حدتها، يمكن أن تتحول إلى لحظات وعي وبناء. لقد علمتنا هذه الأرض أن العواصف قد تأتي فجأة، ولكن في النهاية يعود البحر إلى هدوءه. وبين العاصفة والهدوء، يبقى دور الإنسان هو الأهم: الحفاظ على الحكمة، وحماية مجتمعه، وبناء مستقبل أكثر وعيا وصلابة للأجيال القادمة. وأنا في ختام هذا المقال أجد نفسي أعود إلى لحظة كتابته. كان ذلك بعد صلاة ظهر يوم 15 رمضان 1447هـ، الموافق الرابع من مارس 2026م، وكنت أعمل عن بعد من منزلي في هذه الظروف الاستثنائية، مستغلاً استراحة قصيرة بين لقاءاتي مع زملائي في كلية السياسة العامة، وخلف نافذتي. كانت السماء تمطر بهدوء، ويتساقط الضوء على مناخنا الصحراوي الذي تعلم عبر تاريخه الطويل كيف يتأقلم مع القسوة ويجعل من الشح قوة. في تلك اللحظة، بدت لي هذه القطرات أكثر من مجرد مطر عابر؛ بدا الأمر بمثابة تذكير هادئ لحقيقة تعرفها هذه الأرض جيدًا: وهي أن العواصف، مهما كانت قوتها، لا تدوم. والمجتمعات التي تعلمت الصبر، مثل صحرائنا، تعرف أيضاً كيف تستقبل المطر بالاطمئنان، وكيف تحول لحظات القلق إلى بداية طمأنينة جديدة.

اخبار قطر الان

من الرويس إلى الخليج العربي.. تأملات في زمن الأزمات

اخبار قطر عاجل

اخبار قطر تويتر

اخبار اليوم قطر

#من #الرويس #إلى #الخليج #العربي. #تأملات #في #زمن #الأزمات

المصدر – https://www.raya.com