اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-07 06:30:00
إن ما يحدث في الخليج العربي لم يعد مجرد فصل جديد من فصول التوتر الإقليمي، بل تحول إلى اختبار مفتوح لمعادلات الأمن والاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. لم يعد المشهد يُقرأ كتصعيد عابر، بل كمنظومة ضغط متكاملة تتقاطع فيها أدوات القوة الصلبة مع عمليات الاختراق الناعمة، ضمن بيئة إقليمية تتداخل فيها الحسابات الدولية والإقليمية بشكل غير مسبوق. وفي هذا السياق، يبرز مضيق هرمز كعنصر اختبار حقيقي لتوازن القوى، ليس فقط باعتباره شرياناً أساسياً للطاقة العالمية، بل كنقطة ارتكاز استراتيجية تستخدم كأداة ضغط عند كل منعطف حاد. إن استهداف الملاحة، أو خلق مناخ من عدم اليقين بشأن أمن الممرات البحرية، لا ينعكس على الأسواق فحسب، بل يضرب بعمق مفهوم الاستقرار نفسه، ويضع النظام الدولي أمام معضلة دائمة بين الردع والاحتواء. خلايا حزب الله والحرس الثوري. لكن المواجهة، في أحدث صورها، لم تعد مقتصرة على البحر. وتشير المعطيات الأمنية القادمة من دول الخليج إلى تحول نوعي في طبيعة التهديدات، من المواجهة الظاهرة إلى العمل الشبكي غير المرئي. وفي هذا السياق، تكشف الأرقام تفكيك 9 شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله خلال 27 يوما فقط، إضافة إلى اعتقال 74 عضوا، بحسب مصدر أمني مطلع. هذه الأرقام، رغم أهميتها المباشرة، تحمل معنى أعمق: هناك بنية كانت تتحرك بصمت، وتستعد لمرحلة مختلفة من العمل. ويضيف الامتداد الجغرافي لهذه الشبكات طبقة أخرى من الخطر. وفي دولة قطر تم تفكيك خليتين، وفي مملكة البحرين ثلاث خلايا، وفي الإمارات العربية المتحدة شبكة واحدة، فيما برزت دولة الكويت كساحة أكثر اتساعاً تضم ثلاث خلايا تحتوي على أكبر عدد من العناصر. ولا يشير هذا التوزيع إلى حالات معزولة، بل إلى نمط عمل شبكي عابر للحدود يستفيد من البيئة المفتوحة ويستغل التداخل الطبيعي بين البلدان، في محاولة لبناء حضور غير مرئي ولكنه فعال. الأدوات المعقدة بين التمويل والاختراق. ومع ذلك، فإن ما تكشفه البيانات لا يقتصر على الهيكل التنظيمي، بل يمتد إلى أدوات التشغيل نفسها. وتعتمد هذه الشبكات على مزيج من التمويل غير المباشر والواجهات الاقتصادية والحركات المالية المعقدة، بالإضافة إلى جمع المعلومات الميدانية التي يتم استخدامها لاحقاً في مراحل التنفيذ. وهو بذلك يعكس انتقال التهديد من النموذج التقليدي إلى نموذج أكثر تعقيداً، يقوم على التكامل بين الاقتصاد والأمن، وبين الظل والعلن، وبين المحلي وعابر الحدود. في المقابل، يبدو أن النهج الأمني في الخليج قد دخل مرحلة أكثر تقدما، تسمى الضربة الاستباقية. ولم يعد الهدف مجرد الرد على التهديد، بل تفكيكه قبل أن يكتمل. ويعكس هذا التحول في العقيدة الأمنية إدراكا عميقا بأن طبيعة التهديدات الحديثة لا تسمح برد فعل متأخر، بل تتطلب وجودا مستمرا في مرحلة ما قبل الخطر، من خلال أدوات استخباراتية قادرة على التقاط الإشارات المبكرة وتحليلها بسرعة عالية. توازن دقيق بين الأمن والانفتاح. لكن هذا التصعيد الأمني لا يلغي حقيقة أساسية وهي أن البيئة الخليجية، رغم كل التحديات، لا تزال قائمة على التوازن بين الانفتاح والاستقرار. وتشكل المجتمعات المقيمة، بما فيها اللبنانيون والإيرانيون، جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي والاجتماعي، وتعمل ضمن أطر قانونية واضحة، ضمن نظام يضع القانون فوق كل اعتبار، من دون الانزلاق إلى التعميم أو الاستهداف. الإمارات نموذج: التسامح ضمن الحزم السيادية. وفي هذا السياق تبرز دولة الإمارات كنموذج متقدم في إدارة هذا التوازن، حيث تستوعب أكثر من 200 جنسية ضمن بيئة تقوم على التسامح، وتحافظ في الوقت نفسه على حزمة أمنية صارمة لا تتسامح مع أي محاولة. لزعزعة استقرارها. ويعكس هذا النموذج القدرة على الجمع بين نقيضين: الانفتاح المجتمعي من جهة، والتأكيد السيادي من جهة أخرى، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. معادلة الشفعة والاستقرار. وفي الختام، فإن الخليج يقف أمام لحظة أمنية دقيقة، لا تدار فيها المواجهة بالسلاح وحده، بل بالمعلومات والتحليل والقدرة على المبادرة. المعادلة الجديدة لم تعد تسمح بالانتظار، بل تفرض الترقب كخيار وحيد. بين مضيق هرمز الذي يختبر الاقتصاد العالمي، والخلايا الإرهابية التي تختبر عمق المجتمعات، يتحدد مستقبل الاستقرار في المنطقة. ولعل الرسالة الأهم في هذا المشهد هي أن زمن المفاجآت لم يعد في مصلحة من يراهن على الاختراق، بل في مصلحة من يملك القدرة على اكتشافه قبل ولادته. وهنا تحديداً ترسم ملامح معادلة جديدة: الاستقرار الذي يصنعه الفعل، ولا يمنحه الصمت، والأمن الذي تفرضه المبادرة والإصرار، ولا تستجديه التمنيات.


