لبنان – جنوب لبنان، معلق بين “مضيق علي الطاهر” ومضيق هرمز

اخبار لبنانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
لبنان – جنوب لبنان، معلق بين “مضيق علي الطاهر” ومضيق هرمز

اخبار لبنان – وطن نيوز

اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-12 07:31:00

كانت هذه الحجارة الصغيرة عبارة عن جدران. كانت أسطحاً جعلت سكانها يعتقدون أنها ستحميهم من حر الصيف، وبرد الشتاء، والرياح الغادرة. السقوف التي تحتضن الأم أطفالها تحتها. وتطبخ لهم ما يسد الجوع. ومن هناك يذهبون إلى مدارسهم ويكبرون تحت أعين آبائهم، وابتسامات أجدادهم، والصور المعلقة على الجدران. لقد كان الأمر كذلك قبل وقوع الإعصار، لكنه لم يعد كذلك. وكانت هذه الحجارة الصغيرة عبارة عن مباني يعتقد سكانها أنها مقرهم الدائم وملاذهم الآمن. زميلك يشرح لك. الشقة المدمرة والمحترقة تعني أن طائرة مسيرة استهدفتها في عملية اغتيال. التلة الأنقاض تعني أن أحد المقاتلين اقتلع المبنى وأولئك الذين لم يحالفهم الحظ بالهروب. تحدق في الأنقاض الممزوجة بخطوط الكهرباء. هذه بقايا شرفة كانت مناسبة لاحتساء الشاي والتقاط الأنفاس بعد العمل في الحقل أو الحديقة. هذه هي بقايا الأسرّة التي كانت مناسبة للنوم، وربما للأحلام. لقد فقد وعاء القهوة هذا وظيفته إلى الأبد. هذه هي بقايا النوافذ التي ماتت مع جدرانها. ما مدى صعوبة العيش بالقرب من رجل اسمه بنيامين نتنياهو. الصعوبة تضاعفت بعد «طوفان السنوار». نصحنا جندي من الجيش اللبناني بعدم الاقتراب أكثر. ويؤدي هذا الطريق إلى تل علي الطاهر. وحولها الاحتلال إلى منطقة قتل. ولا يرحم أي جسم متحرك. وفي الجنوب، هناك حديث عن أن تلة علي الطاهر، التي اقترب الجيش الإسرائيلي من أطرافها، تحتوي على أنفاق وغرف عمليات لمقاتلي حزب الله. ويستعد الجيش الإسرائيلي لمهاجمتها فور تخفيف القيود التي فرضها دونالد ترامب على تحركاتها. كان موضوع علي الطاهر يحمل رمزية غير عادية. ويرى الخبراء أن إسرائيل قد لا تتردد في دفع الخسائر المطلوبة للسيطرة على التلة. أخذنا بنصيحة الجندي وقلنا نكتفي بتفقد جراح المدينة، بما فيها أسواقها التجارية، حيث نفذ جيش الاحتلال قرارا بإعدامهم فيما يشبه إنشاء مقبرة جماعية. وفجأة سمعنا صوت طنين قادم من الفضاء. وقال زميلي ثائر عباس إنها الطائرة الإسرائيلية بدون طيار. بدأت الطائرة بدون طيار في التحليق وكأنها تذكر أولئك الذين يعيشون تحتها بأنهم يعيشون تحت رحمتها. ولها الحق في حذفها في أي وقت تريد. وهو قادر على مراقبة حركاتهم وحساب أنفاسهم. كنت قد سمعت صوت الطائرة بدون طيار تطن فوق بيروت من قبل، لكن صوتها القريب من علي الطاهر يجعل صوتها أقرب إلى حركة السكاكين في الشرايين. وهي تذكر من يعيش تحتها بأن يد الاحتلال طويلة. تذكره بأنه خسر الحرب. تسمع في النبطية أن قسوة ما عاشته، رغم رعبه، أقل بكثير مما حدث للقرى الحدودية التي أصبحت الآن في أيدي الجيش الإسرائيلي. الجيش الذي برع في محو القرى بشكل كامل أو شبه كامل، بحيث أصبحت عودة أهلها مستحيلة. ولم يترك أي سقف. ولم يترك جدارا. ولم ينس اغتيال الأشجار وأعمدة الكهرباء. تخاف عندما تسمع أن مشهد عشرات القرى الحدودية يذكرنا بمشاهد غزة. كما تسمع أن الجثث لا تزال تقبع تحت الأنقاض في القرى المسحوقة، وأن الطائرات بدون طيار تمطر الجرافات إذا حاولت الاقتراب لإعادة الجثث إلى ذويها لتكفنها بمناديل دموعها وحفنات التراب. ما أقسى أن يتحول الوطن إلى قبر أو مشروع قبر. فتحها رجل يعرف الخريطة وبدأ يراجع أسماء القرى وما بقي منها. تخوف من جولة جديدة تتقدم فيها قوات الاحتلال نحو منطقة علي الطاهر، الأمر الذي قد يغريها بالتقدم إلى تلال أخرى. ذكّرنا الرجل بأن أطماع إسرائيل في لبنان قديمة، وخصوصاً في مياهه. ويستطيع الزائر أن يسمع أن مصير “مضيق علي الطاهر” مرتبط بمصير مضيق هرمز. والحقيقة أن المراقب لا يحتاج إلى من يذكره بالخيط الإيراني الذي يربط جنوب لبنان بالأزمة الكبرى في المنطقة. فالأمر يتجاوز إدراج لبنان في البند الأول من مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية ووقف إطلاق النار. الخيط الإيراني ليس نتيجة مذكرة التفاهم. إنه أعمق وأقدم. وفي الطريق إلى صور ومن هناك إلى النبطية ترى صوراً تحكي القصة. صور حسن نصر الله ورفاقه. صور الخميني