اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-28 10:00:00
في اللحظة التي لم تعد فيها الغارات الإسرائيلية وحدها تحدد إيقاع المشهد اللبناني، خرج جدل «الخيانة» ليكشف أن الحرب المفتوحة على الحدود باتت تمتد ضمن معنى القرار الوطني نفسه. بين خطاب حزب الله الذي يرى في التفاوض المباشر تنازلاً تحت النار، وبين رد رئاسة الجمهورية الذي يضع إنهاء الحرب في قلب المسؤولية الوطنية، تجاوز الخلاف شكل قناة التفاوض ليمس جوهر الانتماء للوطن بشكل أو بآخر. لا يمكن التعامل مع هذه المناقشة على أنها بيان عاطفي عابر. إنه يعكس صدعاً أوسع في النظرة إلى الحرب، وحدود الدولة، وموقع المقاومة، ومعنى السيادة في بلد يعيش تحت ضغوط إسرائيلية متصاعدة. المشكلة الحقيقية هنا ليست فقط تبادل الاتهامات، بل وجود رؤيتين متناقضتين لما يحدث. هناك من يعتبر أن السعي لإنهاء الحرب هو «خيار وطني» لإنقاذ ما تبقى من لبنان، فيما يراه الطرف الآخر «تنازلاً مهيناً» تحت ضغط السلاح الإسرائيلي. وهذا التناقض جعل اللبنانيين منقسمين حتى حول تحديد مصلحة بلدهم في وقت كانوا بحاجة إلى الوحدة. ومن هنا، لا تبدو الأزمة مقتصرة على ما إذا كان لبنان سيذهب إلى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، ولا على ما إذا كان حزب الله سيقبل أو يرفض نتائج هذا المسار. الأزمة الأعمق تكمن في أن كل طرف يقدم نفسه كحارس للسيادة، بينما يخشى الطرف الآخر أن يؤدي خياره إلى خسارة البلاد: تارة باسم الحرب، وتارة باسم إنهائها. الخيانة بين منطق الحرب والتفاوض من وجهة نظر حزب الله، لا يمكن فصل التفاوض المباشر عن ميزان القوى الذي تحاول إسرائيل فرضه على الأرض. الغارات مستمرة، والانتهاكات تتسع، والضغط الإسرائيلي لا يتوقف في الجنوب، وفي الساعات القليلة الماضية وصل أيضاً إلى البقاع للمرة الأولى منذ سريان التهدئة، في وقت يريد لبنان، بحسب قراءة الحزب، الجلوس على الطاولة تحت النار. ولذلك فإن التفاوض المباشر، وفق هذا المنطق، يصبح اعترافاً ضمنياً بالقواعد التي تفرضها إسرائيل بالقوة. وبهذا المعنى يمكن القول إن حزب الله لا يهاجم التفاوض لأنه تفاوض مباشر فقط، وهو متمسك بمبدأ التفاوض غير المباشر مع العدو، بل لأنه يراه تفاوضاً في الوقت الخطأ، وفي الظروف الخاطئة، ومن دون تحقيق ما يعتبره شروطاً إلزامية: وقف العدوان، والانسحاب، وإطلاق سراح الأسرى، وعودة الأهالي، وإعادة الإعمار. ومن هنا جاءت كلمات قاسم رفيعة المستوى، إذ أراد أن يقول إن السلطة لا تستطيع أن تعطي إسرائيل عبر السياسة ما لا تستطيع انتزاعه بالكامل بالحرب. في المقابل، تنطلق رئاسة الجمهورية من قراءة مختلفة تماماً للواقع. ولا يرى الرئيس عون في التفاوض تنازلاً، بل ضرورة مطلقة لانتزاع وقف لإطلاق النار يحمي الدولة والمجتمع من تداعيات حرب مفتوحة أصبحت تشكل خطراً على الدولة والمجتمع والجنوب والاقتصاد. ومن هذه الزاوية، جاء سؤاله الرافض حول الإجماع الوطني في قرار الذهاب إلى الحرب، واضعاً الحزب أمام مسؤولياته: كيف يمكن أن نطالب بالإجماع على «الخروج» من الحرب، وهذا الإجماع كان غائباً تماماً عند «الدخول» فيها؟ من يملك القرار النهائي؟ وبين المنطقين تظهر المشكلة اللبنانية المزمنة: قرار الحرب لا يمر دائماً من خلال الدولة، وقرار إنهاء الحرب لا يمكن أن يتجاهل من يملك القدرة على التأثير الميداني. ولذلك يتحول الخلاف من الحديث عن قناة تفاوضية إلى سؤال أعمق: من صاحب القرار النهائي لحظة الحرب؟ الدولة التي تملك الشرعية الدستورية أم القوة التي تملك القدرات العسكرية؟ أم أنه لا يمكن أن يولد حل دون تفاهم بين الطرفين؟ وما يجعل مناقشة “الخيانة” حساسة للغاية هو أنها تفتح أزمة شرعية عميقة في وقت يحتاج فيه لبنان إلى تماسك مؤسساته. إن التذرع بلغة الخيانة والاتهام والبلد ينزف على الأرض يزيد من تعقيد المشهد ويضعف الموقف اللبناني. وبدلاً من توحيد الجهود لوقف العدوان، وجد اللبنانيون أنفسهم في معركة كلامية حول من يملك القرار ومن يوزع شهادات الوطنية. ولذلك، يبدو هذا الانقسام هو أخطر ما يواجهه لبنان اليوم، لأنه يجعل طريق النجاة من الحرب أكثر صعوبة وتشرذما. والمفارقة الكبرى هي أن كل طرف يستخدم نفس قاموس «السيادة»، ولكن بمعاني متناقضة تماما. ويختزل حزب الله السيادة في القدرة على منع العدو من فرض شروطه من خلال التمسك بعناصر القوة العسكرية. أما رئاسة الجمهورية فترى أن السيادة الحقيقية تبدأ بحصرية اتخاذ القرار في يد المؤسسات الشرعية، وعدم الانفراد بأي فصيل بقرار السلم والحرب. وبين هذا وذاك، تبدو الدولة مجدداً أمام اختبار وجودي، إذ أن استمرار المفاوضات من دون غطاء داخلي واسع سيجعل الاتفاق هشاً. وإذا تراجعت تحت وطأة خطاب الخيانة، فستظهر الدولة ككيان غير قادر على امتلاك قراره السيادي. وفي الحالتين تبقى إسرائيل المستفيد الأكبر من المشهد اللبناني المنقسم حول تعريف «الخيانة»، بدلاً من التوحد في مواجهة العدوان الميداني والسياسي. في النهاية، لا يملك لبنان ترف حرب داخلية على الكلمات في وقت تتسع فيه النيران الإسرائيلية. جدل «الخيانة» كشف حجم الصدع، لكنه كشف أيضاً عن الحاجة إلى تعريف وطني مشترك لما يريده البلد: وقف العدوان، وحماية الجنوب، ومنع الاتفاق المذل، وحصر القرار الكبير في مؤسسات قادرة على احتضان اللبنانيين وعدم دفعهم إلى خنادق معارضة. ومن دون ذلك ستواصل إسرائيل ضربها ميدانياً، فيما يواصل اللبنانيون معركتهم الأخطر على من يحق له أن يقول إن هذا الطريق وطني وتلك خيانة.

