اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-13 00:00:00
بقلم: عبد الكريم البليخيل مصطلحات مثل “هجرة الأدمغة” أو “هجرة الأدمغة” ليست مجرد أوصاف لغوية. بل إنها تعكس حالة معقدة من الارتباك والاتهام بظاهرة أعمق وأكثر تعقيدا. إن العقول العربية المتفوقة في مختلف مجالات العلوم لم تغادر أوطانها دائما طوعا أو بحثا عن إغراءات أجنبية. بل إنهم في كثير من الأحيان ينسحبون من بيئات لم تعد قادرة على احتوائهم أو منحهم الحد الأدنى من الكرامة العلمية والإنسانية. ولو أن الأوطان وفّرت بنية علمية واقتصادية متوازنة، تقوم على الكفاءة واحترام المعرفة، لبدت هذه الظاهرة أقرب إلى التبادل المعرفي الطبيعي، وليس إلى نزيف مؤلم. لكن الواقع يكشف عن مفارقة قاسية: دول غنية بإمكانياتها، وفقيرة في استثمارها، ومجتمعات تحمل تراثاً ثقافياً عظيماً، لكنها تفتقر إلى الظروف اللازمة لاستمراره. وهنا يطرح السؤال: هل نلوم هذه العقول على رحيلها أم نراجع الظروف التي دفعتها إليه؟ وفي كثير من الحالات، لا تكون الهجرة اختياراً حراً بقدر ما تكون “هجرة صامتة” تحدث من خلال التهميش والإقصاء وسوء تقدير المعرفة. وفي هذه البيئات، يصبح التميز عبئاً، ويكون الإبداع مطلوباً لتبرير وجوده بدلاً من الاحتفاء به. كما تعاني المؤسسات العلمية من اختلالات عميقة؛ البيروقراطية المعوقة، والصراعات الهامشية، وسوء إدارة الموارد. قد يتم إهمال المختبرات أو المعدات المتقدمة ليس لأنها غير مهمة، ولكن بسبب الافتقار إلى الكفاءة أو الرؤية. في مثل هذا الواقع، السؤال ليس لماذا يغادر العالم، بل كيف يمكنه البقاء. وعندما يهاجر لا يهرب من وطنه بقدر ما يبحث عن نفسه في بيئة تعترف بقيمته. وفي المجتمعات العلمية المتقدمة يقاس الإنسان بما يحققه، ويكافأ الجهد بشكل عادل، ويصبح التفكير الحر أساس الإنتاج والتقدم. كما تتعمق الأزمة على المستوى الاجتماعي، حيث تتراجع مكانة العلم في مواجهة النماذج المرتبطة بالربح السريع والظهور. يجد المبدع نفسه في صراع مع مؤسسات لا تدعمه، ومجتمع لا يفهم دوره، مما يغذي الإحباط ويدفع الكفاءات إلى الهامش. ولذلك فإن الحل لا يكمن في مجرد استدعاء العقول المهاجرة، بل في بناء بيئة تستحقها. عندما يشعر الخالق بالتقدير والكرامة، يصبح البقاء خيارًا طبيعيًا. ترميم العقول مشروع حضاري يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمعرفة، والدولة والمبدع، والمجتمع وقيمه. إنها معركة وعي قبل أن تكون سياسة. عندها فقط قد تتوقف العقول عن الرحيل وتعود لبناء مستقبلها في الدول التي تعترف بها وتحتضنها.