وخامنئي الأب، وخامنئي الابن، وصور قاسم سليماني. إضافة إلى صور نبيه بري الذي مررنا به بالقرب من معقله في المصيلح، حيث سبق أن زرناه وأجرينا معه مقابلة. حزنت وأنا أشاهد جنوداً من الجيش اللبناني دمر الجيش الإسرائيلي مواقعهم في جنوب جيش الليطاني وقتل العشرات من جنوده. قصة الجيش مأساة في بلد قصته مأساة. ما مدى صعوبة أن يكون الجيش قوياً في بلد هش. الوطن الذي رافقه الانقسام منذ ولادته، ولا يغيب عن كل استحقاق وطني كبير. الجيش اللبناني لا يعاني من نقص الكفاءة أو الشجاعة. لقد كان يفتقر دائما إلى وسادة قوية لاتخاذ القرار السياسي الشامل. وهو مدعو دائماً إلى مهام شائكة تفوق قدرته ومعداته، وفي غياب قرار سياسي خالٍ من الغموض. القصة لم تبدأ في السنوات الأخيرة. بدأ الأمر عندما وقع قائد الجيش اللبناني الراحل العماد إميل البستاني «اتفاق القاهرة» مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. يومها اضطرت السلطة اللبنانية إلى التنازل عن جزء من سيادتها تفادياً لحرب داخلية ستأتي لاحقاً. وعملياً، تم تكليف لبنان بالبقاء جبهة مفتوحة ضد إسرائيل، فيما ظلت الجبهات الأخرى صامتة، خاصة في الجولان السوري، خاصة بعد حرب 1973. هكذا علق جنوب لبنان على خط التوتر العالي الذي يمثله الصراع العسكري مع إسرائيل. وفي عام 1982، غزت إسرائيل لبنان واحتلت بيروت. ولدت «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول)، ثم أمر حافظ الأسد بإلغائها منتصف الثمانينات لصالح «المقاومة الإسلامية» ممثلة بـ«حزب الله». وهكذا تحولت الحدود اللبنانية – الإسرائيلية إلى حدود إيرانية – إسرائيلية، وكانت حرب 2006 إحدى حلقاتها. على مدى عقود، شابت المأساة اللبنانية انهيارات واغتيالات. ضريح كمال جنبلاط. وضريح بشير الجميل. وضريح رينيه معوض. وضريح رفيق الحريري. كل من حاول استعادة القرار اللبناني تم قطع رأسه، حتى من مواقع مختلفة، وعلى طريقته الخاصة. وفي طريق العودة، تذكرت مواطناً جنوبياً دارت معه محادثة على مدى أكثر من ثلاثة عقود. إنه محسن إبراهيم الجنوبي الذي كان أميناً عاماً لمنظمة العمل الشيوعي والحركة الوطنية اللبنانية. واعترف إبراهيم أن «الحركة الوطنية أثقلت لبنان فوق طاقته عندما تمادت في احتضان المقاومة الفلسطينية». وفاجأني ذات يوم عندما قال لي: «حزب الله أيضاً يثقل كاهل لبنان بما يفوق طاقته». وكان يتحدث بعد سنوات من اغتيال رفيق الحريري والتدخل العسكري للحزب في سوريا لإنقاذ نظام بشار الأسد. وفي طريق العودة، شاهدنا قافلة تابعة لليونيفيل تغادر إلى الأبد. كان الوجود الدولي في منطقة الحدود اللبنانية الإسرائيلية مفيداً في بعض الأحيان، لكنه كان دائماً عاجزاً. هذه القوة الدولية عاشت في ظل انتهاكات إسرائيلية لم تتمكن من منعها، وفوق أنفاق حزب الله التي كانت تستعد للحرب المقبلة، ولم تستطع إلا أن تتجاهلها. واليوم، يعيش لبنان مأزقاً أصعب من أي مأزق شهده في أي وقت مضى. بعد «طوفان السنوار» اختار «حزب الله» التوجه إلى «نصرة غزة». بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، اختار خوض حرب «الانتقام» من أجله. وكانت نتيجة الحربين احتلال أجزاء من جنوب لبنان. وبعد “الطوفان” غيرت إسرائيل عقيدتها العسكرية. ولم تعد تقبل التعايش مع ما تسميه الأخطار الواقعة خارج حدودها. واختارت العبور إلى أراضي الآخرين وإقامة “مناطق آمنة”. ومن الواضح أنها اتخذت قراراً بإخراج لبنان من الشق العسكري للصراع معه. ورافق ذلك إرادة دولية لمطالبة لبنان ببسط سيطرته على كامل أراضيه بواسطة قواته الشرعية وحدها. وهذا يعني نزع سلاح حزب الله أو حصره وفق الصيغة الملطفة. ومن الواضح أن لا الحزب ولا إيران يقبلان ذلك. إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه أثار مشاعر البعد والحديث عن صيغ أخرى للتعايش أو الطلاق المعتدل. وجنوب لبنان معلق على الحبل الممتد بين مضيق علي الطاهر ومضيق هرمز. يتمسك لبنان بملامح أزمة مكونات تهدد بتأكيد أن لبنان خسر الحرب في جنوبه، وأنه يستعد لخسارتها أيضاً في عاصمته.

اخبار اليوم لبنان

جنوب لبنان، معلق بين “مضيق علي الطاهر” ومضيق هرمز

اخر اخبار لبنان

اخبار طرابلس لبنان

اخبار لبنان الان

#جنوب #لبنان #معلق #بين #مضيق #علي #الطاهر #ومضيق #هرمز

المصدر – الصحافة – صوت بيروت إنترناشونال