لبنان – إعادة بناء الحجر أم ترميم الإنسان؟

اخبار لبنانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
لبنان – إعادة بناء الحجر أم ترميم الإنسان؟

اخبار لبنان – وطن نيوز

اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-27 13:00:00

من الركام الذي يملأ الساحات الآن، ومن تحت ظلال المنازل التي تآكلت جدرانها بسبب شظايا الحروب المتتالية، يبرز وجه آخر للأزمة في الجنوب، لا يمكن قياسه بعدسات الكاميرات أو رصده من قبل لجان حصر الأضرار التابعة لهيئات الإغاثة. إنه التدمير النفسي البنيوي والتحول النفسي الذي يصيب وعي الإنسان الجنوبي، ويعيد صياغة فهمه لمفهوم الحياة والموت والاستقرار والملكية الفردية. فحين يتحول الركام إلى جزء عضوي من المشهد اليومي المعتاد، يمر الوعي الجمعي بما يسمى في علم النفس الإكلينيكي بـ«تعود الصدمة»، أو التطبيع مع الكارثة. عين الجنوبي التي اعتادت رؤية جدار منهار، أو الشعور بتفاصيل غرف النوم التي أصبحت الآن مكشوفة للهواء نتيجة القصف، لم تعد يصدمها الشكل التقليدي الصاخب. وهذا الاعتياد في قراءته العلمية ليس دليلا على موت الشعور أو تبلد المشاعر، بل هو بمثابة “ترسانة نفسية دفاعية” وآلية فطرية للبقاء. تم تطويره بواسطة العقل البشري لحماية الجهاز العصبي من الانهيار التام تحت وطأة التوتر المزمن. هي عملية تحصين ذاتي، يتفاعل فيها الفرد والمجتمع لضمان استمرارية الوظائف الحيوية اليومية في بيئة شديدة الخطورة. إلا أن هذا التكيف القسري، رغم فعاليته المؤقتة في حماية النفس، يترك ندوبا عميقة في العقلية والوعي. وتتجلى أولى هذه الندبات في «زعزعة مفهوم السلامة الراسخة». في علم النفس البشري، يمثل “الوطن” الامتداد المادي للأمن النفسي والوجودي؛ لكن في تصور شعب الجنوب، تعرض هذا المفهوم للتفكيك القسري. لم يعد هناك شيء اسمه “البناء الأبدي” أو “الاستقرار النهائي”. بل أصبح كل بيت، في اللاوعي، مثل مشروع ركام مؤجل، وأصبحت كل لحظة هدوء مجرد فاصل زمني، أو «هدنة عابرة» بين هدفين. ويولد هذا التحول المعرفي نمطًا سلوكيًا وحياتيًا يركز على “اللحظة الحالية” على حساب التخطيط طويل المدى. فالاستثمارات وبناء المشاريع وحتى تأسيس العائلات أصبحت محكومة بـ«الهشاشة الزمنية». المستقبل في وعيهم هو مساحة من القلق تحيط بها ظلال المقاتلين وأصوات المدافع، مما يجعل الاستقرار حالة نفسية معلقة حتى إشعار آخر. أما المقاربة النفسية لـ«موضوع الحرب» نفسه، فقد شهدت تحولاً جذرياً بسبب التكرار التاريخي للتدمير. في العقلية الجنوبية، لم تعد الحرب تصنف كحدث استثنائي تتبعه مرحلة من السلام المستدام، بل تحولت إلى «مصير لا مفر منه» دوري يتكرر مع كل جيل. لقد أصبحت الحرب الفصل الخامس من الطبيعة، الذي يتم الاستعداد له بالتدابير الوقائية والصبر والتكيف. يمنح هذا المنظور المجتمع الجنوبي مرونة استثنائية وقدرة ديناميكية للغاية على التعافي وإعادة الإعمار العاجلين. وهي ظاهرة تتجلى في العودة السريعة للأهالي ليفقدوا سبل عيشهم بمجرد توقف القصف. لكن هذه الصلابة الواضحة تنطوي على تكلفة نفسية باهظة. فهو يستهلك بانتظام الموارد العصبية والنفسية للأفراد، ويؤسس لـ«القلق الوجودي المزمن» كرفيق صامت متوارث عبر الأجيال، ينتقل من الآباء إلى الأبناء عبر نظام التربية وأنماط الحذر اليومي. إن الدمار الكبير الذي يشهده الجنوب لا يمكن اختزاله في البعد الملموس والمادي، بل هو عملية إعادة صياغة قاسية للهوية النفسية والاجتماعية. إنها جغرافيا يتشابك فيها ألم الفقد البنيوي مع الإصرار على البقاء الوجودي، حيث يتعايش الإنسان مع أنقاض منزله ومحيطه ليس لأنه نسي عمق الفقدان، بل لأن الألم أصبح البنية الهيكلية لواقعه اليومي. إن فك الشيفرة النفسية للرجل الجنوبي يتطلب تجاوز القراءات الإحصائية للأضرار المادية، والانتباه إلى «سيكولوجية الصمود الصامت». وهناك، يُعاد بناء الهوية الفردية لتكون قادرة على احتواء التناقض الصارخ بين الرغبة الغريزية في حياة مستقرة والقبول الواقعي بالعيش على خطوط النار الساخنة.

اخبار اليوم لبنان

إعادة بناء الحجر أم ترميم الإنسان؟

اخر اخبار لبنان

اخبار طرابلس لبنان

اخبار لبنان الان

#إعادة #بناء #الحجر #أم #ترميم #الإنسان

المصدر – لبنان ٢٤