اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-03 18:00:00
ولم يعد المشهد الإقليمي محكوماً بثنائية الحرب أو التسوية، بل دخل مرحلة أكثر غموضاً، حيث يُستخدم إعلان الحرب كأداة للضغط التفاوضي، وليس كنقطة اللاعودة. في هذا المناخ، تطرح التهديدات العلنية بالتوازي مع فتح نوافذ خلفية للحوار بين واشنطن وطهران، في معادلة تقوم على رفع السقف، بهدف إعادة رسم شروط التفاهم. وهذا التحول لا يعكس تراجعاً أميركياً بقدر ما يكشف عن توجه نحو إدارة الصراع عبر أدوات الضغط القاسية مع إبقاء هامش المناورة مفتوحاً، مما يضع عدداً من الساحات الإقليمية ضمن دائرة اختبار مباشر. وفي هذا السياق، يبرز العراق كأحد أكثر الساحات حساسية في اختبار النمط الأميركي الجديد، إذ لم تعد الرسائل تنتقل عبر القنوات السياسية التقليدية، بل عبر مواقف مباشرة تلامس حدود التحذير. وبحسب المعطيات فإن اللقاء الذي جمع القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد جوشوا هاريس مع رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، كان له مضمون حاسم، ويعكس توجها أميركيا مباشرا بأن واشنطن قررت التدخل في جوهر المعادلة السياسية وليس في نتائجها اللاحقة. وكانت الرسالة واضحة بأن ترشيح المالكي لم يكن مقبولا لدى الولايات المتحدة، والاستمرار فيه سيضع العراق أمام تكلفة باهظة تتجاوز الأبعاد السياسية إلى الضغوط الاقتصادية والأمنية المباشرة. واللافت في هذا الموقف أنه لم يُطرح على أنه خلاف على برنامج حكومي أو مقاربة داخلية، بل على أنه اعتراض على موقف سياسي يُنظر إليه على أنه امتداد إقليمي غير مرغوب فيه مرتبط مباشرة بإيران. فالمسألة من وجهة النظر الأميركية لا تتعلق بشخص المالكي بقدر ما تتعلق بأهميته السياسية وما يمثله في معادلة النفوذ داخل العراق. في المقابل، اعتبر المالكي هذا الطرح بمثابة انتهاك للسيادة، رافضا منطق الإملاءات، ومؤكدا أن العلاقات بين الدول لا ينبغي أن تدار بلغة التهديد. لكن هذا الرد لم يكن موجهاً إلى واشنطن وحدها، بل حمل معه قراءة أوسع لمسار المنطقة، إذ تتكرر الضغوط نفسها بأشكال مختلفة في أكثر من ساحة عربية. وهنا لم يعد السؤال يقتصر على مصير مرشح سياسي معين، بل يتعدى ذلك إلى طبيعة العلاقة التي تريدها الولايات المتحدة مع العراق في المرحلة المقبلة. ويبدو أن إدارة ترامب لا تترك أي مناطق رمادية. فهي إما شراكة بشروطها، أو مواجهة مفتوحة بأدوات الضغط الأقصى. وهذا ما يضع بغداد أمام اختبار صعب، في لحظة إقليمية لا تسمح بتكلفة الخيارات الحادة، وفي الوقت نفسه لا تسمح بترف تجاهل الحقائق الدولية. على الجانب الآخر من المشهد، تبتعد طهران عن الخطاب الحشدي، وبمنطق مختلف تماما. العقل الإيراني لا يتعامل مع التصعيد كهدف في حد ذاته، بل كأداة ضمن إدارة صراع معقدة، في سياق يتوازى مع الضغوط المفروضة على مناطق النفوذ الإقليمية. ومن ثم فإن فتح أو إغلاق المسارات ليس خيارا ظرفيا، بل هو جزء من حسابات دقيقة تتغير مع تغير الأرصدة. لذلك، لا يمكن فصل أي تغيير في السلوك الأميركي عن هذا الإيقاع، ولا يمكن قراءة التراجع التكتيكي الظاهري إلا على أنه تقاطع مؤقت للمصالح، وليس تحولاً استراتيجياً. وفي هذا الإطار، تندرج الإشارات الإيرانية الأخيرة، بما فيها ما صدر عن المستشار السياسي للمرشد الأعلى الإيراني علي لاريجاني، في إطار هذا الانخراط الهادئ. فهو لا يحمل مضموناً تفاوضياً مباشراً، ولا يوحي بأن المنطقة دخلت مرحلة التسويات، لكنه يرسم مساراً مختلفاً، تعاد فيه صياغة قواعد التعامل السياسي. لذا فإن اللافت في هذا المسار، إذا تطور، سيتركز على الساحات التي تشكل نقاط توازن دقيقة، وأبرزها العراق. وبحسب التقديرات الدبلوماسية، فإن أي تفعيل للقنوات الخلفية بين واشنطن وطهران سينعكس بسرعة على الداخل العراقي، من خلال إعادة ترتيب الأولويات السياسية. وفي هذا السياق، يطرح اسم نوري المالكي كأحد الخيارات التي قد تستبعد من المشهد في إطار إعادة ضبط أوسع للتوازنات، تفرضها لحظة إقليمية بالغة التعقيد. لكن يبقى من الخطأ الاعتقاد بأن المفاوضات، في حال حدوثها، ستؤدي حتماً إلى تهدئة شاملة. وقد أظهرت التجربة أن التفاهمات الجزئية قد تصاحبها عمليات عسكرية مفاجئة تستخدم لتحسين شروط التفاوض. لكن الثابت في هذه المعادلة هو أن خيار التفاوض، بكل مخاطره، يظل أقل تكلفة بالنسبة لإيران من الحرب المفتوحة، بينما تظل الساحات الإقليمية، وعلى رأسها العراق، رهينة هذا التوازن الدقيق بين الضغط والانفتاح.




